منى السعودي النحاتة التي أنطقت الحجر شعرا

الأحد 2016/02/21
منى السعودي خمسون سنة من النحت في محيط الحلم

لندن – "شعر من حجر" هو عنوان أحد معارضها في دبي 2015. عبارتها التي تلخّص خبرتها في الحياة والفن تتناقض مع ما كان متعارفا عليه من علاقة متينة بين الشعر والرسم، كونهما فنين انفعاليين، أما النحت فقد كان دائما أقرب إلى الرواية، حيث يتطلب العمل عليهما الكثير من الصبر والأناة والجهد العضلي بما يعلي من شأن الحرفة البطيئة على حساب الانفعال السريع.

الفنانة التي قلبت المعادلة

منى السعودي قلبت المعادلة التي كانت نوعا من البداهة، فصار في إمكانها أن تتحدث عن حديقة من حجر، هي حديقة بيتها التي امتلأ ت بالتماثيل. ولأن علاقتها بالشعر قديمة، فقد كان الشعر يتسلل إلى منحوتاتها ليضفي الشيء الكثير من غموضه على تلك الأحجار التي لم تعد أحجارا بسبب امتزاجها بنغم الجمل الموسيقية التي انبعثت من يد النحاتة لتتسلق سلّمها الوهمي.

"حين تفقد الحجارة أوزانها، تصير قصائد" تقول في إحدى قصائدها. وهي جملة تذكر بمنحوتات الأسباني تشيلدا. أطنان من الحجر التي تتألف منها المنحوتة لم تمنعها من التحليق مثل جوقة عصافير. وهو ما يفعله الفن دائما.

صبية الخيال

دخلت السعودي إلى الشعر صبية لتتعرف من خلاله على الحياة المباشرة ولتهب نفسها معبأة بقدرته على التحدي للمستضعفين من البشر. كان كتابها عن رسوم أطفال المخيمات الفلسطينية فاتحة للتعرف على خيال أبناء المناطق المحرومة الممتلئين بحلم العودة إلى بيوتهم.

في باريس تقف منحوتتها الضخمة “هندسة الروح” أمام معهد العالم العربي كما لو أنها لا تقف على أرض بعينها، لا بسبب أسلوبها التجريدي بل بسبب ما توحي به من صفاء مبهم يصيب الروح برغبة التخلي عن البحث عن المعاني المتاحة والامتزاج بفكرة الخلق المطلق الذي يفكر بلغته الخاصة، التي هي لغة الجمال الخالص.

ورثت خيال الرومان

ولدت النحاتة الأردنية منى السعودي عام 1945 في عمّان، في بيت هو جزء من موقع أثري “سبيل الحوريات”. قضت طفولتها في تأمل الأعمدة والتماثيل الرومانية وهو ما ألقى بظلاله على مستقبلها الذي صار عبارة عن سفرة بين عمودين. “كنت أترك أصدقائي لألعب مع التماثيل وأتأمل صناعتها وكيف دبت الحياة في الحجر.

منحوتتها الضخمة "هندسة الروح" تقف أمام معهد العالم العربي في باريس كما لو أنها لا تقف على أرض بعينها، لا بسبب أسلوبها التجريدي بل بسبب ما توحي به من صفاء مبهم يصيب الروح برغبة التخلي عن البحث عن المعاني
كانت تلك التماثيل بالنسبة إليّ كائنات حية، وكانت تلك الأماكن الحقيقية الخيالية تعطيني الشعور بقدرة الإنسان على عمل أشياء عظيمة تبقى على مدى الزمن” تقول منى. حين تعرفت على النحات اللبناني ميشال بصبوص عام 1963 في بيروت لم تكن سوى فتاة أنهت لتوّها دراستها الثانوية.

كان بصبوص معلمها الأول. فتح الفنان اللبناني حليم جرداق أمامها أبواب بيروت الثقافية لتتعرف على رموز تلك المرحلة القلقة التي كانت تستعد لتأسيس ثقافة عربية جديدة (أدونيس، يوسف الخال، أنسي الحاج ونزيه خاطر وبول غيراغوسيان) وهو ما مهّد أمامها الطريق لإقامة أول معرض لرسومها “مقهى الصحافة/مبنى جريدة النهار”. حدث ذلك بدعم من مجموعة من الشعراء والفنانين الذين اكتشفوا في الفتاة القادمة من الصحراء موهبة مختلفة وخيال يد نزقة. في العام التالي رحلت إلى باريس.

هناك ستتعرف على منحوتات قسطنطين برانكوزي لتكون تلك المنحوتات مأثرة حياتها في النحت. إلهام الروماني برانكوزي لم يفارقها لحظة واحدة من حياتها، بالرغم من أنها أصبحت بجهدها ومثابرتها وموهبتها وخيالها وسعة معرفتها واحدة من أهمّ النحاتات المعاصرات في العالم.

عودة إلى هندسة الروح

كان جرداق حاضرا في مرحلتها الباريسية، بل كان بالنسبة إليها مفتاح مدينة النور. بين المدرسة العليا للفنون ومحترف الفنان كولاماريني تنقلت منى بأفكارها المتمردة ويدها المهووسة باختراق الحجر لتكشف عن الحياة التي تختفي في أعماقه. في ذلك المحترف أنجزت الفنانة منحوتتها الأولى عام 1965، وكانت الأمومة موضوعها. عام 2007 أصدرت السعودي كتابا بعنوان "أربعون سنة من النحت" كان بمثابة تحية إلى تلك المنحوتة. عام 1969 عادت الفنانة إلى بيروت.

النحت كفّ على يدها عن الثرثرة

زيّنت منى السعودي دفاتر الشعراء العرب الكبار برسومها. وكانت حينها تذهب إلى التجريد بقوة الخط الذي تفتقد إليه الكتلة. غير أنها في منحوتاتها سعت إلى أن تقترب من اللاشكل متأثرة بـ”هانس آرب” وهو موضوع من الصعب تحقيقه. فالكتلة النحتية كيان مجسد لا يمكنه الإفلات من قدره الشكلي.

ما سعت إليه السعودي يتخطى قدرات النحت. أن تختفي الكتلة في لحظة النظر فلا يبقى منها سوى تأثيرها. ما الذي سيبقى من المنحوتة إذن؟

شيء يشبه كتابة الشعر الذي لم يكن سوى ملاحظات على هامش وجودها نحاتة. فالسعودي لم تكن شاعرة خالصة. كانت على الدوام نحاتة تكتب الشعر.

تقول في إحدى قصائدها:

“وسأنحت لكم حبيبين، دائما اثنين

الذكر والأنثى، الأم الأرض والابن الجسد

وشكلا يعانق شكلا. حوار ـــ صمت ..

وما يوجد في الحلم على الأرض

والإنسان نبات حلمه".

ابنة السبعين الآن ستكون كما هي دائما. كما كانت دائما. الفتاة التي قبض عليها ذات مرة في أحد المطارات الأوروبية بتهمة التخطيط لاغتيال بن غوريون. شيء منها أحدث تغييرا جوهريا في النحت العربي. لقد كفّ النحت على يدها عن الثرثرة. كان على الحجر أن يقول شعرا.

النحاتة التي ترعى أحلامها

"النحت ليس أصعب من عمل امرأة ترعى الأغنام، أو تحرث الأرض في حقلها، كما أن النساء في الماضي كنّ يقمن بأعمال شاقة في المنزل" تقول منى السعودي وتضيف "النحت هو الإيمان بما يقوم به المرء. وهذا ما يؤدي به إلى الاستمرارية” تفسر السعودي بطريقة مبسّطة ما يراه الكثيرون معقدا. امرأة نحاتة هو أمر غير مقبول بل وغير متوقع.
السعودي سعت إلى أن تقترب من اللاشكل
ولكن لويزا بورجوا كانت نحاتة أيضا سبقتها نحاتات أخريات. بالنسبة إلى السعودي فلا بأس أن تنتمي إلى القلة المحظوظة. حين أصدرت كتابيها الشعريين “رؤيا أولى” و”محيط الحلم” لم تفكر في أنها ستكون مقروءة. صوت الشعر كما هو صمت الحجر هو الأهمّ.

ولكي تكتمل معرفتها بالنحت كان عليها أن تذهب إلى كرارا الإيطالية. هناك تعرّفت على الرخام، في الوقت نفسه تعلمت من العمّال المهرة هناك أسرار استعمال الإزاميل والمطارق وصقل المنحوتات وتركيبها وحملها. لقد خُلقت تلك المرأة لتكون قويّة من غير أن تتخلى عن عاطفتها الأنثوية “كنا نصعد إلى جبال المرمر في أوقات الفراغ عبر كروم العنب” تقول منى.

لم تكن السعودي في حاجة إلى أحداث باريس عام 1968 لتتعرف على صلة المثقف بالحياة السياسية، وإن أبهرها أن تكون حاضرة في عمق صورة التحول الذي يشهده العالم.

لقد عاشت تلك الأجواء بانفعال مَنْ تعرف ما الذي ينتظرها. حين عادت إلى بيروت عام 1969 ممتلئة بأحلام الفنانة المغامرة كان عليها بعد سنوات أن تعيش أجواء حرب أهلية رفضتها.
في تلك السنوات صنعت السعودي شخصيتها الفنية التي ستُعرف بها على الصعيد العالمي. حين عادت إلى عمّان عام 1983 كانت فنانة مكرسة.
10