منى الصفار: الحياة قصيدة طويلة تنتظر أن نكتشف شاعريتها

الثلاثاء 2014/08/19
الصفار: عجلة الشعر في الخليج تسير ببطء شديد بعد قاسم حداد

لدى الشاعرة البحرينية منى الصفار لا يبدو الشعر من دون تعريف، بل هي تحاول الابتعاد عن طرفه الحاد، بهذا المفهوم فقط نستطيع أن نفهم قصدها من ديوانها الأخير”على قدمين عاريتين” وقبله “غائب ولكن- عندما كنتَ صامتا”، وكانت تجربة مشتركة مع الشاعرة سوسن دهنيم، جريدة “العرب” التقت منى وكان لنا الحديث التالي معها.

بدءا وعن الخلفية الأدبية التي انطلقت منها إلى عالم الشعر، تؤكد منى الصفار قائلة: “أتتني الكتابة بطريقة ما، ليس لديّ خلفية أدبية واضحة، لكنني ولدت في منزل يقدّس القراءة كثيرا، أحببت الكتب منذ الصغر منذ مجموعة المكتبة الخضراء. للشعر دائما مكانة عندي خاصة منذ طفولتي، ورغم أن ما كان يشجعني أبواي على قراءته هو النص الديني تحديدا، إلا أنني سريعا ما خرجت من العلبة، لتتنوع قراءاتي، فهذا ما حدث ببساطة”.


الحياة قصيدة


عن قدرة الشعر على خلق الحياة وعلى التغيير وتقديم الجمال، وعن دافع الكتابة عندها، تعتبر الشاعرة أن الشعر هو حالة تجلّ إنسانية، الحالة التي تنبثق من صدرك نحو العالم، وهي تؤمن بأن الشاعر ليس بالضرورة مصلحا، وأن الجمال نسبي، يقدم بوسائل وطرق مختلفة، ففي رأيها، نحن جميعا حبيسو الشعر في الحياة، في الحياة اليومية، في الوردة على الرصيف، في ابتسامة المتعب، والحياة قصيدة طويلة تنتظر أن نكتشف شاعريتها.

وتضيف الصفار قولها: “الشاعر ليس ملزما بتغيير هذا العالم، هو ملزم فقط بأن يقدم القصيدة، أن يعزف الشعر، أن يقتنص الحياة ليحوّل العادي واليومي إلى شيء مختلف، أن ينفخ فيه من الدهشة ويطلقه في الفضاء. والذي يدفعني شخصيا إلى الكتابة حالة تشبه الإدمان، وهي أن تحتاج إلى تفريغ نص على صفحة ورقة، أن تحتاج إلى تفجير الطاقة المخبأة في صدرك على هيئة كلمات”.

وتتابع قائلة: “الشعر بالنسبة إليّ هو حياة بأكملها، تثيره مستفزات معينة للبروز. ولكن أومن بأن الشاعر يولد شاعرا، فهو أمر لا يخلق من عدم، ولا يستحدث من فراغ. الكتابة هي ببساطة أنا”.

فخ الشعر هو أنك تقع في الحالة الوجدانية التي من الممكن أن يتحدث عنها شخص آخر بنفس الطريقة


القارئ والكاتب


عن حضور القارئ في ذهنها عندما تشرع في كتابة القصيدة، تبيّن الشاعرة أن القارئ لا يأتي في المرتبة الأولى عندما تكتب، بل الحالة الشعورية في التعبير ودافعها للكتابة هو ذاتي بحت، إلا أنه مع التوغل في القراءات، ومع تغيير المفهوم العام لحقيقة الشعر، والتأثر بالمدارس الشعرية والمحيط والشعراء والقراءات المتفرقة، يختلف الوعي في طريقة تقديم الدهشة.

فالقارئ، في اعتقادها، موجود دائما، لكنه غالبا ما يظهر في الصورة بعد كتابة النص، وليس قبل ذلك. لذلك رغم إيمانها بأهمية القارئ إلا أنها لا تكتب تحديدا من أجله. فهي تقع في فخ الذاتية عندما تكتب، وغالبا ما يكون القارئ في الانتظار على ضفة أخرى. إلا أنه بالتأكيد ليس مغيبا، ولا يقل أهمية عن فعل الكتابة. الأمر في اعتبارها هو أنها تقدم نفسها هي، وليس ما ينتظره منها قارئ ما.



مفهوم الحداثة


بعد رفض البلاغة التقليدية واللجوء إلى استخدام غامض للاستعارة والمجاز، وهذا من أهم ما يميز شعراء الحداثة، تتحدث منى الصفار عن الحداثة في الشعر، معتبرة إياها، في زمن ما، كانت صنيعة اللغة، والعبث بالمفردات، واستحداث العبارات، والصياغات الجديدة المختلفة، لكن الآن تؤمن الشاعرة بأن الحداثة هي تقديم الدهشة، أن تستطيع تحويل العادي والمعروف والملموس إلى قطع من الغيوم، أن تستطيع صناعة صورة جديدة، أن تترك العنان للخيال يتنفس بعيدا عن القوانين التي تعارف عليها الناس وتناقلوها، الحداثة أن تكون بسيطا إلى حدّ الدهشة، في المفردة والصورة والتقديم. أن تستطيع أن تحوّل كرسيا مثلا إلى قصيدة.

في مجموعتها “على قدمين عاريتين” تُحيلنا منى الصفار على آثار لشعراء آخرين أمثال نازك الملائكة، آنا غريكا، مرام المصري. وهي تفسر هذا التناصّ الحاضر على أنه تشابه عفوي ربما، فهناك، في رأيها، من الهواجس الإنسانية ما هو مكرر ومستنفد على مرّ الوقت، وهناك الفكرة التي من الممكن أن تتوالد على طرفي العالم في نفس الوقت. هناك شخصيات تتشابه جوهريا وتختلف ظاهريا ربما، وربما فخ الشعر هو أنك تقع في الحالة الوجدانية التي من الممكن أن يتحدث عنها شخص آخر بنفس الطريقة.

وتضيف الشاعرة قائلة: “لا أنكر أيضا أن القراءات أحيانا تصنع شعرا متشابها، ولو أنني حاليا في المرحلة التي أحاول فيها أن أكون أنا، ذاتي الخاصة، أن أتحرر من إعادة صياغة قراءاتي لقصائد جديدة. أن أفتح جناحين للطيران، وأن أستطيع أن أرسم حدود شخصيتي الشعرية بشكل صحيح ومختلف. أن أخرج الشاعرة التي هي أنا إلى النور بشكل مغاير ومختلف عما قدمته أخريات”.

القارئ غالبا ما يكون في الانتظار على ضفة أخرى، ولا يقل أهمية عن فعل الكتابة


الكتابة النسوية


في تقييمها لحقل الكتابة الشعرية النسائية بالخليج، وإلى أي منحى تتجه القصيدة النسائية في البحرين. تعتقد منى بأنهن يسرن على الطريق الصحيح، و تؤكد أن هناك الكثير من الأسماء الجميلة، إلا أنهن بحاجة إلى المزيد من الوقت ليصلن إلى المعنى الجوهري وتقديم المختلف. فعجلة الشعر في الخليج، وخصوصا قصيدة النثر، تسير ببطء شديد بعد قاسم حداد، الذي اتبع مدرسته شعراء وشاعرات أيضا.

تضيف قولها: “هناك أسماء لا يمكن أن ننكر تميزها، وشاعريتها الحق، ومقدرتها على تقديم شعر جميل يمثل الشعر النسائي. إلا أنني لا أزال أعتقد أننا بحاجة إلى المزيد من الوقت لنصل لما وصلت إليه الشاعرات في الوطن العربي، عزائي أننا الآن في الطريق الصحيح، وهو الأمر الذي يبعث على الأمل. فالقصيدة النسائية في البحرين، ومع ظهور جيل جديد قارئ ومثقف ومطلع على تجارب متطورة في الشعر، في وضع مبشر جدا. وآمل حقا أن تستطيع الأجيال التالية تقديم شعر حقيقي واضح وملموس بشكل متميز على مستوى الوطن العربي والعالم”.
وختاما، لو عاد بها الزمن إلى الماضي، فأيّ قصيدة كانت ستكتبها؟ تؤكد الشاعرة أنها كانت ستكتب قصائدها نفسها مرة بعد مرة، وستعيد كتابة قصائدها البسيطة والمتعثرة والمختلفة، لأنها هي التي تشبهها منذ أمسكت القلم.

15