منى برنس مصرية تترشح لمنصب رئاسة الجمهورية لتثير الجدل

الأحد 2017/10/22
أكاديمية تحول نفسها إلى ظاهرة في مواجهة جميع السلطات

القاهرة - اشتعال بورصة ترشح غير المؤهلين سياسيا لمنصب رئاسة الجمهورية يكشف عن مضامين اجتماعية وثقافية كبيرة، وأيضا لا تخلو من أبعاد سياسية. في مصر التي عجزت نخبها الحزبية عن اختيار مرشح مناسب يخوض الانتخابات في مواجهة الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي واكتفت بتوجيه الانتقادات لحالة الفراغ والتضييق على الحريات، ولم تسأل نفسها لماذا وصلت البلاد إلى هذا الخواء.

صحيفة الغارديان البريطانية أجرت حوارا صحافيا مطولا مع منى برنس أستاذة الأدب الإنكليزي بكلية الآداب جامعة السويس الواقعة شرق القاهرة باعتبارها شخصية مثيرة للجدل داخل المجتمع المصري، وازدادت إثارتها بعد إعلانها مؤخرا ترشحها لانتخابات الرئاسة المصرية التي من المفترض إقامتها منتصف العام القادم، ويبدو الرئيس السيسي حتى الآن المرشح الوحيد الذي يحظى بأغلبية كبيرة.

وتظهر في مصر إبان كل استحقاق انتخابي في مصر شخصيات مثيرة للجدل لتعلن نيتها خوض الانتخابات، حتى أصبحت عادة مصرية، لكن هذه المرة مثّل إعلان برنس صخبا من نوع آخر لأنه ارتبط بشخصية شغلت بال الكثيرين بسبب آرائها ومواقفها التي تسعى من خلالها لكسر قيود المجتمع وتجاوز التقاليد الموروثة في مخيّلة الناس.

إثارة متعمدة

شغلت برنس الرأي العام في مصر بعد أن نشرت مقطعا مصورا لها وهي ترتدي ملابس البحر وترقص بخصرها رقصا شرقيا مثيرا، وفتح المقطع باب الجدل بين مؤيد لأستاذة الجامعة التي تدعو إلى الحرية وكسر القواعد وعدم الالتزام بها، ومعارض يطالبها باحترام وظيفتها ودورها كقدوة أمام المئات من الطلبة والطالبات.

ومنذ ظهورها على الساحة المصرية كداعية تحرر أرادت برنس كسر كل القواعد والقيود لأجل أن تعيش حرّة بعيدًا عن مطاردتها بهاجس أنها تعيش في مجتمع شرقي له عاداته وتقاليده، واستطاعت أن تخلق جمهورًا من المتابعين والمدافعين عن فكرتها بمزيد من التحرر والخروج من عنق الالتزام بمبادئ المجتمع.

ينظر كثيرون إلى برنس على أنها من أثارت قضية المسموح وغير المسموح به في المجتمعات الشرقية، وتداول البعض القضية بعدما انتقدوا نشر الأكاديمية أدق تفاصيل حياتها عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، بدعوى أنها قدوة للناس باعتبارها أستاذة جامعية، لكنها تعاملت بمبدأ أن الإنسان من يصنع القدوة لنفسه ولا يجب أن يكون أحدًا وصيّا عليه.

قالت برنس خلال المقطع المصوّر التي أعلنت من خلاله الترشح للرئاسة إنه “لا يوجد مرشح رئاسي يجرؤ على نشر صورة وبيده كأس نبيذ أو أي شيء من هذا القبيل رغم أنهم يتعاطون الكحول”.

وأوضحت أن ذلك “ليس ترويجاً للكحول في المجتمع بل أن أكون صادقة فحسب، أنا لا أنشر صوري وأنا أُصلي ليعرف الناس أني متدينة، فهذا ليس هو ما يؤهلني للرئاسة. أنا هنا لأداء مهمة وليس للتحدث باسم الله”.

ولم تكتف بذلك بل أضافت إن برنامجها الانتخابي “يركز على استخدام التعليم والفنون لحلّ مشاكل مصر وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية المستمرة وخطر الجماعات الجهادية”.

كثيرون ينظرون إلى برنس على أنها من أثارت قضية المسموح وغير المسموح به في المجتمعات الشرقية، وتداول البعض القضية بعدما انتقدوا نشر الأكاديمية أدق تفاصيل حياتها عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)

يحق لكل مواطن الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية طبقا للدستور المصري. لكن تواجه برنس احتمالية استبعادها رسميا من الانتخابات بسبب القانون المصري الذي يضع شروطًا صارمة لمسألة الترشح من بينها حسن السلوك، ولم يحدد المشرع في الدستور أسبابا محددة لفقدان حسن السمعة والسيرة الحميدة على سبيل الحصر وبالتالي يصبح أيّ شخص معرضا للاستبعاد بحسب رأي المحكمة.

وسبق وأن رفضت الهيئة العليا للانتخابات، من قبل، ترشح الراقصة الاستعراضية سما المصري، قبيل إجراء الانتخابات البرلمانية في ديسمبر من العام 2015، بعد أن صدر حكم ضدها بخدش الحياء العام في بعض أغانيها، وهو الإجراء المتوقّع تكراره مع برنس، فضلا عن أن هناك شرطًا يتطلب تنفيذه بالنسبة إلى من يرغب في الترشح للرئاسة، وهو جمع توقيعات لنحو 30 ألف مواطن من المحافظات المصرية المختلفة.

برنس بدورها تؤمن بأن التحرر الذاتي أقرب طريق إلى الحياة، وأن الاستقلال عن فكرة الأعراف والتقاليد والموروثات بداية لخلق مجتمع مدني مسالم ينبذ التطرف والتشدد والتمسك بخرافات عفا عليها الزمن، واستسلام الإنسان لأشياء غير مؤمن ولا مقتنع بها يعكس مدى انفصام شخصيته ووضع نفسه في سجن مجتمعي لا أمل فيه للتحرر منه.

برنس تحال إلى التحقيق

قررت برنس أن تعلن قيمها تلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، فنشرت ذلك المقطع الذي قالت فيه إنها تمارس هويتها المفضلة وهي “الرقص أعلى سطح منزلها”، ما دفع إدارة الجامعة التي تنتمي إليها إلى إحالتها للتحقيق الإداري، ثم عوقبت بخصم ثلثي راتبها وحرمانها من الترقّي والوقف عن العمل لفترة.

وكانت قد تعرضت لهجوم أشد وطأة عندما نشرت المزيد من الصور والمقاطع المصورة مؤكدة أنها شخصية عنيدة ولن يوقفها أيّ نقد أو سبّ، وأثارت الجدل من جديد عندما نشرت مقطع فيديو آخر وهي ترقص أثناء قضائها إجازة الصيف على أحد شواطئ المدن الساحلية في مصر، معلقة عبر صفحتها على فيسبوك “سوف أرقص وأرقص ولن يمنعني أحد”.

لم تبال برنس بالاتهامات التي وجّهت إليها وانهالت عليها من جهات عدة، بأنها “تقود ثورة العاهرات”، حتى أصبحت متهمة في نظر الأكثرية بأنها من تروّج للتحرر الجنسي والانحطاط الأخلاقي في المجتمع، وتريد الإثارة لنشر الفتنة في البلاد، ووصل الحد إلى اتهامها أنها تقوم بذلك لحساب دوائر أجنبية تستهدف مصر.

منتقدو برنس يرون أن ما تقدم عليه يتنافى مع طبيعة المجتمع المصري من حيث الالتزام والتمسك بالتقاليد والأعراف، حتى وإن كانت هناك فئة تسعى لترسيخ ثقافة التحرر من هذه التقاليد

طبيعة المجتمع

يرى منتقدو برنس أن ما تقدم عليه يتنافى مع طبيعة المجتمع المصري من حيث الالتزام والتمسك بالتقاليد والأعراف، حتى وإن كانت هناك فئة تسعى لترسيخ ثقافة التحرر من هذه التقاليد، لكن أصبحت لدى برنس فئة تدافع عنها وتدعمها، خاصة من اعتادوا الدخول في معارك لأجل تجديد الفكر، على غرار الباحث الإسلامي إسلام بحيري.

تؤمن برنس بمبدأ أن “الإنسان حرّ ما لم يضر”، وترى أن الرقص تعبير عن حالة من البهجة والسعادة يشعر بها الإنسان، ومن حقه أن يظهر ذلك للناس، بغض النظر عن مكانته الاجتماعية وطبيعة عمله حتى لو كان في حق التدريس، فهو في النهاية إنسان له حقوق على الجميع احترامها من منطلق الحرية الشخصية.

وعُرفت في بعض الأوساط بأنها سباقة في توصيل صورة غير مألوفة عن الأستاذ الجامعي والأكاديمي المصري الذي يكون لزامًا عليه أن يتحسس خطواته وأفعاله باعتباره قدوة للجيل الجديد، لكنها تعمدت كسر هذه القاعدة رأسا على عقب، ورفضت أن تكون وظيفتها الجامعية مدخلًا للتضييق على حرياتها الشخصية وممارسة حقها في أن تكون حرّة إلى أقصى درجة.

من يدري، فقد تكون برنس غير جادة في ترشحها، وتريد توصيل رسائلها للمجتمع، وتتلخص مشكلتها مع المجتمع أنها عندما أرادت كسر القواعد والأنماط البالية من وجهة نظرها وتجاوز التقاليد المتعارف عليها سواء في الحياة العامة أو حياة الأكاديمي المصري وقررت بشكل متطرف نقل المجتمع من الانغلاق إلى الحرية التي تحددها هي، وعدم التشبث بالتقاليد المتعارف عليها منذ القدم وحث الجميع على التحرر الكامل من هذه القيود، وهو ما يعرف في علم النفس بالصدمة، بمعنى أنها تريد نقلة كبيرة وفجائية ودون مقدمات أو خوض معارك على مراحل.

ثمن التجديد والحداثة

تقول برنس “لم يكن بوسعي اختبار الناس أولًا في أفكاري ورؤيتي حول التحرّر من القيود الفكرية والمجتمعية، فربما أحبط من رد الفعل، وبالتالي كان البديل المناسب أن أفاجئ الجميع بهذه الأفكار المستحدثة لأكشف مدى الازدواجية في الفكر، فهناك من قال إن ما فعلته شيء معيب، برغم أنه يفعل نفس الأمر ولكن في الخفاء خشية المواجهة”.

وبحسب رؤيتها من يأخذ على عاتقه التجديد والحداثة لا بد وأن يكون شجاعًا لأقصى درجة، ولا يحبط من رد الفعل، وإذا أراد التغيير فعليه أن ينتقل من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرة واحدة دون تدرج لأنه سوف يصطدم بعقبات كثيرة.

لا يمكن فصل توجّهات برنس الفكرية عن كونها أكاديمية وروائية منفتحة على العالم، خاصة وأنه معروف عنها التمسك بحوار الحضارات وتبادل الثقافات، فهي رحالة اعتادت السفر إلى بلدان أوروبية كثيرة، وشاركت في مؤتمرات وفعاليات دولية عديدة، وعاشت فترة في الولايات المتحدة كأكاديمية في إحدى الجامعات، ثم استقرت 3 سنوات في إسبانيا.

وترعرعت في أسرة شغوفة بالقراءة وحبّ الاطلاع، وكان والدها يحضر لها الكتب إلى المنزل وهي في سن صغيرة، وهي كثيرا ما تقول عن أبيها “كان يجلب لي الكتب والقصص أكثر من الحلوى”.

جهات عدة تهاجم منى برنس اليوم وتتهمها بأنها {تقود ثورة العاهرات}، حتى أصبحت في نظر الأكثرية مروجة للتحرر الجنسي والانحطاط الأخلاقي في المجتمع، وبات يعتقد أنها تسعى إلى الإثارة لنشر الفتنة في البلاد، ووصل الحد إلى اتهامها بأنها تقوم بذلك لحساب دوائر أجنبية تستهدف مصر

لكن كراهية برنس للواقع المجتمعي المنغلق على نفسه والرافض لفكرة إطلاق العنان للتحرر الجسدي والذاتي لم تكن وليدة اللحظة، بل عرفتها منذ الصغر عندما تعرضت لنقد لاذع بسبب كتاباتها وقصصها القصيرة الداعية للتحرر والتي رآها مدرسوها تحريضا على الفسق والفجور.

ويرى مقرّبون من برنس أن سبب نقمتها على هذا الواقع المجتمعي وإدمانها الخروج عن طوعه وتحديه هو أنها ضحية للاستهداف من جانب أصحاب بعض العقول المنغلقة، فتارة كان معلّموها يطعنون في أخلاقها لأنها غير محجبة، وتارة أخرى تواجه نفس الأزمة عند حصولها على شهادة الدكتوراه عام 1999 بجامعة قناة السويس وتعطيل قرار تعيينها من جانب رئيس القسم لمدة 6 أشهر لأنها لا تصلّي الجماعة.

وتبدو الفوارق الفكرية بين برنس والفئة المجتمعية التي تلفظها واضحة وكبيرة، فهي ترفض أن تكون تقليدية، وهي في عرفهم شاذة غير ملتزمة، حتى أصبحت متهمة بازدراء الأديان، لكنها أعلنت مرارًا بأنها “لن ترضخ بأن تكون مثل القطيع، فليس الجميع حرّاسًا للفضيلة”.

تظل برنس حالة كاشفة عن الحرب الساخنة في المجتمع المصري، فهي لم تعد حربًا بين إسلاميين وليبراليين وعلمانيين حول سعي كل منهم لفرض حياته على الآخرين، بقدر ما أضحت حربًا بين العقل المستنير والعقل النمطي وفارق السرعات بين الاثنين، الأمر الذي استدعى من برنس أن تقول “للمجتمع المصري أن يتحرر من تقاليده العاجزة وأحكامه المسبقة، هذا ليس مستحيلًا، بل يمكن أن يحدث عندما يستطيع المجتمع أن ينسف أغلال الخوف، فالرقابة المجتمعية تطرّف، لأن المجتمع ليس من دوره أن يحدد الحلال والحرام”.

لذلك تبدو حكاية ترشحها لانتخابات الرئاسة ذات مدلولات متباينة، وفي النهاية يمكن أن تحرك الكثير من المياه الراكدة في بحور السياسة والمجتمع والثقافة في مصر.

8