منى حاطوم تشكل عالما خفيفا.. لكنه يجرح كشفرة

تشغل أعمال الفلسطينية منى حاطوم الطابق السادس بأكمله في مركز جورج بومبيدو في العاصمة الفرنسية باريس، عالم كامل من الهشاشة والخطر يدخله من يحضر المعرض الذي يحوي أعمال حاطوم منذ 1977 حتى 2015 دون تسلسل زمني في أسلوب عرضها.
الخميس 2015/09/10
حاطوم تشكّل العالم وفق خيالاتها، لا كما أفرزته الخرائط

تختلف الأعمال المعروضة للفنانة التشكيلية منى حاطوم الأخير في مركز جورج بومبيدو بالعاصمة الفرنسية باريس، بين تجهيزات بحجم كبير إلى لوحات وصور فوتوغرافية وفيديو آرت، كذلك أجزاء من جسد حاطوم نفسه، بالإضافة إلى منحوتات وتصاميم تحضر بقوة بوصفها تحفا من الفن المعاصر.

“أريد أن أقول الكثير” هذه العبارة التي يسمعها من يزور المعرض بمجرد أن يخطو داخلا وهي اسم العمل الذي أنتجته عام 1983، حيث ينبعث صوت حاطوم من صورة متحركة بالأبيض والأسود، إلى جانب ذلك أجزاء من جسد حاطوم كلوحات تحوي شعرا، ودما، وأظافر تعود إلى عام 1979.

الجسد ومكوناته

يلعب الجسد دورا محوريا في أعمال حاطوم، فالشعر في أحد التجهيزات بعنوان “إعادة جمع” (إنتاج 1995) ينتشر ككرات صغيرة على الأرض إلى جانب آلة لحياكته، ثم خيوط منه تتدلى من السقف.

كما تَحضر مكوّنات أخرى للجسد ضمن أعمال أخرى وخصوصا جسد الأنثى وما يرتبط به، والذي يبدو واضحا في أعمال الفيديو آرت المتاحة في المعرض، والتي تمثل تجارب حاطوم في الثمانينات بوصفها جزءا من نشاطها النسوي في سبيل جعل الجسد فاعلا ضمن العمل الفني، بل ومصدرا وأداة لاختبار هذا العمل عبر معطياته ومفرزاته لا من الخارج فقط بل حتى من الداخل.

منى حاطوم: السوريالية تهدد المتلقي بوصفها موقفا من "التعليب" المنتشر

لتكون مجموعة أعمال حاطوم تعبيرا عن موقفها من العالم المرتبط بحضور الجسد أولا، ثم الاعتراف به كاملا وأجزاء في تحدّ لسياسات العنف الممارسة ضده، ولا يقتصر ذلك على جسد الفنان (جسدها)، بل جسد المتلقي أيضا وخبرته الحسيّة مع العمل الفني من أجل اكتمال المعنى. وهذا ما ينسحب أيضا على طريقة تلقي العمل الفني، كما في تجهيز “غير قابل للاختراق” (إنتاج 2010) والذي يمثل أسلاكا شائكة تتدلى من السقف، أو تجهيز بعنوان “جسد غريب” (إنتاج 1994) الذي يقف المتلقي فيه ضمن أنبوب مشابه لذلك الأنبوب الطبي الذي يحوي كاميرا تخترق الجسد وتستكشفه من الداخل، إذ يعرض على الأرض أسفل المتلقي ما تبثه الكاميرا التي تخترق الجسد من وجهة نظر طبيّة.

يحوي المعرض أيضا مجموعة من منحوتات كبيرة الحجم، حيث نرى أدوات المطبخ تتحول إلى قطع أثاث أو قطع غير قابلة للاستخدام، وأحيانا قطع من الحياة اليومية تتحول إلى أغراض للزينة لكنها خطيرة أو العكس، وكأن ما تستخدمه المرأة في دورها الوظيفي المحكومة به يتمّ تكريسه وتشييئه إلى جانب المرأة ليصبح مثلها محيّدا.

وهذا ما جعل تضخيم هذا الغرض يحمل نوعا من السخريّة والتهكم، لتبدو أعمال حاطوم انتهاكا للمتعارف عليه من تكريس للأشياء، وهذا ما نراه أيضا في تجهيز آخر بعنوان “منزل” (إنتاج 1999).

هنا تتحول أدوات المطبخ إلى تكوينات مضيئة يمرّ فيها تيّار كهربائي، فتتغير وظيفتها لتكتسب جماليات جديدة ترتبط بالتزيين، إلاّ أن تشكيلها غير المتناسق يخلق المفارقة بين شكلها الوظيفي الفعّال والشكل الجمالي، بالإضافة إلى الخطورة التي تحملها والتي تستثير المتلقي للمسها، لكنها مؤذية، وذلك في إحالة إلى الخطر المحيط بالمرأة ضمن الفضاء المكرّس لها وهو “المطبخ”.

هذا الانزياح نحو تحويل قليل الخطورة لعمل “أغراض المطبخ” إلى صيغة أخرى أكثر ضخامة، تشكل تهديدا للمتلقي يرتبط بتأثر حاطوم بالسوريالية بوصفها موقفا من “التعليب” المنتشر في هذا الكون حسب تعبيرها، فالتضخيم وتغيير الأشكال المتعارف عليها ضمن بعض المنحوتات هو موقف ينتهك الصيغ الثابتة والجامدة التي تقدم لنا عن الأشياء ووظائفها، وحتى جمالياتها، فالخطر الذي تمثله هذه الأدوات بعد إعادة إنتاجها، هو تشكيك بمفهوم “الأمان” من حولنا في سعي إلى زيادة الوعي بخطورة هذا العالم.

خرائط جديدة

أعمال التجهيز في المعرض تختلف حجما وتقنية وتكوينا، ففي “جملة ضوئية” (إنتاج 1992) نرى أقفاصا متراصة بداخلها ضوء يتحرك، ما يجعل المتلقي مترددا ومتشككا في مفهوم الثبات المتخيل لديه عن تجربة المشاهدة، وكذلك في تجهيز بعنوان “كابان” (إنتاج 2012) إذ يمثل أقفاصا بداخلها مجسمات زجاجية حمراء.

انتماء حاطوم السياسي واضح في أعمالها، ففلسطين أرض تتفتت، تفقد الثبات، وهذا ما نراه في أول خريطة أنجزتها حاطوم بعنوان (الزمن الحاضر)

فأعمال حاطوم هذه ترتبط بالفضاء والضوء ووضعية جسد المشاهد، حين يتلقى هذا العمل الفني، فكيف سيتحرك من يزور المعرض ضمن فضاء المشاهدة؟ وكم سيغامر ضمنه؟

تقابل هذه الأعمال قطع صغيرة: قنابل يدوية من زجاج، سرير شفاف، ميداليات، تنوع هائل في أعمال حاطوم القائمة على التجريب والوقوف في وجه سلطة القمع والتكريس، أقفاص من حولنا في كل مكان في هذا العالم، وهذا ما نراه في منحوتة مجسم للكرة الأرضية بعنوان “بقعة ساخنة” (إنتاج 2006) بشكل قفص تتخلله أضواء حمراء مشعّة تمثل خريطة العالم.

انتماء حاطوم السياسي واضح في أعمالها، ففلسطين أرض تتفتت، تفقد الثبات، وهذا ما نراه في أول خريطة أنجزتها حاطوم بعنوان “الزمن الحاضر” (إنتاج 1996)، والتي تمثل الأراضي الفلسطينيّة التي من المفترض أن تعود إلى الحكومة الفلسطينية بعد أوسلو مشكلة على قطع من الصابون.

كذلك خريطة لبغداد تحوي تشويهات دائرية وكأنها انفجارات، فن الخرائط لدى حاطوم يستحضر السياسي عبر علاقات القمع والعنف الذي تمارسه السلطة على الجغرافيا. خرائط منى حاطوم مختلفة المواد والأشكال والأحجام تنتهك السياسي عبر الاعتماد على عناصر ومواد يومية، وأحيانا ذات مرجعيات تنتمي إلى التراث في سبيل إنتاج الخريطة، لنراها على بساط تقليدي مرة وأحيانا مكوّنة من كرات زجاجيّة.

العالم كله يختصر على رقعة واحدة تتعدد أشكالها، وكأننا أمام هوامش مختلفة تحاول عبرها حاطوم كسر المركزية الغربية للعالم، ممثلتا هذا العالم عبر الخريطة.

16