منير فاطمي فنان يبحث عن هويته في العاصفة

أعمال الفنان المغربي مسكونة بالتحذير من الخديعة الممنهجة التي تنطوي عليها أكاذيب السياسيين، إنه يقاتل حرصا على إنسانية مفقودة وسط الشعارات المضللة.
الأحد 2019/10/20
صرخة عربية في متاهة الفن

حين يتعلق الأمر بالفنون المعاصرة فإن السياسة صارت مصدر إلهام للفنانين. لا يعني ذلك أن الفن سقط في شرك السياسة بقدر ما صار يصنع هويته المضادة على وقع خطواتها الملتبسة بالكثير من الحماقات.

ذلك ما يفعله المغربي منير فاطمي الذي يرى في شغبه المشاكس نوعا من التحريض على التفكير في الرمزية السياسية بطريقة مستفزة للعقل قبل أن تجلب أعماله مزاحا للعين المستفهمة. لذلك اصطدم فاطمي غير مرة بالرقابة وهو يحاول تفكيك المسكوت عنه من المرويّات التي أضفى عليها البعض طابع القداسة.

صدامه مع الرقابة ليس الحدث الوحيد المثير في حياته. “سونيا سونيا سونيا” هو عنوان عمله الذي هو عبارة عن سجادة صلاة كانت قد بيعت بثمن قياسي في أحد مزادات “سوثبي” عام 2011. كما أنه أعلن أن أحد أعماله المعروضة في أحد المزادات كان مزوّرا وأنه يحتفظ بالنسخة الأصلية.

السخرية التي تقول الحقيقة

يعتمد فاطمي على مبدأ الصدمة المباشرة. لذلك تبدو كما لو أنها صنعت ببساطة. وهو ما يناقض الحقيقة. ذلك لأن تلك الأعمال تستمد قوتها من فكرة مغايرة، عمل الفنان على تأثيثها بصريا كما أن المشاهد يتمتع برؤية عالم مقلوب يقود إلى العالم الواقعي ليهجوه.

يمارس الفن باعتباره فعل هجاء للواقع ومن خلاله عالم السياسة. أعماله تكشف عن شخصيته. شخصية المفكر الذي سبق له أن رأى العالم مجسدا من خلال عمله نحاتا وهو الآن منهمك في تفكيك العالم من جهة ماضيه الذي لم يكن سعيدا ومستقبله الذي هو أشبه بالوشاية.

أعمال فاطمي مسكونة بالتحذير من الخديعة الممنهجة التي تنطوي عليها أكاذيب السياسيين. إنه يقاتل حرصا على إنسانية مفقودة وسط الشعارات المضللة. ولكن ما الذي يبقى من الفن وسط ذلك العالم المليء بالريبة؟

يبقى شغفه بعالم متحرر من قيود اليومي والعابر وهو عالم يمتلئ بالدهشة في كل لحظة نظر. صحيح أنه عالم لا يشد بجماله، غير أن دعوته إلى الجمال هي سر قوته.  فن فاطمي هو فن الفكرة التي لا تراوغ. الفكرة الصادمة التي تقول الحقيقة المؤلمة بقدر هائل من السخرية. ولد فاطمي عام 1970 في طنجة. تخرج من معهد الفنون الجميلة بالدار البيضاء عام 1989. وأكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة بروما وتخرج منه عام 1991. ومن يومها وهو يتنقل بين طنجة وباريس والولايات المتحدة، بعد أن تحول إلى واحد من أهم أعلام الفن المعاصر، على الأقل على مستوى التمثيل العربي.

مارس الرسم والنحت وإلى جانبهما انهمك في الوصول إلى أفكاره من خلال التصوير الفوتوغرافي والتركيب واستعمال المواد الجاهزة. وكان في كل ما فعل يطارد فكرة أن يكون الإنسان منفيا. “من المنفى صنعت نظارات لأرى”، يقول وهو يدرك أن حكايته مع المنفى ليست حكاية شخصية. هناك الملايين من حوله يعيشون مفردات يومه العصيب ويعانون من صعوبة عبور الهوة التي تفصل بين واقعهم وحقيقتهم. الواقع الذي يفككون لغته من أجل انتحالها عمليا والحقيقة التي لا يعرفون أين تقع. فهل هم يحملونها معهم أم أنها انزوت في مكان ما تاركة إلهامها يفيض بتجلياته؟

عناوين معارضه الشخصية تكشف عن محاولة بحث في تفاصيل حياة اللامنتمي الذي يجمع فتات هويته في مكان بعيد عن الأرض التي تحتضن جذوره “عملية تعتيم”، “فن الحرب”، “منفى دائم”، و”جناح المنفى”. يقول فاطمي لتوضيح أسباب تشتّت محاولته تلك “عملي يتألف من تجربة معنى أن تكون فنانا، حين يكون مغتربا في سياقه الثقافي الخاص”. لذلك سيكون عليه دائما أن يستمد من الأدب موضوعاته. وهو ما سيشعره بالراحة. ذلك لأنه يمكنه من القفز من التفكير خارج مواده وتقنياته.

يحتاج الفنان إلى أن ينظر إلى غربته بعد أن يعيشها. وهو ما يكلفه الكثير من هدأته. لذلك يلجأ فاطمي إلى شجب العالم من أجل أن يصل إلى حالة من التوازن، يمكنه من خلالها أن يقول “لقد فعلت شيئا”.

الأشياء في استقلالها

السفير العربي
السفير العربي

جسد فاطمي منفاه حين نظر إلى حادثة الحادي عشر من سبتمبر بطريقة مضادة للصورة. طريقة يمكنها أن تعيدنا إلى ما قبل الحدث المروع الذي اعتبر لحظة حاسمة في التاريخ السياسي المعاصر. في عمله “أنقذ منهاتن” استبدل ناطحات السحاب بمضخمات صوت تصدر ضجة شبيهة بضجة المدينة الأميركية تتخللها مقاطع من أفلام أميركية قديمة كان “يوم الاستقلال” واحدا منها. القليل من الرمزية يمكنه أن يقدم الكثير من منهاتن، المدينة التي لا تكف عن الضجيج، كما لو أن الفنان أراد من خلال عمله أن يربط بين ما حدث في السماء مرة واحدة بما يحدث كل لحظة على الأرض.

في عمله بتقنية الفيديو آرت “تكنولوجيا” الذي عرض لمرة واحدة أقام علاقة بعمل الفرنسي مارسيل دوشان “النقوش الدائرة” من خلال استعمال آيات قرآنية تدعو إلى التقرب من الجمال والتشبث به انطلاقا من الحديث النبوي “الله جميل ويحب الجمال”.

ابن ثقافة المنفى

 أنا بحاجة إلى ذاكرة
 أنا بحاجة إلى ذاكرة

استعمل الفنان حينها تقنية الضوء في إظهار الآيات. ولقد قوبل العمل بالاحتجاجات من قبل مسلمي المدينة فأوقف عرضه ولم يكن فيه ما يسيء إلى الإسلام، فهو عبارة عن دوائر ضوئية تحمل آيات قرآنية.  هناك دائما قدر من الإحالة إلى معان سابقة للشيء المرئي أو لاحقة به. وهي معان تدعو إلى التفكير باستقلالية العمل الفني عن موضوعه. وفي ذلك إنما ينجو الفنان من الخطاب المباشر. إنه يفصل بين العمل الفني والحادثة التي يشير إليها. وهو في ذلك إنما يبقي للعمل الفني قدرته على التأثير بمعزل عما يمثله على المستوى الرمزي. بالنسبة لفاطمي فإن منطق الأشياء يظل أقوى من الوقائع العابرة.

“مفردات مريبة” هو الكتاب الذي صدر عن دار “سكيرا” الإيطالية عن تجربة فاطمي. وهو كتاب يضع تلك التجربة الفنية في مكانها الحقيقي بين تجارب فنون ما بعد الحداثة. ذلك لأن فاطمي قد حقق اختراقا صعبا لأسوار المؤسسة الفنية العالمية وصارت أعماله تُعرض في أكبر الملتقيات الفنية التي تهتم بالفن المعاصر.

وإذا ما كان فاطمي قد انهمك طويلا في تفكيك مفردات منفاه وأيضا في تشكيل مفردات هويته فإن تلك المفردات لم تفارق منطقة الريبة بالنسبة للنقد الفني العالمي. ذلك لأنها تنطلق من جهة مضادة. جهة لا تعترف بمنطق القوة الذي تستند عليه السياسة في تعاملها القائم على التمييز بين البشر.

فاطمي هو ابن بلاد أخرى وثقافة منفى. فهو يقيم في منفاه من غير أن يستدير إلى وطنه باعتباره مصدر إلهام. وهو يعود إلى وطنه من غير أن يلتفت إلى منفاه باعتباره طوق نجاة. تقع صرخته في البحر الفاصل بينهما مثل غريق. كل شيء بالنسبة له صار أشبه بتصريف نحوي لكلمة “منفى”.

في أحد أعماله تصل سخريته إلى مرحلة الهجاء فيرينا أعمالا كما لو أنها قد تحولت إلى مكانس. هكذا بدا المشهد. علينا أن نصدق ذلك. لقد أهانت السياسة الرموز الوطنية. ما الذي نفعله بعد ذلك؟ أعمال فاطمي لا تتخلى عن استفهامها أبدا.

Thumbnail
9