منير إلياس: الوجوه أيقونات ممحوّة والنساء آلات موسيقية

التشكيلي والموسيقار منير إلياس يقول إن نيويورك مدينة عظيمة لكن المكان السوري ما زال يأسره.
الأحد 2019/06/02
عناق الموسيقى والتشكيل في أعمال منير إلياس

نيوجرسي (الولايات المتحدة) - يقيم الفنان التشكيلي والموسيقار منير إلياس، المهاجر من سوريا منذ سنوات، في ولاية نيوجرسي. ولد لأب شركسي وأم كردية،عاش وترعرع في منطقة ركن الدين بدمشق. لوحاته التشكيلية تكاد تنحصر موضوعاتها في عوالم الموسيقى التي تشغل حيزا من اهتماماته، أكانت ألحانا أم آلآلات، كما هو الحال بالنسبة إلى آلة العود التي برع في التعامل معها، وله مغامرات مشهودة في صناعة العود.

في نيوجرسي التقينا بالفنان، وكان لنا معه هذا الحوار حول تجربته الفنية.

بداية، وجوابا عن السؤال حول طبيعة علاقته بالتشكيل والموسيقى، يقول الفنان: منذ صغري كنتُ مشدودا لأغلب الفنون البصرية والسمعية. ولفترة ليست بالقصيرة تفرغتُ لدراسة الخط العربي، في ما بعد كانت ميول الرسم والموسيقى قوية أيضا، محمولة على نحو من شغف كبير. محيط الأصدقاء كان مهما في بلورة اهتماماتي الفنية، وميولي في القراءة، ومعظمهم كانوا من الفنانين والشعراء، إضافة إلى ذلك تنوع في المشارب السياسية والثقافية لفترة الثمانينات، وهو ما مكنني، مبكرا من تمييز بعض التفاوتات الثقافية والاجتماعية والسياسية لتلك المرحلة، هنا بدأتُ أتلمس شيئا من هوية خاصة لاهتماماتي على الرغم من الظروف المعيشية القاسية أيضا التي حرفت مساراتي، فاضطررت إلى أن أكون في فم البركان مثل الكثيرين من أبناء البلد.

زاولتُ عدة مهن حتى أستطيع سدّ رمق عائلة كبيرة، وأحلام لا تضاهى كانت تتبخر أمام عينيّ وكادت أن تذهب طيّ النسيان. لفترات متقطعة، وكلما سنحت لي الفرصة، كنتُ أنكب على الرسم والشغل الموسيقي ودراسة المقامات وعلم النوتة الموسيقية على يد الأستاذ الباحث إبراهيم إبراهيم، وكان يقطن في الحي نفسه الذي أقطن فيه، ومن دون ضجيج يذكر.

الملهم الأول نزار

هذا عن ظروف البدايات. ولا بد أن أذكر هنا أن قراءتي لشعر نزار قباني في وقت مبكر، شكّلت مصدرا أساسيا لإلهاماتي وللصور التي كانت تتشكل في مخيلتي، فكان شعره ونثره في تلك الفترة المبكرة إحدى أهم دعائم ذائقتي البصرية والثقافية، إضافة إلى ذلك موضوع المرأة بوصفها الأم والحبيبة، والصديقة والأخت، الذي أسس في ما بعد لنمط ثقافي وعيش وأسلوب حياة أذهب فيه إلى أي مكان أريد الذهاب دون خوف أو حذر.

لا أنسى تشجيع بعض أصدقائي التشكيليين، منهم: موفق قات وبسام إبراهيم وزوار جتكر، وغيرهم. في ما بعد انضمت قافلة من الكتاب والشعراء إلى مصادر شغلي الأساسي في الرسم. بعد هجرتي إلى أميركا تطورت المسألة من خلال البدء بمشروع صغير أقوم من خلاله بتأسيس مشغل لصناعة “العود” ورويدا رويدا تحول هذا الشغل إلى شغف وصار واقعا قريبا من أحلامي التي أحبها.

العلاقة مع العود

كنت أحب المشي بين الحارات والأحياء الشعبية، فقط حتى أستطيع أن أرى وأكتشف أشكالا جديدة لحياة من نوع آخر، وبالتالي قد تكون أساسا لمشروع لوحة. وفي أحيان كثيرة قد تأتي الفكرة من مصدر غير فني على الإطلاق، لكن هذا المصدر غير الفني قد يصبح لوحة خالدة
كنت أحب المشي بين الحارات والأحياء الشعبية، فقط حتى أستطيع أن أرى وأكتشف أشكالا جديدة لحياة من نوع آخر، وبالتالي قد تكون أساسا لمشروع لوحة. وفي أحيان كثيرة قد تأتي الفكرة من مصدر غير فني على الإطلاق، لكن هذا المصدر غير الفني قد يصبح لوحة خالدة

نلاحظ في الأعمال التشكيلية للفنان حضورا قويا للموسيقى إن في تكوين اللوحة أو في موضوعها، وهو يرى أن أي فكرة أو مشهد قابل لأن يكون مشروعا للوحة. تحدثت عن نزار قباني، شاعرا رسم بالكلمات، ولا يضيرني أن أعود لأشير إلى أن هذا الشاعر العبقري هو واحد من المصادر الحميمة لرسمي وحتى شغلي في الموسيقى. شعره فتح منافذ وتشعبات وطور أدوات تلمّسي للون، ويبدو لي أن شعره استمر وإلى فترة قريبة واحدا من محفزات الخيال. كنتُ أجد صعوبة في فهم القصيدة القديمة. صور نزار قباني مضيئة ومباشرة. من السهولة أن ترسم وردة أو شجرة.

انشغل الفنان، ولا يزال بتطوير آلة العود، وهو يرى أن لا حدود لهذه الآلة العبقرية والحنون. يقول: في طريقة صناعتي للعود، انتقلت من الصيغة التقليدية لصناعته إلى البحث عن بدائل جمالية أضيفها عليه، مثلا أن تكون مساحة تلاقي الزند مع القصعة أكبر من دون المساس بشكل العود. أحاول من خلال ذلك تقديم خدمة لهذه الصناعة. وذلك بجعل آلة العود أجمل وأكثر عملية معا.

وحول رؤيته للوحة كمساحة بيضاء ستتحول على يد الفنان إلى نافذة على عالم، يقول: إن المميز في الأمر أن تجد طريقة ما لاستحضار الجمال المخفي للأشياء. اللوحة رواية طويلة مختصرة في إطار. على اللوحة أن تسابق الزمن.

ولكن من هم التشكيليون الذين انشدّ الفنان إلى أعمالهم؟ هذا السؤال لا ينطق الفنان إلياس عن شخصيات فنية بعيدة، فنراه يشير إلى أعمال فنانين عرفهم عن قرب وبنى معهم علاقات فنية وعلاقات صداقة من أمثال موفق قات وبسام إبراهيم سوسناق، وهو على اطلاع واسع على الحركة التشكيلية السورية، ويتابع التطورات الفنية السورية باهتمام شديد.

ولكن ماذا أضافت الهجرة الأميركية إلى تجربة الفنان إلياس، الفائدة كبيرة بالتأكيد أنه عالم جديد بكل معنى الكلمة، وهو عالم من الصور الجديدة التي يمليها عليك المكان وأهله. علما أن الحركة التشكيلية السورية قوية بما فيه الكفاية ولها خصوصياتها البارزة، أعتقد أن أي تشكيلي سوري هو رسام عالمي بالضرورة. خذ مثلا فاتح المدرس، نذير نبعة، رضا حسحس، ألفرد حتمل، صفوان داحول، حمود شنتوت، عتاب حريب، ريم يسوف، إلياس زيات… إلخ. أنا أتيت من مكان بإمكانك اعتباره أكاديمية فن قائمة بحدّ ذاتها.

هاجرتُ وأنا مشبع بخطوطهم وألوانهم وهواجسهم. المكان الأميركي أتى كتحصيل حاصل، ولن أخفيك سرا أنني استفدت من جبروت وقوة هذا المكان، والسفر إلى جغرافيا ثانية هو سفر آخر في اللون أيضا. وأميركا هي مركز فني عالمي تجمع ثقافات وآداب العالم كله، والساحر في الأمر أنك تستطيع التجوال بين هذه الأقانيم، لكنني بقيت مشدودا لحرارة ألوان المكان الأول، بقى تأثيره قويا، إني أتنفسه أينما ذهبت.

نشيد صامت

اللوحة رواية طويلة مختصرة
اللوحة رواية طويلة مختصرة

الحركة الفنية السورية غنية جدا ومتنوعة ناهيك عن المكان السوري الذي نشأت فيه، الشارع الذي تعيش فيه هناك كان من الغنى إلى درجة أنه بإمكانك أن تبني أكثر من مخطط للوحة كل يوم. هنالك سر لم أفهمه ولا أستطيع أن أقوم بشرح ما كان يحدث معي هناك. كنت أحب المشي بين الحارات والأحياء الشعبية، فقط حتى أستطيع أن أرى وأكتشف أشكالا جديدة لحياة من نوع آخر، وبالتالي قد تكون أساسا لمشروع لوحة. وفي أحيان كثيرة قد تأتي الفكرة من مصدر غير فني على الإطلاق، لكن هذا المصدر غير الفني قد يصبح لوحة خالدة.

اللمسة السحرية هناك آتية من المنحى الإنساني الذي يصبح نشيدا صامتا لكنه يقول كلاما كثيرا، فقط وجوه وأشكال تتقاطع مع بعضها في مصير ما، وأنت ما عليك إلا أن تحدق في المصائر هذه. أحببت لؤي كيالي كثيرا، لأنه كان عبقريا في ملامسته لهذا الأمر وتوضيحه بشدة. خذ لوحة “ماسح الأحذية” إنها مرآة شريحة عريضة من المهزومين والمقهورين، ودون أي كليشيهات سياسية فاقعة أو استعراض لا طائل له: إنها روح المجتمع وآلامه.

وعندما نسأله عن أسباب غياب أي ملامح لوجوه شخوصه وكائناته في اللوحة، يقول: في لوحتي انمحت الوجوه، هي في الأساس أيقونات معتقلة، وفي كل لوحة هنالك امرأة ما أو آلة من الآلات الموسيقية.

الخط العربي

في أعمال الفنان نلحظ تأثيرات قادمة من الخط العربي. وهو يعتبر الخط العربي مصدر إثراء للجماليات في اللوحة، وفي الأعمال البصرية ذات الطابع الفني وحتى التزييني.

والفنان يتذكر كيف أن عدم وجود تلفزيون في البيت خلال فترة طفولته كان أمرا جيدا بالنسبة إليه، كان التلفزيون يومها رفاهية فوق طاقة صاحب البيت. يقول: منحتُ وقتي لتعلم أصول الخط العربي، هذا الشيء انسرب في لوحتي دون أن أدري. وللخط العربي جماليات لا متناهية، وهو علم لا يقف عند حدود. مزيج شعري وفلسفي تحول مع الزمن إلى أساس لوني في اللوحة التي أشتغل عليها. حين أبدأ الرسم أضع الخطوط الأولية، هذه الخطوط، حين تنظر إليها ستعرف أنها أتت من تلك الجهة الحروفية غير الظاهرة، إذ بإمكان الحرف أن يصير وجها أو يدا أو شجرة أو غيمة، والجملة اللونية تتحول إلى كلمة يمكنك قراءتها على هواك.

Thumbnail
11