منير الشعراني: أنا ضد القمع بكل أشكاله

الأحد 2014/05/18
منير الشعراني: هدفي تطوير شكل الخط ونفي فكرة وصوله إلى الذروة

تدخل محترفه في دمشق في حي “المهاجرين” ليتلبّسك سحرٌ غريب، كتب، أقلام، لوحات على الجدران من نتاجه الشخصي أو من صديقه التشكيلي السوري “يوسف عبدلكي” وآخرين، بدماثة الواثق يستقبلك الشعراني في محترفه، يدعوك للجلوس بكل عفوية لتبدأ معه رحلة طويلة في شؤون الإنسان والفن وتقاسيم الكَلم. كان لـ"العرب" اللندنية لقاء مع الفنان السوري للحديث عن شؤون الكتابة والفن وسوريا.

يقول جاك دريدا ” الكتابة تسبق الصوت”، فهي الأصل فلم اخترت الخط العربي، وما علاقتك مع النص المكتوب والظاهرة الصوتية، يجيب الشعراني “الخيارات بالنسبة إلى الفن، هي التقاط ما هو ملائم لشخص الفنان وموهبته التي لا يعلم بالضبط أين بدأت شرارتها، فالاهتمام بجانب ما يبدأ دون وعي لخلفيات هذا الاختيار، لاحقاً يبدأ هذا الشخص باكتشاف مدى تعلقه بالفن الذي جذبه، وهذا ينطبق على تجربتي في موضوع الخط العربي، الذي بدأ – قبل أن أتعلمه على يد أستاذي بدوي الديراني- بتقليد الكلمات والعناوين في الكتب المدرسية أو رسمها بقلم الرصاص لأنها كانت تشدني بصرياً، وكانت لديّ اهتمامات أخرى كالرسم، ودرست الفن وتخرجت في الجامعة بتفوق، لكن الخط العربي ظلّ هاجسي وشاغلي فقررت العمل على مشروعي الخاص في مجال الخط العربي وتطويره وإعادة الاعتبار إليه نظرياً وعملياً مستخدماً ما راكمته من دراسات وخبرات فنية وثقافية وأدبية، ويرتكز مشروعي على تطوير الحرف والتكوين في الخط العربي وبصورة أدق تحديث هذا الخط الذي تجمّد على الأسس التقليدية والسلفية وأصيب بعطالة وجمود لجما تطوره لقرون، وطمحت إلى تخليصه من القيود التي تعيق تطوّره فنياً وجمالياً وموضوعياً ليستعيد مكانته بين الفنون التشكيلية كفن يتميز بخصوصيات فنية لا يستطيع إنكارها أحد، وإلى إعادة الاهتمام به من قبل النقاد والمتخصصين والجمهور.

خطوط تعبر عن فنا تشكيليا لا حدود له


مخاطبة الوجدان


ما هي معايير اختيار النص/ الكلمة قبل تكوينها، وأيهما أسبق، شكلها أم معناها؟ يستطرد الشعراني ” الشكل جزء أساسي في أي عمل فني، وأنا من الأشخاص الذين يرون في الفن معطى إضافياً إلى جانب المعنى، فأنا لست مع نظرية الفن للفن، وأرى أن الفن مرتبط بالحياة والإنسان ويجب أن يحوي العمق وأن يضيف إلى الوجدان والمعرفة، والفنون البصرية من وجهة نظري يجب أن تنطوي على رسائل تتضمنها أشكالها وأسعى إلى تطبيق ذلك في أعمالي وقد شكّلت مقولة محيي الديــــن بن عربي التي شكلتها (كل فن لا يفيد علماً، لا يعـــوّل عليه) شعاراً أنحاز له في عملي.

يحكم اختياري للنصوص التي أشكلها معياران، الأول يرتبط بتطوير الشكل ونفي مقولة أن الخط العربي وصل إلى الذروة على أيدي الأسلاف، وأنّ أحداً لا يستطيع أن يضيف إلى التشكيلات والتراكيب التي وصلوا إليها للنصوص التي تعاملوا معها، وهذا واضح في بعض أعمالي المشكّلة من نصوص غيبية لا ترتبط بي فكرياً، فأنا شيوعي. لكنّي أقف أمام تحدّ لإثبات أن الخط العربي بصفته فنا تشكيليا لا يقف عند ذروة كما يعتقد البعض، وأنه قابل لأن يقف جنباً إلى جنب مع الفنون اليوم وأن يأخذ مكانة مميزة بينها. وهذا يتضح في عبارات كالبسملة و”لا إله إلا الله” التي عملت عليها وقدمتها بأشكال جديدة لم تقدم سابقاً، أما الجانب الثاني وهو خياري الأعمق والأكثر تعبيراً عنّي فهو تلك العبارات العميقة المكثفة المعنية بالإنسان وشؤونه وشجونه وأسئلته وروحه وقضاياه على تنوعها، والتي تخاطب وجدانه، وأسعى في تشكيلها وإيصالها إلى المتلقي أن تتمكن من النفاذ من عينه إلى قلبه وعقله لتعيد إنتاج أبعادها في دواخله ووجدانه.

قيل إنّ الخط العربي ازدهر بسبب (المنع)، وأن الفن الإسلامي قائم على المنع الذي كان حاضناً للخط العربي كيف يقيم الشعراني هذه الفرضية؟ يجيب “هذه الفرضية تعبر عن جهل بتطور الفن في المنطقة، وهي في أساسها استشراقية تقوم على جهل أصحابها وأشياعهم بتاريخ الفن في المنطقة وتتعامى عن خصوصية التجربة وتنمّ عن جهل بتطور هذا الفن وآليات هذا التطور وأسبابه الحقيقية الكامنة في الحرف نفسه والجماليات التي يمكن أن يصل إليها بشكل مجرد راق، وهذا الرأي مرتبط بما يعرفه أصحابه عن تطور الفن في أوروبا الذي يعتبرونه أنه القالب الذي يجب أن تدخل فيه كل فنون العالم وإن لم يتمكّنوا من إدخالها فيه فإنهم يفترضون أسباباً لفشلهم في ذلك، الحقيقية أن المعطيات التاريخية والبصرية لتلك المرحلة تبرهن العكس فالكنائس والمعابد كانت تزين بالرسوم والمنحوتات ليس لأغراض جمالية فحسب بل للوعظ وإيصال محتوى الكتاب المقدس إلى الجمهور الذي كان في نسبته الساحقة أميّاً، فالقراء كانوا نادرين والكتابة لم تكن قد انتشرت وتحولت إلى حالة شعبية، ولم تبدأ بالانتشار بين الناس إلا بعد ظهور الإسلام بسنوات نتيجة الحض على العلم وظهور الحاجة الموضوعية لها في التعاملات ثم في الدواوين التي بدأ معها تطور الخط جمالياً، وعلى عكس ما يعتقد كثيرون لم يرتبط تطور الخط العربي بالمسائل الدينية، بل ارتبط بالحضارة الناشئة في أوجهها جميعاً ولم ينسخ به القرآن والمخطوطات الدينيّة فحسب بل شمل أنواع الكتب في الموضوعات المختلفة العلمية والأدبية التي زخرت بها المكتبات العامة والخاصة في مرحلة الصعود الحضاري الذي تطور الخط العربي في ظله ليصبح فناً منفصلاً شكّل قاسماً مشتركاً لكل الفنون العربية/ الإسلامية التي كانت تتعامل مع الدنيوي والديني معاً، والإبداع في رأيي قائم على أساس الجدل مع الدين والمعتقد السائد بل ونفيه، فالمعطى الحضاري هو ما طوّر الفن لا المعطى الديني، ولذلك لم يكن من نظّروا لجماليات الخط كإخوان الصفاء وابن مقلة وأبو حيّان التوحيدي معنيين بأمر الدين في كتاباتهم حول هذه الجماليات، بل كان أثر الفلسفة أكثر حضوراً فيها.

لوحات تعبر عن قضايا الإنسان


الكلمة أولا


الكلمة كانت أساساً للثورة في سوريا، الناس خرجت إلى الشوارع وماتت من أجلها، كيف تحددت علاقتك مع الكلمة في ظل ما تشهده سوريا والمنطقة وهل دفعت ثمناً ما في سبيلها؟ يعقّب: “أعمالي توضح أسلوبين لتعاملي مع الأمر وبشكل مختلف عن المعتاد، ما أحاول التعبير عنه هو موقفي من اللحظة اليومية ليس بصفتها لحظة بل بصفتها ماضِيا مستمرا، فأنا معارض عتيق خبر النظام وممارساته القمعية ضد كل صاحب رأي مخالف، وتعرض للملاحقة واضطر للخروج من سوريا، وهذا كان له أثر على حياتي كلها، فلقد خرجت من سوريا بعد تخرجي بفترة قصيرة، بعد أن تواريت فيها لعام عن أنظار الأمن، ثم رحلت مكرهاً، كنت أمارس قناعاتي في ظل القمع، وقد شكّلت قضايا الإنسان والوطن والشعب والحرية أساس خياراتي في حياتي وأعمالي ولوحاتي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالإضافة إلى فهمي للفن والتعامل البصري معه في سبيل تطويره بعيداً عن الاصطناع والصرعات الآنية. والثمن الذي دفعته ارتبط بمعاناتي في المنفى بالإضافة إلى تأخر ظهور تجربتي الفنية لعشر سنوات بسبب ظروف ملاحقتي وشكل حياتي في المنفى، إلا أني استفدت من الظرف الذي قوّاني وجعلني أكثر إصرارا وعزيمة على الإنتاج بأشكال كان من الممكن أن تتم بآليات وإيقاعات وتجليات مختلفة لو كانت الظروف طبيعية، هناك تجارب معينة عُطّلت بسبب عدم استقراري في مكان واحد لسنوات.

“كفر نبل” ولافتاتها كانت مثالاً صارخاً على قدرة الكلمة على التعبير، هل ترى أن الكلمة الشعبية قادرة على التأثير إن امتلكت الشكل المناسب؟ يعقب: “بالتأكيد، الفن الشعبي مؤثر، فالبيوت القديمة مليئة بلوحات الخطاطين المغمورين منهم والمعروفين، وهي مرتبطة بروح الناس، بعيداً عن محتواها سواء تجلت بشكل نمطي أو جديد، في “كفر نبل”، كان للكلمة تأثيرها الهائل فهي تخاطب الإنسان الشعبي، وتحمل روح الناس وتمس ضمائرهم مما أدى إلى قبولها وتناقلها، فقيمتها أتت من “طزاجتها” وصدقها وارتباطها بالحدث واللحظة التي تعني الوطن وناسه، وتعبيرها عن وجدان المواطنين وطموحاتهم ومصالحهم ومواقفهم، وهذا ما أدى إلى انتشارها .

الكلمة تأتي من (الكَلم)، أي الجُرح، وفي أحد المعاني الكلام يعني (الأرض اليباب)، ما مقدار الحذر الذي تتوخاه عند اختيار ما ترسمه نظراً لما يمكن أن يحدثه من تأثير، وخصوصاً أنك تقدمه بصورة جمالية عالية؟ يجيب: ” ما أحاذره في الاختيار هو الاستسهال والوقوع في فخ العبارات المعلّبة المكرّرة حتى لو كانت صياغاتها مختلفة، وضالّتي هي العبارة المكثفة المعنى العميقة المحرضة للعقل، أحيانا لا يكون النص سهلاً، لكن ليس لأن الهدف تقديم شيء عويص على الفهم أو غرائبي، بل لتحريض العقل والحواس فنحن تعودنا على الكسل العقلي والمرور بشكل سريع على كل ما نراه ونعايشه، ولا نتوقف لنتأمل ما وراء ذلك؟ ما أرجوه هو شد المتلقي ليتأمل العمل، الذي أعمل على أن يجذبه جمالياً في البداية، ليدخل في تفاصيله لفك الكلمات، ثم التفكّر في معانيها، ومستويات هذا المعنى، والأسئلة التي يولّدها، فنجاح العمل الفني مرتبط بالأسئلة وما يحركه بصرياً وذهنياً لدى المتلقي”.

بالنسبة إلى العلاقة مع المتلقي ومقولة الجمهور النخبوي يعلق الشعراني: “هناك فن أو لا فن، المعيار هو الجمال، وعلى الفن أن يخاطب الجميع، أحيانا نرى النضج في التلقي أكبر لدى إنسان عادي ممن يدّعون الثقافة. في أحيان أخرى يؤدي اختلاف الأجيال إلى اختلاف التلقي واختلاف التقييم، وهذا ما يفسر ظهور الصرعات الفنية التي تروج لفترة ثم تختفي وتضمحل”.

الاهتمام بقضايا المجتمع لا بقضايا النظام


الكتابة والصمت


الكتابة كشف جديد، وفي حالتك الشكل والمعنى متجاوران لفتح الأفق أمام النص، فالكلمة الآن هي موقف واعتراف، كيف تصف حالة الصمت التي أصابت العديد من الفنانين والمثقفين تجاه ما يحدث في سوريا؟ يقول: “المسألة تتعلق بالفنان نفسه فمن لم يطرح السؤال على نفسه بعيد عن الناس بعيد عن المجتمع، بل يتعالى عليهم وعليه ويتحدث من برجه النفسي المنعزل وما يهمه هو الترويج والبيع، أمّا البعض من الذين يهمهم الجمهور والناس العاديون والمجتمع وقضاياه، والذين يتوجهون لكافة الشرائح فهم المهتمون الآن والمنتجون وأصحاب القول والعمل، أما الآخرون فلا يهمهم ما يحدث إلا بقدر تأثيره على مصالحهم، والجمهور يستحق أن يكون الفنان إلى جانبه وقد اخترت أن أكون مع الإنسان عامة وشعبي خاصة بفني لا بالسلاح الذي أرفضه رفضاً قاطعاً في حالتنا، لأن الإشكالية تتعلق بالوطن، والضحايا هم أهل الوطن، من كل الأطياف، وما نعيشه نتاج سنوات طويلة من القمع فتح الباب واسعاً أمام راكبي الأمواج، من كل الأرض ليركبوا أمواج البحر السوري والطبيعي أن يكون الفنان معادياً لمن يقف في وجه تطور بلده وتحقيق تطلعات شعبه إلى الحرية والعدالة والمساواة في أي مقلب كان.

16