منير محجوبي سيد الأفكار الرقمية في الإليزيه

الفرنسيون يعرفون محجوبي من خلال الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، حين تولى إدارة الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحظي باحترام كبير لدى مناصري وأعضاء الحزب الاشتراكي.
الخميس 2018/07/19
مهاجر عربي أوصل ماكرون إلى الرئاسة يقترب من كرسي "عمدة باريس"

سربت بعض المواقع الإلكترونية أخباراً ترشّح الشاب منير محجوبي إلى جانب أسماء أخرى، لتولي منصب عمدة باريس. وقد ذكرت صحيفة لو باريزيان أن المحيطين به يشجعونه بل يطالبونه بخوض الانتخابات في العاصمة الفرنسية باريس في العام2020. فمن هو هذا الشاب الذي قد يغير تاريخ المهاجرين العرب المسلمين في فرنسا؟

صبيحة الخميس الأول من مارس 1984 وفي أحد أحياء باريس الفقيرة أبصر هذا الشاب النور. الدخل المتواضع للأب المغربي المهاجر الذي يعمل في الطلاء لم يكن كافياً لإعالة الأسرة التي بدأت تكبر بقدوم طفل جديد، فاضطرت زوجته للعمل في تنظيف المنازل بأجر متواضع لمساعدة زوجها وإعالة أسرتهما الصغيرة.

الدهّان المغربي الذي وصل إلى فرنسا منتصف سبعينات القرن الماضي هرباً من أوضاع معيشية صعبة، لم تكن أوضاعه أفضل بكثير في بلده الجديد، لكن فرصة العمل والمستقبل والعيش الكريم كانت ستكون في مصلحة العائلة بالطبع في ظل قوانين مجتمعية تقدم أفضل ما يكون من صحة وتعليم للجميع دون تمييز ومهما كان الوضع المالي للفرد سيئاً.

في تلك الظروف كبر الطفل منير مـحجوبي. كان منذ البداية فتى ذكياً طموحاً لا توقفه حدود ولا يعيبه فقر. حمل الجنسيتين المغربية والفرنسية، وعاش كفرنسي متأثراً بالثقافة المغربية العربية الإسلامية، حاملاً قيم والده في الإخلاص للعمل والمثابرة والصدق كما يقول مـحجوبي في أحد حواراته الصحافية بأنه صنيعة هذين الأبوين البسيطين اللذين علماه الأخلاق قبل كل شيء.

عالم الأفكار

وزير الثقافة الفرنسي منير محجوبي يؤكد أنه قد تم الاتصال به من أجل ترشيح نفسه في انتخابات عمدة مدينة باريس القادمة 2020 حسب صحيفة “لو باريزيان”
وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا الرقمية منير محجوبي يؤكد أنه قد تم الاتصال به من أجل ترشيح نفسه في انتخابات عمدة مدينة باريس القادمة 2020 حسب صحيفة “لو باريزيان”

شُغِف محجوبي بالتكنولوجيا والمعلومات الرقمية. ومثل كل الأطفال كانت محلات الإنترنت وجهته الأولى، يقضي فيها ساعات طويلة أمام شاشات الكمبيوتر، إلا أن الألعاب الإلكترونية لم تكن هاجسه كباقي أقرانه، ففضوله كان كبيراً لمعرفة أسرار البرمجيات وطريقة عملها وتصميم المواقع والألعاب وكل ما يتعلق ببناء الشبكة العنكبوتية وأسرارها.

في تلك المرحلة من حياته كان امتلاك جهاز كمبيوتر خاص به يعد للشاب الفقير حلما بعيد المنال. حينها كانت أسعار الأجهزة مرتفعة جداً في السوق الفرنسية، ودخل أبويه المتواضع لا يسمح له بشراء جهاز منزلي يغنيه عن ارتياد مقاهي الإنترنت، التي لم تكن تتيح لمـحجوبي الدخول في المجالات التي يهواها، إضافة إلى تكلفتها التي تعتبر مصروفاً إضافياً للعائلة الفقيرة، لذلك كان عدم امتلاكه لكمبيوتره الخاص ذكرى لن تُمحى من ذاكرة الشاب، ما يزال يتحدث عنها بشغف.

يقول مـحجوبي، في أول حوار له، إنه اقتنى أول كمبيوتر له سنة 1996 بمبلغ خمسة آلاف فرنك فرنسي ربحها في مسابقة المخترعين الصغار، وهو في سن الـ13عاما، مضيفاً أنه كان يقضي معظم وقته على الإنترنت، حيث تعلم كيفية البرمجة وتطويرها، وبات حرا في قضاء الوقت الذي يريده أمام شاشته الخاصة، هذه المرة دون التفكير بالوقت أو التكلفة، وبدأ حينها بولوج عالم البرمجيات حتى بات مبكرا، خبيرا في تصميم المواقع، ومراقبة الشبكات فحصل بذلك على أول وظيفة في حياته وهو في السادسة عشرة من عمره كتقني شبكة في شركة “نادي إنترنت” كي يتمكن من دفع رسوم دراسته معتمدا على نفسه معفيا أسرته من مصاريفه منذ ذلك الوقت.

في خط موازٍ تماما لدراسته تطور مـحجوبي في العمل وازدادت خبرته ومعارفه البرمجية، فبدأ بطرح أفكاره الشخصية على المهتمين مؤسسا أو مساهما في عدة شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا الرقمية والإعلان، من بينها تأسيس شركة “إكانوم”.

مـحجوبي يقدّم نفسه كشاب شغوف بالتكنولوجيا وعن بدايات تعلقه بالعالم الرقمي. يقول “كنت أسعى وراء الإنترنت وجديدها، أدخل على ياهو، أتحدث مع الناس في دول أخرى، لم تكن لغتي الإنكليزية في المستوى المطلوب، وبالتالي لم أكن متحدثا جيدا”.

البرمجة والسياسة

أكمل دراسته في السوربون بدراسة العلوم السياسية ودرس الاقتصاد والمعلوماتية في جامعة سيانس بو في باريس كما حاز على المرتبة الأولى في المسابقة الوطنية للبرمجة والمعلوماتية في كلتا الجامعتين سنتي 2004 و2007 كما قضى سنة دراسية في جامعة كولومبيا الأميركية في نيويورك، حصل خلالها على دبلوم متخصص في العلوم السياسية والاتصال، وقضى فترة تدرب في كامبريدج البريطانية.

المسيرة المهنية لهذا الشاب المتميز غنية جداً، ليس فقط مقارنة بمن هم في عمره، بل تتجاوز جيله لتجعله منافسا للعديد من أبناء الاختصاص الذين يكبرونه بالعمر والتجربة، فقد حقق الكثير من الإنجازات في وقت قياسي، وقصير، إذ عرف عنه اهتمامه بالشؤون العامة وبتوجهاته الداعمة للاقتصاد التعاوني والرقمي الذي يضمن المرور عبر الاتحاد الإصلاحي والفيدرالية الفرنسية الديمقراطية للشغل وإطلاق العديد من الشركات الناشئة.

فلم يكن قد تجاوز الثالثة والعشرين من عمره بعد عندما فاز في مسابقة نظمها مكتب الطلاب، وتوج مساره الدراسي بحصوله على الماجستير في المالية من معهد الدراسات السياسية في باريس، حيث شق طريقه في مجال المقاولات الرقمية، فكان مشاركا دائما في تأسيس شركات تطوير أرضية الإنترنت لفائدة الفلاحين والمنتجين والصنّاع التقليديين لتسويق منتجاتهم على سبيل المثال لا الحصر.

ساحر الحزب الاشتراكي

 محجوبي يقدّم نفسه كشاب شغوف بالتكنولوجيا. لكنه مع ذلك أكمل دراسته في السوربون في العلوم السياسية ودرس الاقتصاد والمعلوماتية في جامعة سيانس بو في باريس
محجوبي يقدّم نفسه كشاب شغوف بالتكنولوجيا. لكنه مع ذلك أكمل دراسته في السوربون في العلوم السياسية ودرس الاقتصاد والمعلوماتية في جامعة سيانس بو في باريس

خلال سنوات دراسته الثانوية، انتسب مـحجوبي إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي مقدما نفسه كبرمجي، خبير بإدارة المواقع الإلكترونية وبرمجياتها، فاستهوته السياسة كما استهواه عالم الرقميات لكن بطريقة مختلفة، إذ كان يرى أن تسخير العالم الرقمي في السياسة قد يحدث فرقا في الحملات الانتخابية والترويج للأفكار السياسية، وطريقا سريعا للوصول إلى الجمهور المستهدف سياسيا وهذا ما كان.

فبرز نجم الشاب الفرنسي مغربي الأصل بين أفراد حزبه بما قدمه من أفكار خلاقة في إدارة الحملات والترويج. وكانت أولى تجاربه في هذا المجال في الحملة الانتخابية لسيغولين رويال عام 2007، بتأسيس الاستراتيجية الرقمية للمرشحة مع ابنها توماس هولاند، حينها كانت رويال أول امرأة تحظى بتسمية حزب كبير في فرنسا لانتخابات الرئاسة، لكنّها خسرت أمام الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

تعرّف الفرنسيّون إلى مـحجوبي بشكل أكبر، خلال الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، حين تولى إدارة الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحظي باحترام كبير لدى مناصري وأعضاء الحزب الاشتراكي.

تولى مـحجوبي مسؤولية داخل وكالة تسويق “بي إي تي سي” الرقمية التابعة لمجموعة “هافاس” ، قبل أن يؤسس شركة جديدة عام 2016 لمصاحبة المجموعات الكبرى في مبادراتها ومساعيها في مجال الابتكار.

في العام نفسه عيّن هولاند مـحجوبي على رأس المجلس الوطني الرقمي، خلفا لبينوا ثيولين، المنتهية ولايته، على رأس 30 عضوا من الخبراء الرقميين، وهي الهيئة ذات المهمة الاستشارية والمكلفة بإصدار توصيات عامة تهم القضايا المجتمعية المتصلة بالعالم الرقمي، ليقوم مـحجوبي وفريقه بتوجيه انتقادات شديدة اللهجة للملف الذي يُمكن الحكومة الفرنسية من تجميع معطيات تهم 60 مليون مُواطن فرنسي.

لم يمض مـحجوبي أكثر من عام واحد في ذاك المنصب. فبعد 11 شهرا، وبالتحديد في يناير 2017، استقال من منصبه، لينضمّ إلى حركة “إلى الأمام ” التي أسّسها ماكرون، وليتولى فيها الأمن الرقمي لحملة من سيصبح بعد وقت قريب رئيس فرنسا الأصغر سناً في التاريخ، بعدما جعلت منه خبرته في الحملات الانتخابيّة
السابقة خبيرا يسعى الجميع إلى استغلال خبراته.

غادر المجلس الوطني الرقمي للالتحاق بالحملة الانتخابية الخاصة بالمرشح الرئاسي الجديد، معتبرا أن “ماكرون هو الشخص الوحيد القادر على تهيئة الظروف لتحوّل حقيقي في فرنسا”، هذه المقولة التي كررها في أكثر من مقابلة صحافية وفي مقالات منفردة نشرتها الصحافة الفرنسية، فيما أشارت صحيفة لوفيغارو إلى الشاب ذي الأصول المغربية واعتبرته “أفضل من يقدّم الدعاية المثالية لأفكار الرئيس الفرنسي ذات العلاقة بالتكنولوجيا الجديدة وريادة الأعمال”.

طيلة فترة الحملة الانتخابية كان على مـحجوبي أن يبقى متصدراً المشهد الإعلامي ليس فقط كمدير تقني للحملة وإنما كمتحدث باسم ماكرون، خاصة في ظل الانتقادات التي طالت حملة ماكرون على خلفية تصريحاته بشأن مكافحة الإرهاب، فقد أبدى حزماً واضحاً في هذا الموضوع حين أورد أنه سيحارب تطبيقات المراسلات المشفرة على غرار تطبيق واتسآب.

وعلى إثر ذلك تدخل مـحجوبي في الأيام التالية لطمأنة العاملين في هذا القطاع والتخفيف من حدة الهجمات التي تعرّض لها رئيسه.

الميل المفرط للابتكار

بات اسم مـحجوبي يغزو الصحف ونشرات الأخبار يوميا، وصار معروفا في الشارع الفرنسي بعد أن كانت شهرته تقتصر على المجتمع الرقمي الفرنسي خاصة بعد تصديه لحالات القرصنة التي تعرّضت لها حملة ماكرون، إذ حاول قراصنةٌ الوصول إلى علب البريد الإلكتروني الخاصة بفريق ماكرون فقام مـحجوبي بمنع القراصنة من اختراق بريد الموظفين في الحملة، وكانت تصريحاته الصحافية هي ما لفت الانتباه إلى حنكته فقد أوضح لشبكة “سي.إن.إن” الإخبارية أنه تم شن أغلب الهجمات من الحدود الروسية، ملمحاً إلى تورط روسيا بعمليات القرصنة، لكنه لم يتهم القيادة الروسية بلعب دور في العملية.

كان يطمئن الجميع بأن كل شيء تحت السيطرة، وأن أسرار الطاقم الانتخابي وحساباته الإلكترونية في مأمن من أي اختراق.

وهكذا نجح مـحجوبي في إيصال ماكرون إلى الإليزيه، واستطاع إثبات صحة أفكاره في قدرة العالم الرقمي على دعم الحملات الواقعية والسير بها قُدماً، وظل مؤمناً بالرئيس ماكرون متأملاً أن فرنسا بوجوده ستستطيع أن تحدث الفرق ففي تصريحات له لصحيفة ليبراسيون اليساريّة الفرنسيّة، قال مـحجوبي للصحافي جيروم لوفيلياتر إنّ مخطط السنوات الخمس في عهد ماكرون الرئاسي سيتضمّن أهمية كبرى للرقمنة، “إذ إنّ هناك 30 بالمئة من الفرنسيين الذين لا يملكون اتصالاً بالإنترنت”، وأضاف “ليس هناك قائد يجسّد التوازن بين تحرير الاقتصاد والتكافل العالي أكثر منه”.

قاد مـحجوبي طيلة الحملة الانتخابية الأفكار الرقمية للرئيس الفرنسي وكانت مكافأته منصبا كبيراً في الحكومة، فكُلِّف وزيراً للدولة يحمل حقيبة القطاع الرقمي، في حكومة إدوار فيليب.

تتقاطع نقاط التشابه بين الشابين ماكرون ومـحجوبي، ويتربع على رأس تلك التشابهات الميل المُفرط إلى الأفكار المبتكرة والتقدم. كما أن الرجلين يعود فضل بروز نجميهما وأخذ فرصتهما السياسية للرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند،
وكلاهما حقق مسيرةً جيدة برقم قياسي وعمر صغير.

منير مـحجوبي يعتبر اليوم القدوة الناجحة لكل مهاجر على التراب الفرنسي فلا عائق أمام عربي ومسلم أن يكون متصدرا للمشهد السياسي الفرنسي دون أي تمييز أو تفرقة، لمن يريد البحث عن المستقبل لا عن الماضي من خلال طريق التطرف والتعصب الذي يعمي أبصار كثير من أبناء الأجيال الحالية المنتشرة في المدن الأوروبية.

وبعد حصول منتخب فرنسا على كأس العالم قبل أيام، وبعد أن كثر الحديث عن طبيعة المنتخبات الأوروبية الزاخرة بالمهاجرين، ما المانع أن تكون عمادة باريس من حصة المغاربة الفرنسيين في تحوّل واضح للهويات الثقافية لن يتأخر حدوثه؟

12