من أبوظبي إلى من يهمه الأمر

الذي أخفى أبوظبي القديمة، التي عرفتها قبل نصف قرن، وأخرج إلى العالم هذه الأبوظبي الجديدة المتحضرة المتفردة بقيادتها وشعبها وضيوفها هو حاكم وهبه الله بعد النظر، إنه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
الأحد 2018/03/11
تطلع مستمر نحو المستقبل

ما الفرق بين وطن يبني كل يوم جسرا جديدا وعمارة جديدة ليسعد أهله، وبين وطن يرمي على مواطنيه البراميل المتفجرة من السماء فيقتل أطفاله ونساءه وشيوخه، ويهدم كل يوم قرية أو حيّا في مدينة، ويمحو جسرا وتمثالا وعمارة؟

وما الفرق بين وطن يحبّ أهله وينفق أمواله على صحتهم وتعليمهم وحماية أمنهم، وبين آخر يختلس حكّامُه أموال شعوبهم، ويبيعون أوطانهم لكل غاز ومحتل، ويقتلون علماءها ومفكريها وخبراءها ومبدعيها، ويطردون مَن لم يمت منهم في سجونهم أو على أيدي جلاديهم ومختطفيهم وشبيحتهم، وينثرونهم لاجئين ومهجّرين وشحاذين على أبواب البلاد القريبة والبعيدة؟

وما الفرق بين وطن يبحث حكّامه عن المفكرين والخبراء والمستثمرين من ضيوفهم فيغدقون عليهم بلا هوادة ولا افتعال، ويفتحون لهم قلوبهم وعقولهم، ويُشركونهم في صنع غد أكثر أمنا وتقدما وجمالا، فيجعلون بلادهم قبلة لكل مؤتمر ومنتدى وحلقة من حلقات البحوث والعلوم والفنون، وبين وطن آخر يكره ذلك كله، ويغلق أبوابه ويحبس من تبقى من أهلهم في ظلام وخراب وخوف؟

في 23 فبراير 1971 زرت إمارة أبوظبي ضمن الوفد الإعلامي العراقي الذي حضر مؤتمر الإذاعات العربية في مدينة العين. لم يكن فيها، يومها، غير رمال وغبار ودكاكين طينية متناثرة ومنازل صغيرة مبعثرة بلا نظام.

ثم أقمت فيها عام 1975، حين لم يكن فيها غير شارع مبلط واحد اسمُه شارع حمدان، وعمارة واحدة اسمها عمارة حمدان، ومحطة تلفزيونها في شقة صغيرة فوق السوق الشعبي البسيط. لم تكن أبوظبي يومها سوى مساحات هائلة من الرمل، وشواطئ قاحلة على الخليج.

أمس، عدت إليها لأبحث عن تلك الأبوظبي التي كنت عرفتها قبل نصف قرن فلم أجد منها أي شيء. وجدت دولة كلها معجزات لا تتوفر أمثالها إلا في أرقى بلدان العالم المتقدم المتطور الحديث.

إنّ الذي وجدته مذهلا أكثر من العمارات الشاهقة والساحات المزهرة والشواطئ العامرة المضيئة والحدائق المدهشة هو تلك الشخصية الظبيانية المتفتحة الطامحة المنشغلة فقط بالبناء والتطوير، والتي نفتقدها في كثير من أخواتها من دول العروبة الصامدة ذات الماضي الحضاري الضارب في أعماق التاريخ، كالعراق وسوريا ولبنان وليبيا وغيرها.

سألت نفسي، ما الذي جعل هذه منارة علم وأمن وأمان وعمارة حتى غدت واحدة من القوى الفاعلة المهابة ليس في الخليج العربي وحده، ولا في المنطقة العربية وحدها، بل في العالم القوي الكبير؟

تبيّن أن الذي أخفى أبوظبي القديمة التي عرفتها قبل نصف قرن، وأخرج إلى العالم هذه الأبوظبي الجديدة المتحضرة المزهرة العامرة الساحرة المتفردة بقيادتها وشعبها وضيوفها هو حاكم واحد وهبه الله الحكمة والطيبة والمسالمة والنظر البعيد.عام زايد

استطاع المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن يزرع في أولاده وبناته، وفي كل مواطن من مواطنيه، وكل ضيف من ضيوفه قدرا هائلا من التهذيب والخلق والنزاهة والتواضع وإرادة التغيير والإصرار على الإبحار بحاضر بلاده ومستقبلها في بحار الزمن الصعب وإيصالها إلى شاطئ الأمان.

بالمقابل تعالوا نتأمل حالنا في دولنا (ذات الماضي الحضاري العريق الضارب في أعماق التاريخ) في قرن كامل من الزمان. فكم دخل علينا من أموال، وكيف أنفقناها، وأين؟ ومن قـَتـَل مَن باسم الوطن والوطنية؟ وكم من عالم وخبير ومبدع ومثقف وفنان وقائد عسكري فذ سحقه الوطن بالانقلابات والاقتتال والاجتثاث والخطف والاعتقال، أو طُوح به وبعلمه وخبرته ومواهبه في بلاد الله الواسعة؟

وكم من أحمق وعميل ومتخلف ومتعطش للدم وللمال الحرام قفز، في غفلة، من آخر الصفوف واغتصب السلطة، فتكبَّر وتجبّر، وظن أنْ لا عاصم له من غضب الله والزمن والتاريخ، ثم سقط تحت جنازير دبابة، أو على خشبة مقصلة، أو برصاصة غادرة؟

في محاضرة قيّمة ألقاها رئيس جامعة الإمارات الدكتور علي راشد النعيمي، قبل أيام، تكشفت لنا فوارق هائلة بين أبوظبي التي حلق بها حكامها في الفضاء، وبين أوطاننا التي سجنها أهلها في ماضيها، ومنعوها من الخروج إلى الحاضر الإنساني المتطور الحديث.

ولعل أبرز تلك الفروق هو الاعتزاز والحرص والعناية بما فيها من تنوع هائل وكبير في لغات وثقافات وأجناس بشر جاؤوها من كل أنحاء العالم ليساهموا في تحقيق معجزات أقرَّ المحاضر بحقهم جميعا في أن يفخروا بصنعها.

ويعترف بأن لهذا التنوع فضيلة مهمّة أخرى أكبر من بناء العمارات والجسور والشواطئ والمدارس والجامعات والمستشفيات هي أنه رسخ في الشخصية الإماراتية ثقافة التسامح والاعتدال.

وهذا هو الفرق الحقيقي الوحيد بين مواطن يولد في أرض فيكون ممتلئا قسوة وعنفا وتطرفا وهمجية، وبين آخر يولد في أرض أخرى غيرها فتملأ قلبَه وعقله وروحه الرحمةُ والوسطية وحب الخير؟

في دولنا (ذات الماضي الحضاري العريق الضارب في أعماق التاريخ) يستطيع رئيس جمهورية أو رئيس وزراء أو وزير أن ينقل وزارة كاملة، بوكلاء وزيرها وكبار موظفيها ويعين غيرهم من أهله أو من أعضاء حزبه أو عشيرته حتى لو كانوا جهلة ومختلسين ومزوري شهادات.

ويستطيع مدير مخابرات أو قائد شرطة أن يعتقل العشرات والمئات دون محاكمة ولا تهمة، وأن يختطف النساء، وأن يخفيهن في سجونه ومعتقلاته السرية، لا شهورا بل سنوات عديدة دون محاكمة، وأن يتصرف بأموال الدولة كما يشتهي، وأن يجتث خصومه متى أراد، وأن يلغي أحكاما قضائية مبرمة عن مُدانين بالسرقة والاختلاس والإرهاب، ويجعل القضاء والبنك المركزي والجيش والشرطة والأمن والمالية من أملاك حزبه الخالصة، ثم يرسل أحد نوابه ليوزع سندات أراضٍ أميرية على الناخبين مقابل أصواتهم، ثم لا يجرؤ أحد على أن يعترض.

وفي أبوظبي التي يعترف قادتها ومفكروها ومواطنوها بأنها ليست من ذوات “الماضي الحضاري كالعراق الضارب في أعماق التاريخ”، يعيش أيّ من أولادها وبناتها، وأيّ من شركائهم العرب والأجانب في كنف القانون والعدل والمودة والاحترام.

هل بلغكم خبر المسبار الفضائي الإماراتي الذي يقترب من أعماق السماوات ليضع راية الشيخ زايد على المريخ؟

5