من أجلنا

الخميس 2016/10/20

بين الفينة والأخرى يستقبل عالم الأدب تجارب شجاعة جدا لأشخاص تعرضوا لانتهاكات في صغرهم أو مورس عليهم نوع من الإكراه الجنسي أو زنا المحارم، فيما يشبه أدب الاعتراف أو العلاج الأدبي والنفسي لندوب غائرة وعميقة في أرواح من كتبوها.

تحظى هذه التجارب في الغالب باهتمام كبير لما تثيره من جدل وتسببه من صدمة داخل المجتمعات، ولما يتبعها من تساؤلات حول منظومة المجتمعات الأخلاقية وتوازنها النفسي، وما تضمره بناها من كوارث وسقطات.

يتميز الأدب بوصفه أداة بوح وكشف عن غيره من وسائل التعبير الأخرى بقدرته على استخراج هذه الندوب من دواخل البشر وطرحها للنقاش ومعالجتها، وهي في الحقيقة مجازفة كبيرة يقدم عليها أصحابها، تستوجب منهم شجاعة بالغة ووعيا بأن ما تعرضوا له يتجاوز شخصهم المحدود، ليمس مجتمعا بكامله ويهدد ركائزه وثوابته الاخلاقية، وبالتالي تقع عليهم أيضا مسؤولية إنسانية في تعرية هذه الممارسات الشاذة.

“من أجل سار” كتاب ظهر هذا العام في هولندا يتحدث عن تجارب طبيبة نفسية تدعى يولاندا فولدمولر في معالجة المخلفات النفسية لضحايا الاعتداءات الجنسية داخل الأسرة الواحدة أو ما يسمى في ثقافتنا الإسلامية بزنا المحارم. اللافت في هذا الكتاب أن الطبيبة لا تسرد قصص مرضاها فقط، بل وتجربتها الشخصية أيضا مع زنا المحارم ومعاناتها على مدى سنوات طويلة من اعتداءات والدها.

تقول يولاندا فولدمولر إن الضحية تنجح في حالات كثيرة في طمس هذه التجربة المؤلمة داخلها، ودفنها في منطقة بعيدة ونائية لا أحد يستطيع الوصول إليها، بما في ذلك الضحية نفسها، وفي بعض الحالات تأخذ الضحية طريقا دفاعيا مدى الحياة، فتقضي عمرها في ما يشبه رد الفعل السلوكي والفكري على التجربة الأولى.

في حالة الكاتبة فإنها تكتمت على أمر الاعتداء الذي تعرضت له في صغرها وتعايشت معه، وبحثت له عن حلول بطريقتها الخاصة، وكان من ضمنها اختيارها للطب النفسي كتخصص، في محاولة للإجابة على أسئلة كثيرة داخلها وتبرير ما حدث لها وبلوغ حالة التسامح مع النفس والآخرين. وتقول فولدمولر، إنها ورغم كل مجهوداتها في التعايش مع هذه التجربة الحياتية القاسية، ونجاحها النسبي في ذلك، إلا أن إنجابها لأول طفل فتح عليها أبواب الجحيم، فكان ذلك بمثابة العاصفة التي هبت على أعماقها فنفضتها وهددت سكونها وفجرت المياه الراكدة، وعندها بدأت تساورها شكوك بأن أختها التي تصغرها بعدة سنوات قد تكون تعرضت لنفس المأساة، وهو السؤال الذي لم تطرحه على نفسها أبدا، فانطلقت في رحلة بحث ومواجهة وتعرية للمخفي.

الأشخاص الذين يملكون أداة مثل الأدب محظوظون لأنهم ببساطة يسكبون ما في أرواحهم داخله، فيتحول السياق الأخلاقي والتجارب الإنسانية والشخصية على غرابتها وشذوذها إلى سياق أدبي لا يخضع لحكم غير حكم الجودة الأدبية، لكن ماذا عن البشر العاديين الذين تمر عليهم هذه المآسي فلا يجدون سبيلا لتفريغها وتحرير أنفسهم من آثارها والتخفيف منها؟

حسب الطبيبة النفسية كاتبة رواية “من أجل سار” فإن أفضل طريقة هي في الحديث عن تجاربنا مع شخص نثق به، مهما كان ما يحدث لنا يبدو شاذا أو مؤلما أوصادما أو غير عادل، لأننا إذا لم نفعل ذلك تحول هذا الركن الصغير المخفي داخلنا مع الوقت إلى غول يزحف على باقي حياتنا وأصدقائنا وأبنائنا وعلاقاتنا، ويلتهم كل يوم قطعة من روحنا ليحولها في نهاية الأمر إلى خراب مدمر.

يجب أن تكون شجاعا، فالحياة تقتضي منك الشجاعة التي تجنبك وتجنب الآخرين تكرار الأخطاء نفسها، إذا لم يكن من أجلك فمن أجل ألا يتعرض عزيز عليك للشر الذي يتجول بينكم وفي محيطكم آمنا، من أجلنا نحن أيضا، حتى نعالج أمراضنا.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21