من أجل استعادة زخم العلاقات العربية التركية

الأربعاء 2013/10/09
الانضباط الإخواني ضيع علاقات تركيا الطيبة مع الفضاء العربي

من الظواهر السياسية المستجدة والمقلقة التي طفت إلى السطح منذ مطلع العام الجاري 2013، ما أصاب العلاقات العربية التركية من فتور وجمود، ثم من تشكك متبادل بين الطرفين. العلاقات المقصودة بين الجانبين لا تقتصر على المستويات الرسمية، بل تتعداها إلى المستوى الشعبي.

نشأ الفتور- ابتداء- على خلفية موقف حكومة رجب طيب أردوغان في أنقرة من التغيير الذي وقع في مصر في يناير من العام الجاري، والذي أدى إلى عزل الدكتور محمد مرسي عن موقع الرئاسة، وما بدا من تحفظ تركي شديد ومعلن على هذا التغيير، فكان أن تدهورت العلاقة المصرية التركية، وتبعها جمود في علاقات أنقرة مع غالبية الدول الخليجية مقابل تحسن في علاقة أنقرة مع حكومة حزب النهضة في تونس.

لا بد من التنويه أولا إلى إن أنقرة أخطأت في طريقة تعبيرها عن الموقف إزاء التغيير في مصر، فقد بدا هذا الموقف متماهيا مع موقف طرف مصري واحد هو جماعة الإخوان المسلمين، وغابت إلى حد بعيد موجبات الحرص على العلاقة بين الدولتين التركية والمصرية، أو العلاقة الثابتة بين دولة وأخرى بصرف النظر عن الوضع الداخلي في كل منهما.

الموقف التركي بدا حزبيا يُعبّر عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، بأكثر مما يعبر عن موقف تركيا كدولة تحرص على تثبيت علاقاتها مع أكبر دولة عربية بصرف النظر عن التطورات الداخلية في الدولة الأخيرة، مع استدراك لعله مهم في هذا الخصوص وهو أنه كان ومازال من حق الحكومة التركية أن تكون لها رؤيتها الذاتية وتقييمها الخاص لما جرى في مصر، على أن لا يؤدي ذلك للقفز عن أهمية العلاقة الثابتــة مع الدولة المصرية.

لقد شهدت العلاقات التركية المصرية استقراراً ونمواً في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي لم يكن يتردد في ملاحقة جماعة الإخوان المسلمين المصرية، ولم يمنع هذا الأمر آنذاك من تطور العلاقة بين الدولتين، فكيف أصبح الموقف التركي من هذه الجماعة يتقدم في الأهمية بعد الثلاثين من يناير على الموقف التركي من الدولة المصرية أياً كان من يقودها؟.

الخطأ التركي، وهو خطأ حزب العدالة والتنمية "الحاكم" في بلاد الأناضول، قوبل مصرياً وعربياً بخطأ مماثل؛ فإذا بنا نشهد اندفاعة سلبية تُبخّس من أهمية العلاقات العربية والتركية، وتختزل العلاقات مع هذا البلد الجار والكبير بموقفه من جماعة الإخوان المسلمين المصرية. الاعتبارات الإستراتيجية للعلاقة بين الجانبين غابت عن منظور هذه العلاقات، وحلّ محلّها موقف عارض من أزمة طارئة.

وبينما تشتد الحاجة العربية إلى العلاقة مع الدولة الأهم بين دول الجوار في الإقليم وهي تركيا، في وقت يزداد فيه الجموح الإيراني نحو بسط النفوذ في المنطقة، وتحافظ الدولة العبرية على طابعها التوسعي والعنصري وتنكّرها للحد الأدنى من موجبات أية تسوية شرق أوسطية جدية، فإن أصواتاً تتصاعد في منطقتنا خصوصاً في مصر تقلل من أهمية العلاقات مع هذا البلد، وينضم مثقفون وناشطون سياسيون وإعلاميون إلى هذه الحملة، مستخدمين أحياناً العبارات نفسها التي يتداولها الإعلام السوري الرسمي عن الجار التركي؛ من قبيل التطلعات لبعث الخلافة العثمانية، وأحلام التغلغل في العالم العربي.

وقلما يرتفع صوت في العالم العربي يحاول صاحبه الفصل بين الاختلاف مع أنقرة حول التغييرات الجارية في العالم العربي وبالذات في مصر وتونس، وبين الحاجة إلى تثبيت العلاقات العربية التركية في أفقها الاستراتيجي، من أجل إقامة توازن قوى إقليمي يحِدّ من النفوذ الصهيوني والإيراني، ومن المفاعيل السلبية للتخبط الأميركي حيال التسوية الشرق أوسطية كما حيال موجة الربيع العربي. غاية هذا المقال التحذير من تداعيات اهتزاز العلاقة العربية التركية، الذي يشكل خسارة صافية للجانبين، ومكســـبا ملحوظاً للمــحاور الإقليمية الأخرى.

يجدر في هذا المقام تذكير الإخوة التركيين أن النزعة الإصلاحية وتبني العلمانية المؤمنة كما أقرها أردوغان وحزبه، متفوقة بدرجات على فكر الإخوان المسلمين المحافظ، ذي المضمون السلفي في جوهره، وأن الواجب كان يقضي اجتذاب الإخوان إلى الانفتاح (النسبي) الذي يمثله حزب العدالة والتنمية على العالم وعلى التجارب السياسية المعاصرة، وإلى مفهوم دولة المواطنة في الداخل، لا دولة الانتماء الديني كما يؤمن الإخوان. وهو ( الانفتاح) أمرٌ حدث مع الإخوان المسلمين السوريين حصراً ودون سواهم في وثيقتهم عن الدولة المدنية.

أما أن يقترب الحزب التركي ذو الجذور الإسلامية نحو الإخوان وفكرهم، ففي ذلك نكوص غير مبرر ويثير العجب. وأنه بدلاً من التأييد الحماسي من طرف حزب العدالة لجماعات الإخوان هنا وهناك وبالذات في مصر وتونس، فقد كان الواجب وكذلك المنطق السياسي يُمليان اتخاذ موقف يجمع على الأقل بين التأييد والنقد، وهو ما لم يحدث، بل حدث تقريباً ما هو عكسه.

علاوة على كل ما تقدم فإن العالم العربي الشاسع والمتنوع بتياراته السياسية والثقافية والفكرية وبأعراق مواطنيه وأديانهم، لا يمكن اختزاله بجماعة واحدة، ومن الخطأ الجسيم جعل العلاقة مع العرب مرهونة بما يؤول إليه وضع هذه الجماعة دون سواها من تيارات إسلامية ووسطية وليبرالية وغيرها، عليه فإن المراجعة مطلوبة تُركياً، من أجل المضي على طرق تنمية العلاقات مع الدول العربية وشعوبها، وتجاوز الانتكاسة التي شهدتها هذه العلاقات.

عربيا ومع أهمية الحرص على عدم تدهور العلاقة مع الدولة التركية، ومع حكومتها المنتخبة بقيادة أردوغان، فمن الأهمية بمكان نسج علاقات مع المجتمع السياسي التركي ومكوناته المختلفة، إذ لا شك أن تركيا المتعددة والمتنوعة أكبر من أن تختزل في حزب واحد مهما حصد هذا الحزب من نتائج لصالحه منذ عام 2002، وهو تاريخ صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الرئاسة والحكومة والبرلمان في سابقة لا نظير لها في تاريخ هذا البلد وكما أن السيد أردوغان تساوق مع موجة الربيع العربي بل وتفاعل معها بصورة ملحوظة وتكاد تكون "عضوية"، فلا بد لنا في العالم العربي أن نأخذ عِلماً بموجة الاحتجاجات التي شهدتها تركيا على مدى الأشهر القليلة الماضية وما أفرزته من استقطابات اجتماعية وسياسية وحزبية، وبعيداً بالطبع عن أي تدخل في الشأن التركي.

12