من أجل عودة مدرسية آمنة

في هولندا وحدها تشير الإحصاءات إلى أن قرابة 10 آلاف حادثة مرور تقع سنويا في محيط المدارس، وهي أرقام صادمة ومفاجئة لبلد مصنف في المرتبة الثالثة عالميا من حيث سلامة الأطفال.
الخميس 2018/09/13
اتخاذ كل احتياطاتها لتجنيب أطفال المدارس التعرض للحوادث

في مكان قريب من بيتي توجد منذ سنوات طويلة دراجة صغيرة زهرية اللون مشدودة بسلاسل وأقفال إلى حافة جسر صغير مطل على واد، كلما بهت لونها جاء من يصبغها ويعيد لها بهجتها الطفولية، وكلما ذبلت الزهور التي عليها، رفعت ووضعت مكانها زهور جديدة زاهية. هذه الدراجة هي قبر إحدى الفتيات الصغيرات التي ماتت في حادث مرور وهي متوجهة إلى المدرسة.

منذ أيام قليلة بدأت العودة المدرسية وبدأت معها الكثير من المشاغل والالتزامات، إلا أنها رغم ذلك تظل حدثا مميزا ومبهجا للعائلات والأطفال على حد سواء.

البلديات تستعد لهذا الحدث بوضع إشارات في كل مكان عليها صور أطفال يرتدون الزي المدرسي ومكتوب عليها “بدأنا الدروس، انتبهوا لنا” أو “العودة المدرسية” وغيرها من الجمل التي تلفت أنظار السائقين وأصحاب الدراجات إلى ضرورة الانتباه.

في هولندا وحدها تشير الإحصاءات إلى أن قرابة 10 آلاف حادثة مرور تقع سنويا في محيط المدارس، وهي أرقام صادمة ومفاجئة لبلد مصنف في المرتبة الثالثة عالميا من حيث سلامة الأطفال، ولأن الدولة تأخذ كل احتياطاتها لتجنيب أطفال المدارس التعرض للحوادث.

من بين هذه الاحتياطات أن الأطفال  يتلقون دروسا في إشارات المرور وسياقة الدراجات في التعليم الابتدائي، ويجرون الاختبارات فيها، ويحصلون على دبلوم سياقة الدراجة من المدرسة وضمن باقي المواد المعتادة وليس في مدرسة خاصة لتعليم السياقة.

أيضا تعمد البلديات إلى وضع إشارات في محيط المدارس في قطر يتجاوز المئة متر، مذكرة بأن المنطقة بها مدرسة، وبالتالي فأي عابر للمنطقة يدرك من مسافة بعيدة، وإن لم يكن يرى المدرسة والأطفال أن عليه أن ينتبه.

مؤخرا أكدت البحوث أن استعمال الهواتف على الدراجة يزيد من خطر التعرض للحوادث، وتتجه النية إلى حظرها كما هو الشأن بالنسبة لسياقة السيارات، وتغريم مستخدميها، وإن كانوا أطفالا، بمبالغ مالية محددة. استعمال الدراجة من غير إضاءة يعرض صاحبها أيضا لغرامة مالية بعشرات اليوروهات، فضلا عن أن دراجات أطفال المدارس تتعرض للفحص الدوري، مثلها مثل السيارات، وتزود بلاصقة تشير إلى أنها مناسبة للاستعمال على الطريق.

ورغم كل هذه الاحتياطيات في بلد مثل هولندا، معدل استعمال الدراجات فيه، اثنان لكل شخص، إلا أن البلاد تعاني من ازدياد الحوادث التي يتعرض لها أطفال المدارس، والتي يكونون هم غالبا المتسببين فيها.

فالأطفال هم الأطفال، ولا يمكن لقوة في العالم أن تحد من اندفاعهم، وتزاحمهم ولعبهم في الطريق. وفي الأعوام الاخيرة تحول موضوع حوادث الطرقات التي يتعرض لها أطفال المدارس إلى قضية سياسية تتبناها بعض الأحزاب، وجدل برلماني حاد تحركه منظمات مدنية وجمعيات حقوقية، وتعتبر حملة “أوقفوا قتل الأطفال” واحدة من أشرس الحملات وأكثرها تأثيرا.

في 2016 لقي 400 طفل حتفهم وهم في طريقهم إلى المدارس، وهو ما نقل هولندا من المرتبة الثالثة عالميا إلى التاسعة على قائمة أكثر الدول سلامة للأطفال.

 بعض الإجراءات الجديدة المطروحة للنقاش الآن تتمثل في منع الشاحنات الكبرى من المرور من الطرق المحاذية للمدارس، تحديد السرعة في محيط المدارس بـ30 كلم في الساعة، تحويل كل تقاطعات الطرق إلى تقاطعات دائرية، وهناك أحزاب تطالب بتأجيل موعد انطلاق المدارس في الصباح لما بعد انتهاء ساعة الذروة المرورية، وهو مطلب يبدو معقدا نوعا ما ويلاقي معارضة من قبل أطراف كثيرة، لأنه سيجبر الآباء على تأجيل موعد التحاقهم بعملهم.

21