من أجل فهم ما يجري

الأحد 2013/10/06

تعرضت لنقد البعض حين غردت ذات مرة مؤيداً حركة الجيش وإسقاط حكم الإخوان في مصر على أساس تناقض ذلك مع إيماني بالديموقراطية والليبرالية كجزء من حل المعضلة الحضارية التي نعاني منها في عالم العرب خصوصاً وعالم المسلمين عموماً، وتتجلى مظاهرها في كل هذه الأزمات المزمنة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. المهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد بينت تجربة حكم الإخوان في مصر ومن ثم حركة الجيش في أعقاب مظاهرات الثلاثين من يونيو/ حزيران، أن هنالك فهماً مغلوطاً للديموقراطية ومعناها ومبناها في عالم العرب تحديداً وهذا أمر لا يثير الاستغراب في مجتمعات وكيانات سياسية وأنساق ثقافية لم تعتد على مفاهيم الديموقراطية ومنطلقات الليبرالية، بل ولا تتصور هذه المفاهيم والمنطلقات ذهنياً وهي التي عاشت دهوراً لا يعني مفهوم "الفرد" وحريته واستقلاليته فيها شيئاً، وهو الذي لم يكن طوال تلك الدهور سوى قشة في مهب ريح سلطة دولة مطلقة أو جماعة سائدة أو ثقافة مهيمنة، أو كل ذلك معاً.

فمفهوم " الفرد " وما يتعلق به من قيم ومبادئ، مفهوم غائب في الثقافة العربية، وحتى تلك المحاولات التي سعت إلى إدخال مثل هذا المفهوم إلى ثقافتنا، باء معظمها بالفشل لأن مثل هذا المفهوم لم يتغلغل في أعماق الذات العربية، بخلاف الحالة الأوروبية مثلاً، وبقيت المفاهيم التقليدية لهذه الثقافة، ومهما حُدثنت، هي المهيمنة على تلك الذات، حتى وإن رُفعت شعارات الديموقراطية والليبرالية وغيرها من فلسفات وإيديولوجيات تقول بالفرد وحريته. من هنا يمكن أن نفهم إلى حد كبير لماذا نجحت الجماعات الإسلاموية في الوصول إلى سدة الحكم، ومن ثم محاولة الاستيلاء الكامل على السلطة، في تلك المجتمعات العربية التي عصفت بها رياح الثورة وعوامل التغيير.

مثل هذه المجتمعات فوجئت بانقلاب الأوضاع فيها بعد حركات الفوران الجماهيري بدءاً من عام 2011، والمناداة بالديموقراطية كحل "شمولي" لكل مشاكل الدولة والمجتمع، وبدأ الجميع في التنافس على تفاحة سلطة ساقطة على اعتبار أن من يهيمن على السلطة السياسية فإنه في النهاية سيشكل المجتمع وفق مرئياته وتصوراته ومنطلقاته الإيديولوجية، كما جرت العادة طوال فترات التاريخ السياسي للدولة والمجتمع في عالم العرب، وكما هو منغرس في أعماق الثقافة السياسية العربية، ولكن وفق آليات ديموقراطية هذه المرة، ولكن تبين في النهاية أنها كانت مجرد غلاف جديد لمضمون قديم، أو لنقل مجرد رداء جديد يُضفى على جسد قديم، فيبدو وكأن الحال قد تغير ظاهراً، ولكنه باق على حاله حقيقة، وهذا ما أوضحته تجربة الإخوان بصفة خاصة في مصر. وما يجري في تونس وليبيا وسوريا يزيد الأمر تأكيداً. فالسلطة في تاريخ العرب القديم والحديث، عبارة عن جائزة لمن "يستولي" أو "يستحوذ " عليها، ولا أقول يصل إليها، بحيث يستطيع من خلالها أن يفعل ما يريد وقتما يريد وكيفما يريد، وأصبح هذا الأمر جزءاً من الثقافة السياسية العربية، وبغض النظر عن الطريقة التي "يُشرعن" بها هذا الاستيلاء على السلطة، وإن كانت الشرعنة الدينية تشكل أساس كل عملية شرعنة، وسواء كنا نتحدث عن أنظمة العرب القديمة ذات الوجه الديني الصرف، أو عن الأنظمة "الحديثة" التي تلجأ إلى التبرير الديني مهما بشرت بالحداثة والتحديث، أو طرحت نفسها على أسس علمانية لا علاقة للدين والتدين بمفاهيمها أو بمحاور السلطة فيها، ومجرد نظرة عجلى إلى تاريخ العرب الحديث والمعاصر تكفي لايضاح مثل هذه النقطة والحديث عنها يطول.

ولو أخذنا تجربة الإخوان المسلمين في مصر حالة لتحليل ظاهرة عامة لوجدنا أن هذه الجماعة، ومن سار على نهجها فكراً أو بنية أو هما معاً، قد استفادت من رياح التغيير في مصر ووصلت الجماعة إلى السلطة بطريقة ديموقراطية مما يمنحها شرعية كاملة لا غبار عليها، بعيداً عن جدل تفاصيل الإجراءات التي أدت إلى وصولهم إلى كرسي الحكم. ولكن إن كان الوصول إلى هذا الكرسي قد تم بطريقة ديموقراطية سليمة إجمالاً، إلا أن ممارسة السلطة بعد "الاستحواذ" عليها تم بشكل فيه خرق للعقد السياسي المفترض بين المجتمع والدولة، إذا كانت الديموقراطية وإطارها هي المحدد لقواعد اللعبة السياسية والتي على أساسها وصلت الجماعة إلى السلطة. ولكن السلطة في الذهن الإخواني، أو لنقل في ذهن الإيديولوجيات والحركات الشمولية بصفة عامة، ليست أمراً قابلاً للتداول، كما تقضي قواعد اللعبة الديموقراطية، بل هي المفتاح لتحقيق مبادئ الإيديولوجيا القابعة في أعماق الذهن، والتي تتعارض بشكل مطلق مع المبادئ الرئيسة للثقافة الديموقراطية الليبرالية وتجلياتها في السياسة والمجتمع، من تداول للسلطة وتعددية سياسية واجتماعية وثقافية وحقوق ثابتة للأقلية وحرية القول والفعل طالما تم ذلك في إطار قانون واضح تم سنه في ظل مؤسسات تشريعية تتمتع بالشرعية، كما كان الحال مع التجربة النازية في ألمانيا أو التجربة الفاشية في ايطاليا، وهما حركتان شموليتان "استحوذتا" على السلطة ديموقراطياً، ولكنهما في النهاية سحقتا قواعد النظام السياسي الذي أوصلهما إلى تفاحة السلطة المقدسة. ولذلك فإن الأنظمة الديموقراطية الناجحة والفاعلة اليوم، لا تجيز وجود مثل هذه الإيديولوجيات والحركات، رغم أنها ديموقراطية وليبرالية، لأن مضمونها يناقض تمام التناقض الأسس التي يقوم عليها العقد الاجتماعي والسياسي بين المجتمع والدولة، وهي الأسس الديموقراطية الليبرالية. وتنظيم جماعة الإخوان لا يختلف كثيراً، بل لا يختلف البتة عن مثل تلك الحركات في النهج والمبنى، وإن اختلف المحتوى الإيديولوجي والمنطلق النظري.

في مصر، وبعد أكثر من ثمانية عقود من الزمان، استطاع مريدو البنا والهضيبي وعودة وقطب وغيرهم، رحم الله الجميع، أن يصلوا إلى السلطة أخيراً، مؤيدين بزخم شعبي كفله تعاطف جماهيري مع محنتهم التراجيدية في السجون والمعتقلات في ظل أنظمة كانت لهم بالمرصاد على الدوام، وفي ظل إحساس مجتمعي بالانسجام معهم من حيث أنهم يطرحون أنفسهم كممثلين لثقافة شعب يرى هويته دينية المحتوى في المقام الأول، وفي ظل أوضاع اقتصادية شعبية متردية طرح الإخوان، وغيرهم من العازفين على وتر الدين، أنفسهم فيها على أساس شعار أن "الإسلام هو الحل" لكل معضلة وأية معضلة، وفق وصفة سحرية يختلط فيها الحقيقي بالأسطوري، والديني بالدنيوي، والحركة بالبركة.. هذا ويتواصل الحديث إن شاء العليم.

8