من أجل قراءة حرة

الخميس 2014/03/13

لم يكتب عن الأعلام التونسيين أمواتا وأحياء قدر ما كتب عن محمود المسعدي، فقد تعاقب على دراسته الأكاديميون والمتفقدون وأساتذة التعليم الثانوي ونفر من الكتاب أغرتهم برمجته لمرحلة البكالوريا بكسب مضمون، فوضعوا حول أدبه مصنفات لا تحصى عددا.

ورغم ذلك طلع علينا قبل وفاته بسنوات ليقول في حديث أجرته معه جريدة الصباح إن النقاد لم يفهموه. وهو ما يمكن تفسيره بأحد احتمالين: إما أنه يكتب ما لا يُفهم، أو أن من درسوا أدبه أخطؤوا تفسيره وتأويله.

والحق أن المسعدي سواء في مسرحية “السّدّ” التي استلهمها من التراجيديا الإغريقية، أو في أحاديث “حدّث أبو هريرة قال” التي استوحاها من أخبار العرب القدامى، يستعمل لغة تراثية منحوتة من الصخر كما وصفها طه حسين، شكّلت أول جدار يصطدم به القارئ والدارس.

والحق أيضا أن النقاد تعسفوا على نصيه ذينك مرة أولى عندما صنّفوهما عنوة في جنس الرواية، موضة العصر العربي، والحال أن الرجل اعترف أنه كتب أدبا، ولا يهمه نوع الجنس الذي ينتمي إليه، وتعسّفوا عليهما مرة أخرى عندما فرضوا عليهما تأويلا مخصوصا لا ينأى كثيرا عن مقولة المسعدي الشهيرة «الأدب مأساة أو لا يكون».

وأخطر من ذلك أنهم شكلوا “دوكسا أدبية” (وهي جماع الأفكار المهيمنة التي تساهم في خلق ما يشبه الديانة وتكريسه)، يوجهون بموجبها طلبة المدارس كي يحفظوا ما يملى عليهم، ثم يستظهرونه عن ظهر قلب عند الامتحان.

هذا الخطر هو ما عناه جان بيير مارتن أستاذ الأدب بجامعة ليون 2، حيث لاحظ أن تدريس الأدب اليوم يبدو آليا يسير وفق سلسلة من العادات القاتلة، تقضي بمنع النشء من خوض تجربة حميمة عند قراءة كتاب، والاستعاضة عن ذلك بطرق تحليل مبرمجة، لا ينتج عنها غير التكرار.

فالقراءة من هذا المنظور أصبحت مجرد رصف دقيق لعناصر النص حسب أصناف تجريدية بالغة التعقيد. فأن تعرف الأدب اليوم معناه أنك تعرف أدوات تشريحه حيا، وليس الإلمام بالكتب، كما يقول.

والمشكل لا يخص تدريس الأدب في المعاهد والكليات وحدها، بل يتجاوزه إلى القارئ العادي، الذي يظل مقيدا بما تلقاه في دراسته الثانوية أو الجامعية، لا يمارس عملية القراءة بحرية، بل يطالع وفق ما ترسّب في ذهنه من مناهج يحسبها خير ما يتوسل به لمقاربة نص من النصوص الأدبية.

والباحث يخير عليها قراءة حرة، بعيدا عن النظريات، يعانق فيها القارئ الكتاب دون أن يكون مرغما على إبداء رأي حوله، أو تأويل محتواه أو تفسير مراميه. وهو في هذا يلتقي مع الكاتب الأميركي فيليب روث الذي يوصي بـ”أن نقرأ بانتباه وذكاء دون الرجوع إلى خليط النظريات والتأويلات الحاذقة أو التخمينات البيوغرافية”.


كاتب من تونس مقيم في باريس

15