من أجل قصيدة واحدة

السبت 2014/11/22

ليست القصائد، عند الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه، مجرد أحاسيس أو مشاعر فحسب، بل هي تجارب، في المقام الأول، وقبل كل شيء. لذا، فإنه ينصحنا بعدم كتابة الشعر في مراحل مبكرة من حياتنا. فلا وزن يذكر لما يكتب بالمشاعر فقط. بل إنه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حين يطلب منا أن ننتظر. أن ننتظر حياة كاملة، حياة وحيدة، إن أمكن، لنكون قادرين على كتابة “عشرة أبيات جيّدة”.

ولكي نكون قادرين على تحقيق هذه الأبيات العشرة، أو مجرد قصيدة واحدة، يتوجب علينا، كما يقول، أن نرى مدنا عديدة، وأن نقابل بشرا كثيرين، وأن نكون قادرين على فهم الحيوانات وسبر مجاهل أنفسها، وأن نستطيع الإحساس، في أعماق كينونتنا، بالطرائق التي تحلق فيها الطيور وتعلو.

وليس ذلك فحسب، بل يتوجب علينا، أيضا، أن نكون قادرين على معرفة أسرار الإيماءات التي تطلقها الأزهار الصغيرة آن تتفتح، وأن تكون لدينا القدرة الواضحة على تذكر شوارع في أحياء منسية، وعلى تذكر لقاءات غير متوقعة، وتذكر تلك الوداعات والفراقات التي رأيناها تحدث منذ أمد بعيد، وأن نكون قادرين على تذكر أيام الطفولة؛ تلك الأيام التي ما زالت، بالنسبة إلينا، عصية على التفسير.

ثمّ، لا بدّ أن تكون لدينا القدرة على تذكر الأيام في الغرف الهادئة، وأن نستطيع تذكر الصباحات قرب البحر، بل تذكّر البحر نفسه، وتذكر ليالي الترحال التي رفّت عاليا فوق رؤوسنا، ثم طارت محلقة نحو النجوم، ثم يذكرنا بأنّ القدرة على تذكر كل ذلك ليست كافية.

ــ وماذا بعد، أيها السيد ريلكه؟

“يتوجب على المرء أن تكون لديه ذكريات عن ليالي حب كثيرة، وكل ليلة تختلف عمّا سواها، ذكريات عن نساء يصرخن عند المخاض، وعن صبايا شاحبات وَلدن للتوّ وهن نائمات”.

ــ وماذا بعد؟

“يتوجب على المرء أن يكون قرب المتحضرين، وأن يجلس قرب الموتى في الغرفة ذات الشباك المفتوح والجلبة المتناثرة”.

ثم يذكّرنا بأن الذكريات ليست كافية أيضا. يذكّرنا بأن نكون قادرين على نسيان كل تلك الذكريات حين تكون كثيرة، وأن يكون لدينا صبر هائل على الانتظار حتى تعود من جديد.

ــ ولِمَ كل ذلك، أيها الشاعر العظيم؟

“لأنّ الذكريات، في حدّ ذاتها، ليست مهمة”.

ــ ومتى تكون مهمّة؟

“آن تتحوّل في دمنا، وفي نظراتنا وإيماءاتنا، وحين تصبح بلا اسم، ولا نعود نفرق بينها وبين أنفسنا، حينئذ، وفي لحظة شديدة الندرة، يمكن لأول كلمة في القصيدة أن تنهض، من الأعماق، وتصعد”.

ــ وماذا عن أولئك الشعراء الذين قالوا كل ما عندهم في مراحل مبكرة من حياتهم، أيها السيد ريلكه؟ ماذا عن رامبو، “الطفل المرعب”، الذي كتب أعظم قصائد نثر في اللغة الفرنسية، وربما في لغات العالم أجمع، بين السابعة عشرة والعشرين من عمره القصير؟ وماذا عن جون كييتس، شاعر الرومانسية الأكبر الذي مات في الخامسة والعشرين، وعن اللورد بايرن، أعظم شعراء الأنكليز، والذي انتهت حياته وهو لا يزال في السادسة والثلاثين، وويلفريد أوين، شاعر الحرب العالمية الأولى، الذي مات وهو في الخامسة والعشرين، وبيرسي شيللي الذي غادرنا وهو لمّا يتجاوز الثلاثين، وسيلفيا بلاث التي انتحرت بالغاز وهي في الثلاثين، والقائمة تطول؟!.

فهل صنع أولئك “الملعونون” تلك الحياة الكاملة التي تتحدّث عنها، أيها السيّد المبجل، في عمر قصير، عمر ذي تجارب صاخبة، متوحشة وضارية، كان كافيا لكتابة نحو “عشرة أبيات جيّدة” أو أكثر بقليل؟

شاعر ومترجم من الأردن

16