من أجل قهر الدواعش

الخميس 2014/12/11

يتفق عدد من مؤرخي الحضارات مثل وليام ديورانت، وارنولد تويني، على وجود طبقة صلبة من الهمجية والروح البربرية البدائية، كامنة في أعماق العقل اللاواعي الجمعي، وهي مخفية تحت السطح الحضاري الظاهري، المكتسب اكتسابا بفضل عوامل التراكم المعرفي والثقافي والارتقاء في مدارج الحضارة، وصيرورة التطور الإنساني، منذ فجر التاريخ إلى الآن.

ولكن تلك القوة الظلامية الهمجية ذات القدرة التدميرية الهائلة، هي الأقوى لأنها أقدم عهدا وأكثر تجذرا في اللاوعي البشري، لأنها تمتد إلى مجتمع الغابة والتوحش وفصول التاريخ القديم الغارقة في سديم الماضي السحيق، محملا بكل ما عاناه البشر من أهوال ومعارك ومجازر، وهي التي تنتهز وجود شروخ أو شقوق في القشرة الحضارية، لتنطلق منها مثل إعصار تسانومي، تعلن بقوة وشراسة عن نفسها، وتؤكد حضورها عبر مسيرة الدم والجريمة والعنف والإرهاب، وهو ما كان يحدث دائما عبر الحروب التي شهدتها البشرية، قديما وحديثا، ولا تزال شواهدها ماثلة أمامنا فيما عاصره العالم خلال المئة عام الأخيرة، وليست قاصرة على التاريخ القديم وظهور موجات تدميرية ساحقة ماحقة، مثل ما فعل الوندال في إحدى هذه الموجات، ثم التتار والمغول، تليها الفظائع التي رافقت الحروب الصليبية، والتي استخدمت ستار الدين لتوحشها وإجرامها، وأخرى اختلطت مع عصر النهضة في أوروبا، وصولا إلى العصر الحديث وحربين عالميتين، هما الحرب الكونية الأولى والحرب الكونية الثانية التي شهدت ظهور أنظمة عنصرية مثل النازية والفاشية، وشهدت تفجير القنبلة الذرية، وذهب ضحية لهذه الحرب الأخيرة، وحدها، أكثر من أربعين مليون قتيل.

وعبر هذا السياق، واستنادا إلى هذه المرجعيات الفكرية والتاريخية، فلا يمكن اعتبار “الظاهرة الداعشية”، بكل ما رافقها من توحش، وما تمارسه من جرائم، وما ترتكبه في حق شعوبها من مجازر، وما تصنعه من معاناة وآلام، تطال تجمعات بشرية كثيرة، إلا جزءا من هذا الميراث الإنساني الذي يتفجر معلنا عن نفسه بين الفينة والأخرى.

وكما يقول هؤلاء المفكرون والمؤرخون لمسيرة الصراع بين الخير والشر عبر العصور، بأنه مهما كان عمر التدرج الحضاري منذ بدايات تمدن المجتمعات، قبل خمسة أو ستة أو سبعة آلاف عام، فإن عمر التوحش الذي سبق هذا البزوغ، يمتد إلى زمن يغطي عمر الإنسان فوق الأرض قبل ما يقرب من مليون عام، سبقتها كما تقول نظريات أصل الأنواع، سبعة ملايين عام من كائنات هي أسلاف الإنسان قبل وصوله إلى شكله الحالي.

فلا بد إذن أن يكون لهذا التوحش حضوره في العقل الباطن، ولا بد أن تبقى أنواع من سلوكيات العصر الحجري، وإنسان الغابة، ومواريث إنسان الكهف، متجذرة في تلك الشعاب والخلجان والشقوق التي يتكون منها الدرك الأسفل، الذي شكل المستوى الأدنى، والأكثر عمقا وغورا في اللاوعي البشري.

والتجارب البشرية عبر التاريخ، تقول أيضا، أن هذا الوحش الكامن في الأعماق، يستطيع حقا أن يطفو، كما يطفو كائن غريب من الكائنات التي تعيش في المستويات العميقة المظلمة في مياه المحيط، ويخرج رأسه فوق السطح، ولكنه لا يقوى على الاحتفاظ برأسه طافيا فوق الماء، معرضا لأشعة الشمس ولفحات الهواء، لفترة طويلة، لأنه ربيب الأغوار المظلمة السحيقة، فالإطلالة لا بد أن تكون قصيرة الأمد، طارئة، وعارضة، ثم ينتهي عائدا إلى الأعماق السفلى، وهذا هو بالتأكيد المصير الذي ستؤول إليه الكائنات الداعشية التي طفت فوق سطح أوقيانوس الحركة والحياة في عالمنا العربي.

نعم، إنه كائن متوحش موجود تحت تلك الطبقات الصخرية الكلسية، ورقائقها الحضارية، التي تبدو قابلة للكسر والتهشيم لحظة استيقاظه، ولكن هذا الإيقاظ لا يأتي إلا عبر هزات قوية، وتيارات لها طابع عنيف، استفزت الكائن الوحشي، ليخرج من عمق ذلك الأوقيانوس الذي تسميه كتب التراث “بحر الظلمات، و“الفتنة” كما يقول الأثر الشريف “نائمة لعن الله من أيقظها” وكذلك هذا الوحش الخرافي.

فثمة بالتأكيد عوامل أيقظت في عالمنا العربي هذا الغول الداعشي، كما حدث مع كل الظواهر الوحشية التي عرفها التاريخ، وآخر ظهورها كان في بلدان الحضارة الغربية ذاتها، وقد قرأ الناس آلاف الدراسات التي كتبت عن الدوافع وراء ظهور الوحش النازي بقيادة هتلر، والوحش الفاشي بقيادة موسيليني، والوحش البلشفي بقيادة ستالين، وقبل هذه الظواهر كانت الظاهرة الاستعمارية الكولونيالية نفسها ذات وجه قبيح شرير، شابها كثير من التوحش، والسلوكيات المناقضة للحضارة التي أنجزها الغرب. وقبل أن نتحدث عن ميراث الاستبداد العربي، والجمود العقلي، وثقافة الكبت والقهر، وتمجيد الخرافة والكتب الصفراء التي تكرست باسم الدين، وأساليب الحكم التي اعتمدت على الفرقة، واستثارة النعرات الطائفية والمذهبية والحزبية والدينية والاثنية، والتي كانت بعض العوامل التي ساهمت في تغذية وتحريك وإيقاظ هذا الوحش، فإن الفكر في هذه المرحلة، يجب أن ينصرف إلى مسألتين أساسيتين:

أولاهما استنفار كل قوى العقل، وقوى التنوير والتجديد والحداثة، للدخول في المعركة الفكرية الثقافية ضد الجمود الفكري الذي أسهم في إنتاج الظاهرة الداعشية، وذلك بالتوافق مع حسم المعركة على الأرض وبمنطق القوة والسلاح، سياسيا وأمنيا وعسكريا.

وثانيهما العمل الدؤوب والسريع والحاسم الجازم، الذي يجب أن تنخرط فيه القوى الحية في المجتمعات العربية، لقطع الفرصة على تكرار ظهور هذه الظاهرة، وتحصين العقول والقلوب، ضد التعصب والتهميش والإقصاء، بالحرص على أنظمة حكم مدنية ديمقراطية، تحترم التعدد، وتداول السلطة، عن طريق صناديق الاقتراع، وتفسح المجال لحرية العقيدة والفكر والقول والبحث والاجتماع، وتحطيم هذه الزنازين، وهدم هذه الحيطان والأسوار، التي كانت تسجن وتكبل العقل، وتمنعه من العمل، والانطلاق في آفاق المعرفة والتحديث والتجديد، وصولا إلى أبعد الآفاق الحضارية التي وصلت إليها شعوب العالم من حولنا.

وأخيرا لا بد أن نقهر الدواعش في داخل نفوسنا، لكي نستطيع أن نقهرها على أرض الواقع.


كاتب ليبي

8