من أجل نموذج اقتصادي جديد للمؤسسة الإعلامية العربية

الاثنين 2015/02/02

لقد تطرقت في مقالي السابق في العدد 9795 إلى موضوع “الإعلام العربي وأزمة المحتوى الإلكتروني”، وبيّنت مواطن الضعف وأسباب عدم الوصول إلى المستوى الصحفي المطلوب في وطننا العربي مقارنة مع الممارسات العالمية في هذا الشأن.

ووصلتني رسائل وتفاعلات عديدة حول المقال تُثمّن ما ذهبت إليه من طرح، ولكنها تطلب مني التطرق إلى الممارسات السليمة والأسس الصحيحة التي من المفترض أن تنبني عليها المؤسسة الصحفية الإلكترونية. وسوف أحاول من خلال هذا المقال طرح أهم الخطوط العريضة لهذه الأسس المتفق عليها علميا.

تعتبر الصحافة الإلكترونية مفهوما جديدا للممارسة الصحفية تتطلب منهجية وعقلية جديدة تتماشى مع السلوك الثقافي للقراء التقليدين وللمستخدمين الجدد، وتتوافق مع المستجدات المهنية، وتتّسق مع الأدوات التكنولوجية الحديثة ومع النماذج الاقتصادية وتحديات سوق الصحافة والإعلام. لقد أصبح موضوع عدم الاعتراف بالصحفي الإلكتروني أو اعتباره في بعض الأحيان صحفيا من الدرجة الثانية (الذي يعمل لصالح موقع إخباري) أو التفريق بينه وبين الصحفي التقليدي (الذي يعمل لصالح مؤسسة صحفية أو إعلامية تقليدية)، أمرا من الماضي، إذ أن تعريف مهنة الصحافة تبقى نفسها مهما تعدّدت قنوات النشر.

وهنا يجب على المؤسسات الصحفية والإعلامية العربية أن تنهي هذا الجدل دون رجعة وتعمل على الاعتراف بجميع الصحفيين وتعيد توزيعهم حسب خبراتهم وحسب قنوات النشر ومنصات البث التي تستخدمها في إيصال المحتوى الإعلامي إلى الجمهور.

كما أصبح النموذج الاقتصادي للمؤسسة الإعلامية بصورة عامة يحتاج إلى مراجعة دقيقة وشاملة حسب نوع المؤسسة وأهدافها وطبقا لأصناف قنوات النشر التي تبث المحتوى من خلالها (طباعة، إنترنت، أرضي، أقمار صناعية…)، وأنواع الأجهزة التي تُستخدم في تلقي المحتوى (شاشة تلفزيون، كمبيوتر محمول، كمبيوتر لوحي، هاتف ذكي…).

إن الصحيفة التي كانت تصدر ورقيا أو القناة الإذاعية أو التلفزيونية التي كانت تبث عبر شبكة ال إف إم أو عبر الأقمار الصناعية، ووسّعت من حضورها على الإنترنت يجب أن تعي أن خصائص قارئ الصحيفة أو مستمع الإذاعة أو مشاهد التلفزيون مختلفة تماما عن خصائص مستخدم الموقع الإلكتروني الذي يقرأ ويستمع ويشاهد ويتفاعل ضمن منظومة نشر وبث وإعادة إنتاج محتوى موحدّة.

وفي هذا الإطار، أصبحت مسألة إجراء الدراسات الدورية حول جمهور وسائل الإعلام وفهم سلوكه وطرق تفاعله وأساليب إعادة إنتاجه للمحتوى، أمرا ضروريا تختلف نتائجه باختلاف التكنولوجيا المستخدمة والبيئة والثقافة المجتمعية.

لقد اتجهت معظم وسائل الإعلام الإلكترونية إلى اعتماد نموذج اقتصادي جديد، يركّز على إنتاج خدمات غير تقليدية تساعد المؤسسات الإعلامية على تجاوز التحديات الكبيرة التي أصبح يفرضها السوق، تسمى القيمة المضافة (Added Value) التي تعزّز ولاء المستخدم وتجعله عميلا جيّدا يدفع رسوم اشتراك نظير خدمات إضافية إذا وَجد فيها مبتغاه غير المتوفر لعامة الجمهور.

وعلى سبيل المثال أصبحت بعض المؤسسات الإعلامية تفرّق بين صنفين من الجمهور، المستخدم العادي والمستخدم المشترك لخدماتها الإضافية مقابل رسوم معينة. وذهبت بعض الصحف العالمية المعروفة إلى توفير الصفحة الأولى من الصحيفة المطبوعة والفقرة الأولى من الأخبار والمقالات فقط للمستخدم العادي، في حين توفّر المحتوى بأكمله للمستخدم المشترك.

ولتعزيز ولاء هذا المستخدم المشترك، وفّرت له امتيازات لا يمكن الحصول عليها إلاّ من خلال الاشتراك، من بينها الأخبار والمقالات والتحقيقات الخاصة والرسوم البيانية والصور وأفلام الفيديو الحصرية. كما ذهبت إلى أبعد من ذلك من خلال توفير مساحات نقاش إلكترونية مع بعض الوزراء والمسؤولين والشخصيات المشهورة، تتم فقط من خلال موقعها الإلكتروني.

ربّما هذه المساحة غير كافية للتعمّق في الموضوع، لكن إعادة التفكير في النموذج الاقتصادي للمؤسسة الإعلامية العربية من خلال إنتاجها لخدمات غير تقليدية والتزامها بخصائص ومعايير إنتاج المحتوى الإلكتروني والتركيز على القيمة المضافة للمستخدمين، تعتبر المفتاح المبدئي للمرور إلى عصر الصحافة والإعلام الإلكتروني.


أكاديمي وخبير إعلامي – مملكة البحرين

18