من أخرج المرأة من غرفتها الأثيرة.. المطبخ

“مع كلّ امرأة عجوز تموت في ربوعنا مطبخ يحترق”، عبارة كلماتها قليلة لكنها تحمل بين ثناياها دلالات كثيرة عمّا تشهده البيوت العربية الآن من اندثار لأكلات الجدات، فالنساء اللائي بإمكانهنّ إعداد أنواع معينة من الطعام أصبح عددهن لا يتجاوز أصابع اليدين في المدن والقرى على حد سواء، ومن المتوقع برحيلهنّ أن تختفي “أكلاتهن”، بكلّ ما تحمله من دلالات مادية ورمزيّة.
الاثنين 2016/12/12
النساء العربيات ثرن على الأكلات التقليدية

هناك ارتباط وثيق بين مطبخ الجدة في كل دولة وبين ثقافة تلك الدولة وتاريخها. وفي الآونة الأخيرة، تخلت المرأة، خاصة العاملة، عن “قدسية” المطبخ ووصفات الجدات، واتجهت نحو الوجبات السريعة “التيك أواي”، الأمر الذي ينذر بأنه سيأتي اليوم الذي تحل فيه ذكرى المولد النبوي الشريف دون أن نسمع أو نتناول تلك الأكلات.

ساعتها ستكون “الرشتة” و“البروكوس” وحلوى “الطمينة”، وهي أكلات شعبية تشتهر بها الجزائر، جزءا من زمن ولّى وسيختفي طبق “العصيدة” من فوق المائدة الليبية في هذه المناسبة، كما لن يتم تقديم “العصيدة المغربية” على موائد المغربيات، ولن يحتفل أهل السودان بتناول “الثريد” أو “الفتّة”، وستعلو أصوات الحلوى الجاهزة لتغطي على صوت “الزردة” في المائدة العراقية.

وأرجع متخصصون في علم الاجتماع لـ“العرب”، ذلك إلى أن ثقافة المجتمع العربي تتغير بشكل متسارع، وهو ما جعل النساء العربيات يثرن على أثوابهن التقليدية حتى لا يكنّ حبيسات داخل أبواب وجدران المطابخ، وباتت المرأة العربية تبحث عن الحداثة ومواكبة تطور العصر لا سيما العاملات منهن.

وساعد الانفتاح على العالم الخارجي وتكنولوجيا الاتصال الحديثة في الاتصال بمنابع الفكر مباشرة دون وسيط (الجدات)، فالبرامج والقنوات المتخصصة في الطعام جعلت الأسر العربية تفقد السيطرة على طريقة إعداد الطعام ولم تعد سيدة الأسرة، (الأم أو الجدة) هي الوحيدة التي تربى أفراد العائلة على مذاق طعامها.

غير أن “العرب” رصدت عوامل أخرى، سواء كانت تصريحات أو تلميحات من خلال صفحات إلكترونية أو تغريدات “تويترية” كلها تصب في قالب فكري متخلف كان أشد تأثيرا على المرأة وجعلها تفر من المطبخ باعتباره “وصمة عار” و”نظرة دونية” تلاحقها في كل المحافل.

المرأة، خاصة العاملة، تخلت في الآونة الأخيرة عن "قدسية" المطبخ ووصفات الجدات واتجهت نحو الوجبات السريعة

وحصر المجتمع الذكوري مكانة المرأة في المطبخ، وأجبرها على البقاء بداخله كلما واتته الفرصة لذلك، ودائما ما يوجه الرجال تهمة للمرأة مفادها أنها لا تصلح إلا للمطبخ، ومن ثم فهي دائما في نظرهم “مطبخية المعلومات”، أي لا تستمد معلوماتها إلا منه.

وحتى في الغرب المتقدم فإن الرجال مشوا على الدرب نفسه، ففي ألمانيا مثلا وبالرغم من تحضرها لم يجد المتخصصون غضاضة في إبقاء المرأة رهينة أدوار حددوها وفق ثلاثة حروف (k. k. k) لثلاث كلمات منفصلة، تبدأ بنفس الحرف(Kinder. Küche. Kirche) والتي تعني (الأطفال. المطبخ. الكنيسة)، حيث لا يرى المجتمع لها دورا أكبر من ذلك.

وحتى الرؤساء عندما أرادوا أن يهينوا المرأة، حصروا دورها في المطبخ. فقد أطلق الرئيس النيجيري محمدو بخاري، خلال مؤتمر صحافي عقد مؤخرا مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نقلته صحيفة “الغارديان” البريطانية، عدة عبارات تدل على التحقير من شأن المرأة ومنها تذكير زوجته “بأن مكان تواجدها هو المطبخ أو غرفة المنزل لا المحافل السياسية”.

المطبخ- كتحقير للمرأة- تسلل أيضا إلى الوسط الرياضي، فلم يتورع حارس مرمى نادي سبارتا براغ التشيكي، توماس كوبيك، بعد مباراة فريقه ضد برنو في الدوري التشيكي، عن قصف الحكم المساعد لوسي راتايوفا -كونها امرأة- وقال إن “السيدات مكانهن المطبخ وليس تولي مناصب الرجال في كرة القدم”، بعدما فشل الحكم في رفع إشارة تسلل الخصم خلال مباراة النادي ما أدى إلى تعادل الفريقين.

وتلك الاعتداءات على عقلية المرأة جعلت الداعيات إلى حرية المرأة يطالبن بوجوب مغادرتها المطبخ وقد رفعن شعار “اخرجن من المطبخ فقد ولى زمن التهميش”، و”على المرأة ألا تبقى أسيرة له”، وأنه “ليس مكانها الطبيعي”. عندما وجدت النساء أنفسهن في خضم حركات نسائية متسارعة وعازمة على إرغامهن قسرا أو طواعية على هجر غرفتهن التاريخية “المطبخ وأكلات الجدات”، قمن بصحوة للدفاع عن معقلهن الأخير، من خلال توثيق تلك الأكلات في أعمال أدبية لإعادة المرأة إلى المطبخ.

جانيت ثيوفانو، وهي كاتبة مهتمة بالشأن النسوي، أكدت في كتابها “قراءة حياة النساء من خلال كتبهن عن الطبخ”، أن الطبخ هو المسؤولية الطبيعية للمرأة وهناك أديبات دعمن معتقداتهن السياسية أو الاجتماعية أو الدينية بتخصيص عائدات كتبهن لدعم حركة سياسية، تؤمنّ بها أو من خلال جمعية تنتمين إليها أو حتى الكنيسة.

أخريات تجاوزن مرحلة الكتابة والبيع وتحولن إلى ملتقى تراثي للأكل العربي، حيث عملن على إعادة إحياء المطبخ العربي بوصفات حقيقية تنصح بها ربات البيوت من كل الدول العربية، من خلال صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي “فيسبوك” تحمل عنوان “نكهة عربي” للمذاق الأصيل لجمع النكهات العربية ببصمة سيدات من كل البلدان العربية.

ومنذ أيام أعلنت الدكتورة آمال إبراهيم، منسقة مهرجان المرأة العربية للإبداع في دورته الأولى عن انطلاق فعاليات المهرجان بمدينة شرم الشيخ في مصر، من 12 إلى غاية 14 يناير المقبل تحت عنوان “سيدة المطبخ العربي”، وسيتم التنافس بين أكثر من 30 متسابقة، من ست دول عربية، وفقا للمعايير الدولية في الطهي الاحترافي، بهدف تعزيز قدرات المرأة العربية وإظهار موهبتها في الطبخ.

سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، أشادت بتلك الصحوة، مؤكدة لـ”العرب”، أن نشر أكلات الجدات والرجوع إلى المطبخ العربي الأصيل، كأحد موروثاتنا وثقافتنا، هما دعم للهوية العربية والتراث، فالتوثيق والبرامج وإقامة المهرجانات، ستجعل وصفات أكلات الجدات بمكوناتها ونكهاتها تتجاوز كل الحدود الجغرافية لتصبح بمثابة “سفيرات” تمثل جميع الدول العربية وتثبت للعالم بأكمله أن لدينا هوية وتاريخا طويلا وأصيلا حتى في الأكلات.

21