من أخفى الأب باولو؟

الأحد 2013/08/25

قبل اندلاع الثورة السورية لم أكن أعرف عن الأب باولو دالوليو اليسوعي السوري سوى أنه صوفي دير مار موسى الحبشي المتنسك في كنف إحدى السلاسل الجبلية لمنطقة القلمون. التقيته لقاء يتيما بدمشق سنة 1978 وكنا في ضيافة الكاتب محمد خالد رمضان بحضور الناقد سليمان البوطي والكاتب الراحل شابا أحمد شطا. لم أزره في ديره، وقد زاره الشباب السوري من كل الطوائف، وأعجب بشخص هذا الناسك على طريقة رهبان المتوسط الذين عرفتهم سوريا القرون الخالية أهل علم وفكر ورياضات روحية.

لكن توقيفه من قبل نظام الأسد وطرده من وطنه الثاني الذي عاش فيه أكثر من ثلاثين عاما، بسبب نشاطه السلمي من أجل ثورة الحرية، جعلاني أتصل به، عند أول فرصة، لأتعرف إليه عن قرب وأتواصل معه، ولأدعوه للمشاركة والحضور والتعبير عن موقفه من القضايا المختلفة، كلما كان هناك نشاط مدني ثقافي وفكري لصالح الثورة، قريبا من المعارضة بأطيافها المختلفة، ومستقلا عنها.

كانت الفرصة الجديدة لي مع الأب باولو، في القاهرة، خلال المؤتمر الذي وقِّعت فيه وثيقة العهد بين مختلف أطياف المعارضة، وقد شاركت في ذيَاك المؤتمر ضيفا. يومها فاجأني الأب باولو بمقدار العاطفة الجياشة التي يحملها بين جوانحه لسوريا، وطنه الذي اختار، عندما انسحب من قاعة المؤتمر غاضبا من خلافات المعارضة في ما بينها، وقد علا صوته الأجش وهو يردد: شو هادا؟ كل واحد بدو شقفة من سوريا، الكردي بدو شقفة والعلوي بدو شقفة.. هاي سوريا، يا عالم.. هاي سوريا..!

خرج الأب باولو بجثمانه الضخم من القاعة تاركا وراءه مائة معارض سوري وقد احتدم بينهم النقاش، ولحق به عدد من النشطاء، ليعيدوه إلى القاعة، فالكل هناك كان يحب هذا الأب طويل القامة، المتصوف في حب سوريا، وقد افتداها بسلامته الشخصية في مواجهة نظام لا يتورع عن قتل الأطفال والنساء والأطباء ورجال الدين فما الذي يمنعه من قتل ناسك متصوف في دير دمشقي؟ في تلك اللحظة، رأيت في الاب باولو ليس فقط الضمير الاخلاقي لسوريا والسوريين وحسب، وإنما صوت التاريخ.

في ذلك اليوم كانت لي جلسة على انفراد مع الأب باولو. وقد كان النيل مايزال يسير على هونه.

قلت له، هل تقبل أن تكون عضوا في "رابطة الكتاب السوريين"؟ نظر إليّ وسأل: أنت تعتبرني كاتبا سوريا؟

قلت لم لا؟، أنت أولا سوري، وثانيا كاتب وضع عدداً من الكتب الفكرية. وانت سوري ليس فقط لأنك عشت في سوريا ثلاثين عاما، ولكن لأن سوريا تمثل لك أرض الوجد، الأرض التي ولدت فيها المسيحية وترعرعت وفي جامعها الأموي مايزال هناك جرن معمودية يوحنا، ومن دمشق كرز بطرس وبولس ومنها خرجا ليبشرا باسم المسيح ورسالته في الأمم، فهي الموئل والممر الأول لحضارة المسيحية في العالم. وكما هي مكة للمسلم كذلك هي دمشق للمسيحي.

في ما بعد سوف أعرف عن الأب باولو أكثر مما قلت، مع الوقت كشف لي شخصه، إنه صوفي، يؤمن، كما ابن عربي، بالذهاب إلى الله عبر كل طريق.

يقول ابن عربي:

عقد الخلائق في الإله عقائد

وأنا عقدت جميع ما عقدوه.

عندي صورة الآن في كومبيوتري للأب باولو وهو يصلي صلاة المسلمين مع الثوار في ريف حلب.

تجرع ماء كثيرا خلال حديثنا، ويبدو أن الرهبان كلهم يحبون الماء، ثم أجابني عن سؤالي: هل تستطيع أن تطالب لي بالجنسية السورية؟ هذا هو كل ما أريد..أنا سوري وأريد أن أموت سوريا.

وعندما عقد مثقفون سوريون أحرار، برعاية من "مؤسسة بناة المستقبل" مؤتمرا للمفكرين والمثقفين والكتاب، والعلماء، ونادوني لأكون معهم قلت: الأب باولو. وجاء الأب باولو.

وفي وقت آخر هاتفته وسألت: أين أنت؟ قال: في الطريق إلى إدلب. قلت ستكون عضوا في هيئة تحرير مجلة "دمشق". أريد اسمك وصوتك. قال دمشق حبيبتي.

فجأة اختفى الأب باولو. وكالات الأنباء، وصفحات النشطاء على الفيس بوك وتويتر حملت مؤخرا أخبارا ومعلومات متضاربة عن اختفائه خلال مهمة ثورية، مهمة سرية في الرقة، لأجل حقن دم الإخوة كردا وعربا أن لا يسفك بأيدي إخوة لهم.. لكن المهمة طالت، والقلق أطلق لمخيلات السوريين العنان: الأب باولو أسير، الأب باولو مختطف، الأب باولو صريع.

وبدوري أتساءل: أين هو الأب باولو اليوم؟ لا أريد أن أتخيل أنه ليس بخير، فهو أحب الخير للجميع، وعمل لأجله.

وإذ أكتب هذه الكلمات، فليس قصدي أن أرثي هذا الصوفي، فأنا وجميع السوريين الأحرار بانتظار عودته سالما، إنما، وحتى ذلك الوقت، ليس هناك، إلا في سوريا الثائرة على الطغيان، أسطورة فداء تشبه أسطورة الأب باولو، بسيطة كالماء، ومؤلمة كإكليل الشوك.

11