من أفغانستان إلى سوريا.. العائدون تحد أمني متجدد للدولة المصرية

استفاق العالم في التسعينات من القرن الماضي بعد الحرب الأفغانية على خطر آلاف المقاتلين السابقين العاطلين عن العمل مع تشبثهم بأفكارهم المتطرفة، ومنهم من انخرط في الحرب الأهلية بين الفصائل الأفغانية، مثل تنظيم القاعدة الذي تحالف مع حركة طالبان، ومنهم من بحث عن ساحات قتال جديدة مثل البوسنة والشيشان وكشمير والصومال، ومنهم من عاد إلى بلده الأصلي لينخرط في ارتكاب أعمال عنف بها، مثلما حدث بمصر واليمن والجزائر، في سيناريو تستحضره دول عربية اليوم بقلق وهي بصدد استقبال أبنائها الذين يقاتلون في صفوف التنظيمات المتشددة في سوريا.
الثلاثاء 2017/02/28
عودة وعرة

القاهرة – تحمل الأخبار القادمة من العراق وسوريا حول تقدم الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية وعموم التنظيمات المقاتلة هناك بعض الأمل لسكان هذين البلدين، لكنها في الوقت نفسه تشكل مصدر قلق للدول التي يقاتل أبناؤها في صفوف هذه التنظيمات.

تستقبل المجتمعات العربية، وحتى الأوروبية، أخبار تضييق الخناق على الجهاديين في سوريا وسط جدل حول عودة المقاتلين من بؤر التوتر، وإلى أي مدى يشكل هؤلاء خطرا على أمن الدولة والمجتمع. ومردّ هذا الحذر والقلق التجارب السابقة مع “الجهاديين” العائدين.

شكّل العائدون من أفغانستان والعراق والبوسنة والشيشان وألبانيا، نواة للكثير من الجماعات المسلحة التي ارتكبت أضخم عمليات العنف التي شهدتها المنطقة العربية، وهم من أسسوا التنظيمات المسلحة الجديدة في سوريا، كتنظيم داعش وجبهة النصرة وأحرار الشام.

واتسعت رقعة عمل تلك التنظيمات منذ تسعينات القرن العشرين إلى اليوم، اعتمادا على متوالية العائدين الذين يتم تدريبهم في ساحات الصراع، ثم يعودون محملين بالخبرات الميدانية والعسكرية، فضلا عن توفر مصادر الدعم المادي والتدريب، واحتضان دول بعينها لأنشطتهم.

ومن بين أبرز الدول التي تعي جدية هذا الخطر القادم من سوريا، مصر، التي عاشت تجارب دموية مع هؤلاء العائدين. وهي تدفع ثمنا باهظا من أمنها، منذ أن سمحت السلطات لجماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية وأعداد واسعة من قيادات وكوادر الإخوان بالسفر والانضمام إلى صفوف ما اصطلح على تسميته في ذلك الوقت بـ“المجاهدين” لمناهضة الاتحاد السوفييتي.

بدأت معاناة الدولة المصرية مع ظاهرة العائدين المعروفين باسم الأفغان العرب، مع عودة الوفود الأولى من المقاتلين إلى البلاد، قبل حوالي 25 سنة، والذين سرعان ما انخرطوا في تنظيمات قتالية ضد الدولة، محاولين تطبيق المهارات القتالية التي تدربوا عليها في شوارع كابول وجلال آباد وقندهار.

واليوم، يعيد ملف العائدين من سوريا هذه المشاهد، وسط جدل حول ما الذي ستفعله مصر تجاه هذه الظاهرة؟ وهل هناك خطة للتعامل مع هؤلاء العائدين؟ لا سيما أن جزءا من أسباب سفرهم إلى سوريا كان سياسات الأنظمة. كما يستمد هذا الملف خطورته من مركزية مصر ومرجعيتها في أدبيات الحركات الجهادية. ويعتبر المصريون المنخرطون في صفوف التنظيمات المتشددة من فئة النخبة غالبا، فمعظمهم إما من الدعاة وإما من القادة.

تقدر بعض المصادر عدد هؤلاء العائدين من سوريا بما لا يقل عن ألفي شاب وقدرت عدد المصريين الذين مازالوا يقاتلون في سوريا بما يتراوح بين عشرة آلاف و15 ألف مقاتل، يتبعون القاعدة وجبهة النصرة (أحرار الشام)، فضلا عن نحو 1500 منضمّ إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي تأكيد على جدية هذا الموضوع وخطورته، وصفه وزير الخارجية المصري سامح شكري بالمشكلة الكبيرة المؤرقة، ودعا إلى مواجهة هذا الخطر بشكل صريح ومباشر، خاصة أنه بالتوازي مع العائدين من سوريا تبرز أيضا ظاهرة العائدين من ليبيا.

عائد من سوريا يروي قصة الهروب والانشقاق
القاهرة – يروي أحد الشباب العائدين من سوريا رحلة سفره وعودته من سوريا إلى مصر، مشيرا في لقاء مع “العرب”، إلى أن المحطة الأولى كانت أحد مساجد حي “الزيتون” (شمال القاهرة)، وهو مسجد تابع لجمعية أنصار السنة المحمدية (جمعية رسمية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي). في هذا المسجد كان يتلقى دروس الفقه ضمن مجموعة متحمسة للتعمق في علوم الدين.

قال المتحدث إنه تم تجنيده على يدي عنصر نشيط بمجموعة “حازمون”. وذهب ليقاتل ضمن مجموعة مصرية في صفوف تنظيمي أحرار الشام ثم جبهة النصرة.

الشاب الثلاثيني، الذي بدا متحفظا لكنه راغب في نشر تجربته ليستفيد منها الشباب، كشف عن أعداد غفيرة من شباب مصر الذين تم تجنيدهم في حيي عين شمس والزيتون ( شمال القاهرة) وغيرهما، خلال الفترة بين عامي 2012 و2015.

وأشار إلى أن دورات تعليم الفقه، بالجمعيات الدينية، هي أحد أهم مراكز استقطاب المجندين، حيث حظيت باهتمام خاص من الكيانات الناشطة في تسفير المقاتلين إلى سوريا وليبيا، وعلى رأسها حازمون والجماعة الإسلامية والجبهة السلفية.

ولم يشأ الشاب أن ينهي حديثه مع “العرب” دون أن يُحمّل أجهزة الدولة المصرية جزءا من المسؤولية عما حدث له ويحدث للآلاف من الشباب الآخرين، فهو لم يذهب إلى سوريا للقتال إلا تحت مظلة نظام الإخوان الحاكم وقتها، حيث رعت الدولة آنذاك -حسب وصفه- هذا الاتجاه، من خلال منح الضوء الأخضر لكيانات وتنظيمات موالية لها لتسهيل السفر إلى سوريا، في نسخة مشابهة لما حدث زمن نظام حسني مبارك مع الحرب الأفغانية. وطالب الدولة بحمايته من جماعات تهدده بالقتل بسبب توبته وانفصاله عنها.

وقدر عدد العائدين من سوريا، الذين تم القبض عليهم وفق القضايا والتحقيقات المختلفة للعمليات الإرهابية داخل أروقة المحاكم والنيابات، خلال السنوات الثلاث الماضية، بألفي شخص. ويحذر مراقبون من الاستهانة بالخطر الذي يشكله الإرهابيون العائدون دون تأهيل أو مراقبة أو معالجة لأوضاعهم الاجتماعية وتصوراتهم الفكرية التي دفعتهم إلى العنف، ويعتبرهم محللون أكثر خطرا من الإرهابيين المحليين، بالنظر إلى التجارب التي مروا بها.

يتمثل التهديد الذي يشكله هؤلاء العائدون في ما اكتسبوه من خبرات قتالية واستخباراتية مكنتهم من تطوير قدرات تنظيمات مصرية محلية ونقلتها من البدائية العشوائية إلى طور التنظيمات الاحترافية الكبيرة، مثل تنظيم “حسم” التابع للإخوان، وتنظيم “ولاية سيناء” التابع لداعش.

وأثبتت التجارب -بعد حرب أفغانستان- أنه مع انتهاء السبب الذي يؤدي إلى نهوض الجماعات الإسلامية واستقوائها (الحرب الأفغانية والحرب في البوسنة وفي العراق، واليوم في سوريا) تدخل التنظيمات في “سبات” تتم خلاله إعادة ترتيب الأوراق وتدريب الخلايا النائمة، وتتخلله من وقت لآخر عملية إرهابية هنا وهناك.يربط البعض من الخبراء بين ما جرى في الحرب الأفغانية وما يدور حاليا في الحرب السورية، من حيث تقديم الدعم للتنظيمات الجهادية لاعتبارات دولية، ما يمنح هذه التنظيمات وضعا استراتيجيا وأجندة جديدة، ليس في مصر فحسب، بل في العالمين العربي والإسلامي وفي الغرب أيضا، لتتحول إلى عنصر تهديد أساسي عابر للحدود في منظومة العلاقات الدولية والإقليمية.

مصر تدفع ثمنا باهظا من أمنها القومي نتيجة عمليات عودة المنخرطين في صفوف التنظيمات الجهادية

ويذهب خبراء أمنيون إلى أن الطبيعة الجغرافية المتشابهة وقرب المسافات بين مصر وسوريا وليبيا، سهلا على المقاتلين إدارة أنشطتهم، مع انضمام أجيال جديدة -من خارج دائرة الرصد الأمني- عن طريق وسائل التواصل الحديثة. وبالإضافة إلى الترابط الفكري والأيديولوجي، يظل الإغراء المادي من العوامل التي يُخضِع بها التنظيم الإرهابي أفراده لأطول مدة ممكنة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها أغلب الدول العربية.

ويصف الخبير الأمني خالد عكاشة عملية التعرف على العائدين من سوريا، ومن بؤر التوتر عموما، بالتحدي الأكبر للأجهزة الأمنية خلال الفترة المقبلة؛ حيث يسلك معظمهم طريق التخفي، أو يعودون بوثائق مزورة من خلال المعابر الرسمية، لافتا إلى أهمية التعاون مع أجهزة الأمن والاستخبارات الدولية والعربية، وضرورة ضبط الحدود ومنافذ الدخول وتشديد الرقابة عليها.

وأوضح عكاشة لـ“العرب”، أهمية تجهيز قاعدة معلومات وبيانات جديدة عن العائدين. وشدد على أن معظم المجندين والعائدين إلى مصر مغيبون عن الواقع، ومخدّرون عقليا بتصورات وقناعات وهمية خادعة، وما سيُصعب الأمر أن معظمهم عناصر شابة جديدة تم التغرير بها.

ورغم الإجراءات الأمنية المشددة، فإن المقاتلين المصريين بسوريا يمكنهم أن يعودوا دون القبض عليهم أو رصدهم، فهم صغار السن (أعمارهم ما بين 22 و40 عاما)، وتدربوا على حمل السلاح وصناعة المتفجرات وصناعة السيارات المفخخة، ويجيدون التخفي والعمل السري والحركي، بعد أن ضاعفوا خبراتهم ميدانيا بالتعامل مع أجهزة مخابرات أجنبية وإقليمية. وتحاول الحكومة المصرية حاليا الاستفادة من الجهود الدولية في مجال التعاطي مع معضلة المقاتلين العائدين، وبالتعاون مع الدول التي تمتلك بيانات حول مسار تحرك تلك العناصر.

باحث في الجماعات الإسلامية

6