من أفغانستان الى سوريا والعراق.. واشنطن لا تتعلم كيف تواجه الإرهاب

الجمعة 2014/11/28
أميركية ترفع لافتة عليها شعارات مناهضة للضربات العسكرية في العراق وسوريا

لندن – في ظلّ عدم النجاعة التي اتّسمت بها الضربات الجوية الأميركية التي تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، بات من الأكيد لدى عدد من المتابعين والباحثين أنّ السبب يرجع بالأساس إلى قصور الإستراتيجية التي وضعتها واشنطن منذ البداية، ممّا دعا بعضهم إلى المطالبة بتغيير هذه الإستراتيجية وتعويضها بأخرى تتّسم بدقّة الأهداف والنّجاعة على مستوى النتائج والحيّز الزمني.

يبدو أن إستراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما في سوريا والعراق لن تؤتي النتائج المتوقعة منها؛ فلطالما اعتقدت الإدارة الأميركية أنّ شن ضربات جوية بالتعاون مع قوات محلية على الأرض (البيشمركة والجيش العراقي والقبائل من جهة العراق، ووحدات الجيش السوري الحر من جهة سوريا) كفيل بعرقلة تنظيم داعش وتدميره. لكنّ هذه الإستراتيجية لم تحل دون توسّع التنظيم المتشدد وسيطرته على مساحات إضافية من الأراضي في محافظة الأنبار شمالي العراق وفي الشمال السوري أيضا.


كيف يثبت أوباما جديته؟


يقول خبراء ودبلوماسيون سابقون في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي “إن كان الرئيس باراك أوباما جادّا فعلا في محاربة التنظيمات الجهادية والمتطرفة فسيكون عليه أن يرفع سقف التزاماته في سوريا والعراق، لكن بطريقة محسوبة”.

ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنّ واشنطن مطالبة بأن “تبذل جهودا إضافية، أكثر ممّا تقوم به الآن، وفي نفس الوقت أقلّ ممّا قامت به سابقا في كلّ من العراق وأفغانستان. وعلى الرغم من أنّ الرئيس أوباما لن يحتاج إلى إرسال قوات قتالية على الأرض، إلاّ أنّه في ذات الوقت يجب ألاّ يحرق هذه الورقة في وسائل الإعلام”.

لكن أيّ خطة أميركية يجب أن تتمحور حول محاولة الحد من الكفاءة القتالية لتنظيم “داعش” أو تدميره (وهو ما يراه كثيرون أمرا يحمل قدرا كبيرا من التفاؤل في الوقت الحالي)، أو على الأقل الحد من قدرته على السيطرة الميدانية على المناطق التي تمكّن من وضع يده عليها. وهذا بالضبط ما حدث مع تنظيم القاعدة من قبل في العراق بين عامي 2007 و2008 قبل اندلاع الفوضى الإقليمية التي أفضت إلى الأزمات الأخيرة.


كيف يجب أن تتصرف واشنطن؟


يرى محللون إستراتيجيون أنّ الهدف المتعلّق بتقليص قدرات “داعش” مازال من الممكن أن يتحقق، مشيرين إلى أنّ القدرة التنظيمية للجماعة الجهادية ليست على نفس الدرجة من الحرفية والتماسك مقارنة بجماعات إقليمية أخرى شأن “حزب الله” المدعوم من إيران، وجماعة طالبان المدعومة من باكستان. لكنّ الخطورة على المصالح الغربية والأميركية في المنطقة مازالت تتركز في يد “داعش” أكثر من أيّة تنظيم آخر، وذلك عائد بالأساس إلى قدرته الفائقة على استقطاب مقاتلين من الغرب للانضمام إلى صفوفه.

على واشنطن أن تحذر من ضخّ الأسلحة إلى الجهات الرسمية العراقية لأن جزءا منها قد ينتهي بين أيدي الميليشيات الشيعية

هذه النظرة، يؤكّدها الباحث والمؤرّخ الأميركي، ماكس بوت، في دراسة نشرها مجلس العلاقات الخارجية، يقول فيها إنّه “إذا كان الرئيس الأميركي يريد القضاء على داعش فعليه أن يرسل مزيدا من الطائرات الأميركية والمستشارين العسكريين إلى كلّ من سوريا والعراق، مع تقليل القيود حول المهام المصرح لهم القيام بها”.

ويضيف الباحث “أنّه على أوباما أيضا أن يركز بشكل أكبر على كسب دعم الطائفة السنّية في كلّ من البلدين، كما عليه كذلك أن يظهر أنّ حربه لا تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية فحسب، ولكنّها أيضا ستشمل النظام السوري الذي لا يقل دموية عن الجماعات المتشدّدة”.

حدّد بوت، في دراسته، عدة نقاط رئيسية يمكن أن ترسم شكل الإستراتيجية الأقصر لتحقيق ما تنشده واشنطن، وهذه النقاط هي:


◄ تكثيف الغارات الجوية:


يبدو أنّ الحملة الجوية الأميركية على “داعش” تعاني، إلى الآن، من قيود جمّة مقارنة مع نظيرتها التي شنتها واشنطن على حركة طالبان في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

فعندما سقط نظام طالبان في كابول خلال خمسة وسبعين يوما فقط بين السابع من أكتوبر والثالث والعشرين من ديسمبر عام 2001، نفّذت الطائرات الأميركية 6 آلاف و500 ضربة جوية فعّالة أسقطت خلالها 17 ألفا و500 قذيفة على أهداف متعدّدة.

ماكس بوت: كسب دعم السنة خيط الأمل الذي يفيد في إلحاق الهزيمة بـ"داعش"

أمّا في سوريا والعراق فقد حدث العكس؛ فخلالنفس المدة الزمنية (بين الثامن من أغسطس والثالث والعشرين من أكتوبر 2014) نفّذت الطائرات الأميركية 632 ضربة جوية وأسقطت ألفا و600 قذيفة فقط، وهذه الكمية من الذخيرة ليست كافية للقضاء على أيّ تنظيم، خاصّة إذا كان يمتلك تلك الإمكانات العسكرية والمالية التي يتمتع بها “داعش”.


◄ رفع الحظر على إرسال قوات أميركية:


لم يسمح الرئيس الأميركي بإرسال قوات خاصّة أو مراقبين جويّين للعمل مع الجيش السوري الحر أو قوات البيشمركة أو حتّى مع الجيش العراقي أثناء الاشتباك، كما فعل مع حلفاء الولايات المتحدة في شمال أفغانستان من قبل.

وقد أثّر ذلك بالضرورة على فاعلية الضربات الجوية. فغياب العيون الأميركية على الأرض يقلّل من نسبة الضربات “الصحيحة” على المناطق المستهدفة، كما أنّ غياب قوات قتالية يقلل من كفاءة الحلفاء في المعارك. وقد أثبتت الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة، أن وجود قوات أميركية مقاتلة يؤثّر بشكل أكثر فعالية من مجرّد إرسال مستشارين عسكريّين يشرفون على تدريب قوات الحلفاء.


◄ العمل مع الفصائل العراقية والسورية المعتدلة:


لا شكّ أنّ الولايات المتحدة مُطالبة بأنّ تعمل مع الجيش السوري الحر وقوات البيشمركة والقبائل السنّية العراقية وقوات الأمن العراقية الّتي لم تتم السيطرة عليها بعد من قبل فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بدلا من الاكتفاء بسياسة إرسال الأسلحة والمعدات العسكرية إلى كلّ الفصائل الأمنية في العراق.

في هذا السياق، يجب أن تحذّر الإدارة الأميركية من الاستمرار في ضخّ الأسلحة إلى الجهات الرسمية العراقية التي عادة ما ينتهي جزء كبير منها بين أيدي الميليشيات الشيعية، ممّا يُسهم في تقوية الطائفة الشيعية على حساب العشائر السنّية، الّتي تتعرّض للاضطهاد من قبل هذه الميليشيات، وهو ما بات العنوان الأكبر الذي يقوم من خلاله تنظيم “داعش” باستقطاب أكبر عدد ممكن من أبناء السنّة في العراق.

لذلك ينبغي على الولايات المتحدة، وفق دراسة ماكس بوت، أن تقدم المساعدة المباشرة للعشائر السنّية العراقية من خلال بناء قاعدة عسكرية صغيرة للعمليات المتقدّمة في محافظة الأنبار (أكبر المحافظات العراقية)، وبالتوازي مع ذلك رفع درجة المساعدة المقدّمة إلى الجيش الحر على الجبهة السورية، وعدم التوقف عند الخطة التي سيتم بموجبها تدريب 5 آلاف من عناصر المعارضة فحسب.

أميركا مُطالبة بأنّ تعمل مع الجيش السوري الحر وقوات البيشمركة والقبائل السنّية العراقية وقوات الأمن العراقية


◄ جرّ تركيا إلى الحرب:


يرى بوت أيضا أنّ عبور الجيش التركي للحدود مع سوريا من الممكن أن يكون كافيا لإجبار “داعش” على التراجع مسافة تسمح بإقامة منطقة عازلة على الجانب السوري.

لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مازال يصر على عدم التدخل مباشرة في الصراع من دون الحصول أولا على وعد أميركي يضمن الإطاحة بنظام الأسد، الذي يراه المصدر الرئيس لحالة الفوضى التي تعمّ المنطقة بالدرجة الأولى. لذلك يقترح الباحث الأميركي أن تغضّ الولايات المتحدة الطرف عن النتائج المترتبة على هذه الخطوة النوعية وأن توافق على شروط أنقرة القاضية بإنشاء منطقة حظر طيران على الحدود مع سوريا واستهداف قوات الرئيس السوري وإسقاط نظامه، ومن ثمة، حسب الدراسة، تصبح محاربة “داعش” (من خلال تدخل الجيش التركي) مهمّة أسهل من ذي قبل.


◄ حشد القبائل السنّية:


طالما بقيت بعض العشائر السنّية متمسكة بدعمها لـ”داعش”، أو على أقل تقدير امتنعت عن مواجهة التنظيم (نتيجة للسياسات الطائفية التي يرتكبها نظاما الحكم في كلّ من سوريا والعراق) ستكون هزيمة التنظيم المتشدد مستحيلة.

لكن إذا تمكنت الولايات المتحدة من تأليب تلك العشائر على التنظيم بالتوازي مع دعمها لوجيستيا وعسكريا، ستظهر حينها خيط من الأمل الذي يفيد بإمكانية إلحاق الهزيمة بـ”داعش”. على الجانب الآخر فإن إدخال العشائر السنّية بثقلها إلى المعركة، خاصّة في العراق، لن يكون بالأمر السهل.

غياب العيون الأميركية على الأرض يقلل من نسبة الضربات "الصحيحة" على المناطق المستهدفة

فالسنّة يشعرون بشكل أو بآخر أنّ واشنطن تخلّت عنهم بعد الغزو الأميركي عام 2003، ثم الانسحاب الذي بدأ عام 2011، وتركتهم تحت الهيمنة الشيعية المتطرّفة في بغداد. وحسب بوت، فقد كان استبدال رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بحيدر العبادي خطوة إيجابية نحو كسب ولاء السنّة، لكنّ العبادي مازال سياسيا شيعيا ينتمي إلى حزب الدعوة الإسلامي (نفس الحزب الذي ينتمي إليه المالكي) وهو ما يبقي الأمور في حالة تعقيد نسبي.

ولذلك ستحتاج واشنطن إلى وقت لكي يتم منح العشائر السنّية تأكيدات بأنّ الأيام القادمة ليست كسابقتها.

من جهة أخرى، يفيد الباحث بأن مخاوف السنّة يمكن تهدئتها من خلال قيام الولايات المتحدة برسم استراتيجية جديدة تقوم على إدخالهم وتشريكهم في البنية الفيدرالية للعراق، ومنحهم إقليما يتمكّنون من إدارته عن طريق تشكيل حكومة فيدرالية على نفس النهج المتّبع في إقليم كردستان، بالإضافة إلى طرح مشروع إرسال قوات أميركية إلى البلاد على الطاولة، حتى إن لم توافق الحكومة الاتحادية في بغداد، فالقوات الأميركية مازال بإمكانها العمل انطلاقا من الأراضي الكرديّة.


هل تحظى الإستراتيجية بالإجماع؟


يرى دبلوماسيون في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي أنّ إستراتيجية ماكس بوت المقترحة قد تكلّف الولايات المتحدة السقوط في منحدر زلق، والدخول في حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط.

1 مليار دولار تكلفة الضربات الأميركية لمعاقل تنظيم داعش منذ أن انطلقت في 8 أغسطس

وأشاروا إلى أنّ الفكرة تتطلّب تكلفة مادية عالية ستتحمّلها واشنطن وحدها، موضحين أنّ إرسال 10 آلاف جندي إلى الخارج لمدّة عام واحد سيُكلّف أكثر من 10 مليار دولار، ناهيك عن المخاطرة بوقوع خسائر بشرية ثقيلة بين صفوف القوات الأميركية.

غير أنّ ماكس بوت يرى أنّ الإستراتيجية الأميركية الحالية وضعت الولايات المتحدة أيضا في مأزق المخاطرة، إلى جانب أنّ الفرص في نجاحها باتت ضئيلة؛ فإذا نجح تنظيم “داعش” في مقاومة ضربات قوات التحالف الدولي الجوية، فستكون واشنطن قد قدمت الخدمة الأكبر للتنظيم لحشد داعمين جدد بين صفوفه، وستكون النتيجة الطبيعية لذلك ظهور التنظيم في صورة “المخلّص الأوحد للمسلمين السنّة في العالم”، التي يسعى بدوره جاهدا إلى ترسيخها في أذهان أنصاره. بالإضافة إلى كل ذلك، يرى الباحث أنّ الإبقاء على الإستراتيجية الحالية في محاربة تنظيم “داعش” من الممكن أن تتيح له الفرصة بعد ذلك للتمدد إلى لبنان أو الأردن أو المملكة العربية السعودية، ومن ثم “سيحتاج الأمر وقتها إلى تدخل أكبر بكثير من المستوى المالي والعسكري الّذي تقدمه هذه الإستراتيجية التي عرضت أبرز نقاطها”، وفق تعبيره.

7