من أمن العقوبة ساء البناء

لا وجود لمفهومي الاستقالة أو العقوبة في العالم العربي، يظل المسؤول متشبثا بكرسيه حتى يموت أو يطرد شر طردة، لكن ليس قبل أن ينهب ما يغنيه وعائلته لأجيال قادمة.
الثلاثاء 2018/10/23
الأمطار كشفت حجم الفساد

بمناسبة موسم الأمطار، الذي أصبح أنجع آلية لكشف الفساد في دول عربية بعيدا عن الهيئات الرسمية والأرقام الخضراء المجانية، اجتاحت أخبار قديمة بعض الشيء مواقع التواصل الاجتماعي.

تعددت الأخبار عن استقالات وزراء في العالم المتقدّم بسبب انكشاف تلاعب بعضهم ببعض الدولارات من المال العام.

أخبار تبدو غريبة بالنسبة إلى مسؤولين جاثمين على أنفاس المواطنين في رقعة أرضية تسمى العالم العربي، إلا في ما ندر.

كيف لوزير أن يستقيل لأنه نهب قليلا من مال البنية التحتية التي كان خللها سببا في إغراق الشعب في مياه الأمطار.. لا بل يعلل السيد الوزير “إن الأمطار قوة ربي”.

يصح في هذا الوزير ومن هم على شاكلته قول “من أمن العقوبة أساء الأدب والبناء”.

لا يبدو الأمر غريبا، فلا وجود لمفهومي الاستقالة أو العقوبة في العالم العربي، يظل المسؤول متشبثا بكرسيه حتى يموت أو يطرد شر طردة، لكن ليس قبل أن ينهب ما يغنيه وعائلته لأجيال قادمة.

في تونس مثلا بعد ثورة يناير 2011، ظهرت وجوه جديدة لم يسمع بها أحد أبدا. كانت النكتة المتداولة حينها “جثم الطرابلسية، وهي كنية عائلة زوجة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، على قلوبنا عشرين عاما، كانوا جوعى فشبعوا، هل سنتحمل اليوم جوعى آخرين ينهبوننا”.

لا يعني “الجوع” هنا نقصا في الطعام، بل نقص في الجاه والسلطة والمال.

كان التوقع في محله، فمنذ ذلك اليوم والمسؤولون “حشيش وريش”، ليس لأجل مصلحة الشعب بل لأجل مصالحهم الشخصية.

لم تحقق الثورة سوى تدوير لمنظومة الفساد.

فهل تعلمون كيف تعمل منظومة الفساد هذه؟ إنها تتلخص تماما في ذلك الحوار الذي دار بين طفل ووالده حين سأله عن الفساد.

فأجابه والده بأن الأمر صعب عليه محاولا تقريب الموضوع، فقال “أنا أصرف على البيت لذلك فليطلق عليّ اسم الرأسمالية، وأمك تنظم شؤون البيت فهي الحكومة، وأنت تحت تصرفها فأنت الشعب… أما أخوك الصغير فهو أملنا فسنطلق عليه اسم المستقبل”..

لم ينس الوالد الخادمة التي تعيش معهم، فأطلق عليها اسم “القوى الكادحة”.

وأردف “اذهب يا بني وفكر عساك تصل إلى نتيجة…”.

في الليل نهض الطفل من فراشه قلقا وسمع صوت أخيه الصغير يبكي فذهب إليه فوجده قد بل حفاظته..

ذهب ليخبر أمه فوجدها غارقة في نوم عميق، ولم يكن والده بجوارها.. فخرج باحثا عنه، نظر من ثقب باب غرفة الخادمة فوجد والده في حضنها..

في اليوم التالي قال الولد لأبيه، “لقد عرفت معنى الفساد”. وشرح “عندما تلهو الرأسمالية بالقوى الكادحة وتكون الحكومة نائمة في سبات عميق، يصبح الشعب قلقا تائها، ويصبح المستقبل غارقا في القذارة”.

24