من أم الثوار إلى حارسة للعقيد وصولا إلى الكنّ في البيوت

الأحد 2013/11/03
ليبيات تحت المنع.. يفقدن حريتهن الهشة..

في مشهد عام يبدو غنيا بالغضب على السلطة كما حصل في ليبيا جرّأ الخروج ضد النظام ومع علو الهتافات في أغلب الساحات الليبية في فبراير 2011.. لن يلاحظ الكثيرون بداية الانحراف عن خط الثورة التي قامت ضد الظلم.. ظلم يجري توقيعه على نصف مجتمع أشعل في الواقع الثورة..

بدأت القصة بعنف لفظي سرعان ما ترجم إلى تحرش، من الاغتصاب والتهديد به وتوقيع العقوبة على ضحاياه وصولا إلى إزاحة المرأة من المشهد العام واستخدام المنابر المستولى عليها بالكامل من المتشددين الإسلاميين في تأليب الرأي العام عليها باسم الشريعة..

(يا ساعدي يا بنيّة قول لبابا هيّا) ..(قولوا لمعمر وعياله ليبيا فيها رجّالة) على الرغم من أن بداية الانقلاب على السلطة بدأته أمهات ضحايا أبو سليم (أغلبهم من الإسلاميين) وهنّ الأشهر.. اللاتي دأبن على وقفة أسبوعية أمام المحكمة مساندات من قلّة من هذا القطاع العريض الذي يصرخ بهتافه العدائي والتمييزي.. لم يقل أحد أن غياب النساء عن المظاهرات التي اتسمت بالعنف أعطى انطباعا أنهن مجرد ظل في حين أنهن حُرمن من ذلك بسلطة عائلية لا تجد فيها غير كائن ضعيف عن النزول إلى الساحات ما لم تكن مؤمنة كما صار يحدث في ساحة الحرية ببنغازي حينما كانت المعركة السياسية على أشدها ثمة من كان يرفع الأسوار لفصل النساء عن الرجال فيما يشبه الحرملك.. كما عبرت عن ذلك وقتها المحامية والناشطة عبير إمنينة.

أم الثوار، أخت الثوار، الحرائر.. هكذا رضيت الليبيات في أجواء من غبطة بأن يكون لهن ساتر يثرن باسمهِ ويشاركن في الثورة تحت ظله وفي حماه.. ورويدا ذابت الإعلاميات اللاتي شاركن في نقل الأخبار ومواقفهن والناشطات الحقوقيات واعتصاماتهن وضاع ميراثها الشجاع وهي توزع المناشير وتحمل المتفجرات المحلية الصنع (الجلاطينة) مستغلة عدم التشديد في بوابات التفتيش التابعة للقذافي على النساء.. وأخفيت مشاركة بعضهن في المظاهرات في الأيام الثلاثة الأولى.. واقتصرت أكثر القنوات مشاهدة آنذاك وهي الجزيرة على استضافة الناشطين والمحللين والمتحدثين من الذكور.. وركّز إعلام الثورة أيضا آنذاك على تصوير مشهد المرأة الليبية أم الشهيد التي أخذت المساحة الأكبر من الضخّ أيام الثورة بقصد أو بدون قصد..

"أي قانون ساري المفعول ويعارض الشريعة، مثل قانون تحديد عدد الزوجات، سيتم تعطيله.." كان هذا جزء من خطاب التحرير الذي ألقاه رئيس المجلس الانتقالي المؤقت مصطفى عبد الجليل في 23 أكتوبر 2011.. لم يكن خطاب تحرير بل خطاب اهانة وعبودية هكذا عقّبت حنان معلّمة ابتدائي في نهاية العقد الثالث متزوجة.. وأضافت: لم يحترمنا وسرق سعادتنا.. كنت مع أختيَّ نتابع عبد الجليل والفرح في عيوننا.. فسلّمنا كسبايا للثوار.. حينما نظرنا إلى بعضنا كان الوجوم لبس وجوهنا بديلا عن الغبطة..

لسنا النساء فقط من صدمن بالخطاب.. بل عبّر رجال كثر عن خيبتهم من هذا الخطاب الذي لم يكن في مستوى انتصار دفع ثمنه الليبيون غاليا كما يقولون.. ونشط المدونون من الجنسين في التهكّم على ضعف المستشار الذي نظر إليه الليبيون كشخصية طيبة ومتوازنة نجحت في قيادة المجلس إلى يوم 23 أكتوبر.. لكن على ما بدا أن قطاعا عريضا فهم استسلام الشيخ ولاعب كرة القدم القديم لضغوط الجماعات الاسلامية التي ظل ينفي تصاعد نفوذها حتى ما بعد هذا التاريخ..

أم الثوار أخت الثوار الحرائر هكذا رضيت الليبيات في أجواء من غبطة بأن يكون لهن ساتر يثرن باسمهِ ويشاركن في الثورة تحت ظله وفي حماه

بعد انتهاء الحرب بدا سريعا أن أول معركة يجب حسمها في ليبيا هو تصفية حساب مع النساء فغير التركيز على فضائح القذافي الجنسية وكتاب الطرائد وانشغال الناس بأخبار الحارسات والراهبات الثوريات.. مرر ابتداءا قرارات منع التحاق النساء بالكليات العسكرية والشرطة كما تبدّل وضع النساء المغتصبات اللاتي استعملن في القتال السياسي ضد القذافي إلى تابو وعار بل وتعرضت الدكتورة سهام سرقيوه التي تولت هذا الملف للكثير من المضايقات والاتهامات حينما أرادت ايجاد دربا لهن في المجتمع.. ولا يزال حتى الآن ملفا يشوبه الغموض وناقصا بسبب اتلاف الأدلة او أنها لم تكن موجودة أصلا.

من جانب آخر ما صدر من دار الافتاء من أمر تعطيل القانون الذي يسمح بزواج الليبيات من الأجانب وفق شروط وذلك لعدم أهلية النساء كما ترى دار الافتاء للاختيار الصحيح ولما يشوب هذه الزيجات من ارتباط بأشخاص من مذاهب أخرى كما يفترض المفتي.. دافعت عن هذا القرار وزيرة الشؤون الاجتماعية كاملة خميس المزيني في حوار لها مع مراسلون نشر في 13 مايو من هذا العام والتي رأت فيه أن حالات الزواج الكثيرة التي حصلت بعد الثورة بين نساء ليبيات ورجال من دول مجاورة هي حالات غير مبررة، تعزوها بالدرجة الأولى لطمع أولئك الرجال بالحصول على حق الإقامة في ليبيا لكن المزيني في الوقت نفسه دافع عن زواج الرجال الليبيين من أجنبيات، "فهذا شرع الله وليس بيدنا منعه".

الحق المفروض قاعدات في البيوت.. هذه جملة بدأت تسمعها الليبيات في الشارع.. بسبب المنابر التي تحرّض على النساء وتشيطنهن.. وآخر فتوى للشيخ سالم جابر في احدى جوامع بنغازي جعلت الاتحاد العام لكرة القدم يوقف مشاركة منتخب السيدات لكرة القدم في أكبر تجمع للاعبات كرة القدم الذي يقام في ألمانيا، حيث قال: "هذا الفريق يتكون من طويلة القامة، وجميلة المظهر والفتيات الصغيرات، وكرة القدم النسائية آخر شيء تحتاجه بلادنا"، وكانت أنصار الشريعة وهي ميليشيا تطالب بتطبيق الشريعة أصدرت في يونيو بيانا قالت فيه أنها "تدين بشدة" كرة القدم النسائية وقالت: "إنه شيء لا يمكن أن نقبل به وهو ينافى الشريعة الإسلامية وندعو النساء المنضمين إلى الفريق إلى التوقف وارتداء الملابس المحتشمة"، ولم تصدر ردود أفعال تذكر من مؤسسات المجتمع المدني أو المرصد لحقوق الانسان فيما يشير إلى تأخر مفاهيم الحقوق والحريات والمدنية في ليبيا التي استخدم فيها هذا الملف أثناء الثورة على القذافي للمساعدة على الاطاحة به.. دون أن ننسى تنامي مفهوم الثيوقراط في إنفاذ قراراتهم في بلاد مرت بتجربة ديمقراطية حديثة أسست لمؤتمر وطني عام أعضاؤه أتى بهم الصندوق.. وتتمثل بشكل رسمي في دار للإفتاء يرأسها الشيخ الصادق الغرياني الذي مرر فتاوى سياسية عدة وأخرى لها صفة الإلزام لوزارات منها التعليم و لمؤسسات مثل المصارف وكانت له فتاوى عدة أيضا أثارت الكثير من التندر على مواقع التواصل الاجتماعي تتعلق بنوع ولون أغطية الرأس للنساء وبنطلونات ما يعرف بال اتش دي ونوع الملابس الداخلية التي بعدما تم مشاركتها نفى موقع الشيخ الرسمي(التناصح) علاقته بهذه الفتوى.. دون أن ننسى فتواه بخصوص وثيقة العنف ضد المرأة حيث وصف بيان دار الافتاء ما تضمنته الوثيقة من مبادئ بأنها ظالمة وهدامة تهدف لنسف الأسرة وتقويض كيانها والدعوة إلى الانحلال الأخلاقي، وبأنها مروق عن الدين ورد سافر لقواطع الشريعة في الكتاب والسنة. نداء حشدت له بضعة نساء وصفتهن الكاتبة وفاء البوعيسي بأنهن " نساء منقبات من حركة قلم، وصفن المدافعات عن الاتفاقية، بأنهن يفتقدن الحياء والعفة، وأنهن منتكسات الفطرة سليلات الانحلال، بل وأنهن لم يقرأن الوثيقة.

21