من أنزل الحوثيين من جبال صعدة وأوصلهم إلى دار الرئاسة اليمنية

الخميس 2015/01/22
الحوثيون يتبعون استراتيجية السيطرة على اليمن ببطء

صنعاء – نجح الحوثيون، منذ أواخر الصيف الماضي، في زيادة قوتهم واتسع نفوذهم، وذلك بدعم من آخرين، من بينهم حسب بعض الخبراء، الرئيس السابق علي عبدالله صالح من جهة ودعم إيران من جهة أخرى. وفرض الحوثيون سيطرتهم على جزء كبير من العاصمة، مؤكدين في البداية أنهم لا يسعون إلى عزل الرئيس اليمني. ولكنهم اتخذوا خطوات أخرى في الأيام القليلة الماضية لبسط نفوذهم. واليوم تقف القوات الحكومية عاجزة في مواجهة هذه الميليشيات القادمة من جبال صعدة، وتوسّعت، في ظرف وجيز، إلى محافظات شمالية وغربية في اليمن، ودخلت قلب العاصمة صنعاء.

الدولة اليمنية على مشارف صراع طويل سيتسبّب فيه الحوثيون الذين يصرّون على التقدّم ليصبحوا الحلقة الأقوى على الساحة اليمنية، مهدّدين العملية السياسية ومستغلين الوضع الأمني الهشّ في اليمن والحراك الانفصالي المتشدّد في الجنوب. وفي تصعيد خطير، سيطر مقاتلو الحوثي، قبل يومين، على مقر إقامة رئيس الدولة، بصنعاء، في عملية وصفت بانقلاب يهدف إلى إغراق البلاد في الفوضى وجر الدولة اليمنية إلى صراع طويل. وتوقّع فارع المسلمي، وهو باحث زائر بمركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن يؤدي استيلاء الحوثيين على دار الرئاسة إلى مزيد من العنف، مشيرا إلى أن “استراتيجية الحوثيين تقوم على السيطرة على اليمن ببطء، صدمة ثم توقف، ثم صدمة ثم توقف”.

وقال الخبراء إن تأييد حزب “المؤتمر الشعبي العام”، الذي يتزعمه الرئيس اليمني السابق، علي عبدالله صالح، للنقاط الأربع التي وردت في خطاب عبدالملك الحوثي، زعيم جماعة “أنصار الله” عقب العملية الأخيرة في صنعاء تؤكد فرضية التقارب بين الطرفين، وأن لرجال صالح دور في وصول مقاتلي الحوثي المسلّحين إلى درا الرئاسة.

و مشاركتهم في الحوار الوطني، الذي أعقب انتقال السلطة في 2012، زادت الشبهات حول سعي الحوثيين إلى فرض سيطرتهم على شمال اليمن استباقا لتحويل البلاد إلى دولة اتحادية.


الحوثيون من صعدة إلى صنعاء


الحوثيون هم مجموعة مسلحة وظاهرة تتداخل فيها عوامل طائفية وقبلية وسياسية وتاريخية. بدأوا في 2014 حملة توسعية في اليمن، قادمين من جبال صعدة، وضعوا أيديهم خلالها على معظم معاقل النفوذ للقوى التقليدية في شمال اليمن، لاسيما آل الأحمر زعماء قبائل حاشد. وسيطروا على صنعاء في 21 سبتمبر مستفيدين من عدم مقاومة الجيش لهم ومن تحالف ضمني أو التقاء مصالح، في أقل تقدير، مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح.

علي أكبر ولايتي: إيران تأمل بأن يؤدي أنصار الله في اليمن دورا مماثلا لدور حزب الله في لبنان

ينتمي الحوثيون إلى المذهب الزيدي الشيعي، الذي ينتشر في اليمن، والقريب فقهيا من السنة. لكن، على خلاف بقية الجماعات الزيدية، يقترب الحوثيون عقائديا من المذهب الشيعي الإثني عشري، الذي ينتشر في إيران.

والزيدية تاريخيا اسم يطلق على عشرين مذهبا لم يبق منها سوى أربعة مذاهب وهي الهادوية والسالمية والجارودية والصالحية، لكن المذهب السائد في شمال اليمن هو الهادوية.

ومن غير المعروف لأي مذهب ينتمي الحوثيون لكن قيادتهم تدّعي انتماءهم للمذهب الجارودي، وهو مذهب شيعي متطرف ومستقل عن الزيدية وقد انقرض في اليمن.

ويحاول قادة الحوثيين نشر هذا المذهب تحت مسمّى الزيدية وفرضه بالقوة. ويرى قادة الحوثيين أن الزيود (الزيدية القبلية) أصبحوا سنّة وخرجوا عن المذهب الزيدي ويقومون بتكفيرهم. وتاريخيا المذاهب الزيدية تكفر المذهب الجارودي الشيعي أيضا ويرون أنه فرقة باطنية منحرفة شيعية وليست من الزيدية.

وتبيّن دراسة لراغب السرجاني بعنوان “قصّة الحوثيين” أن التقارب بين الحوثيين والمذهب الشيعي الإثني عشري يعود إلى تأثر الحوثيين بأطروحات زعيمهم بدر الدين الحوثي، وهو أحد فقهاء المذهب الزيدي المتأثر بدوره بالمذهب الشيعي الإثني عشري.

يقول السرجاني إن القصة بدأت في محافظة صعدة، وبالتحديد، من قرية مران النائية، (على بُعد 240 كم شمال اليمن)، حيث يوجد أكبر تجمّعات الزيدية في اليمن، وفي عام 1986 تم إنشاء “اتحاد الشباب”، وهي هيئة تهدف إلى تدريس المذهب الزيدي لمعتنقيه وكان بدر الدين الحوثي – وهو من كبار علماء الزيدية آنذاك- من ضمن المدرِّسين في هذه الهيئة.

في عام 1990 جاءت الوحدة اليمنية وفُتح المجال أمام التعددية الحزبية، ومن ثمّ تحول “اتحاد الشباب” إلى “حزب الحق”، وظهر حسين بدر الدين الحوثي كأحد أبرز القياديين السياسيين فيه، ودخل مجلس النواب في سنة 1993، وكذلك في سنة 1997.

بالتزامن مع هذه الأحداث نشب خلاف كبير بين بدر الدين الحوثي وبين بقية علماء الزيدية حول فتوى تاريخية وافق عليها علماء الزيدية في اليمن، وعلى رأسهم المرجع مجد الدين المؤيدي. وتقضي الفتوى، محل الخلاف، بأن شرط النسب الهاشميّ للإمامة صار غير مقبول، وأن هذا كان لظروف تاريخية، وأن الشعب يمكن له أن يختار من هو جدير لحكمه دون شرط أن يكون من آل البيت.

القادة الحوثيون
◄ بدر الدين الحوثي:

أحد فقهاء المذهب الزيدي المتأثر بالمذهب الشيعي الإثني عشري. اختلف مع علماء الزيدية في اليمن، المتقربين مذهبيا مع السنة الحنابلة، وتبنى المذهب الإثني عشري الإيراني وتأثر بثورة الخميني وسعى إلى تطبيقها في اليمن.

◄ حسين بدر الدين الحوثي:


قائد حركة الحوثيين في النزاع مع الحكومة اليمنية في صعدة، وقتل خلال حرب 2004 بين الحوثيين وحكومة علي عبد الله صالح. استخدم نفوذه كعضو في البرلمان اليمني في تأمين غطائه السياسي واستطاع بثقافته الدينية التأثير في عقول الطلبة الناشئين من أعضاء تنظيم “الشباب المؤمن” في المحافظات الزيدية.

◄ عبد الملك الحوثي:


يذكر القائد الشاب لحركة أنصار الله عبد الملك الحوثي بزعيم حزب الله اللبناني، من حيث الطريقة في التعبير أو في مضمون الخطاب. واستلم عبد الملك الذي لم يحصل على أي دراسة نظامية متقدمة، زمام الأمور في الحركة الحوثية بينما كان في الرابعة والعشرين من عمره بعد مقتل أخيه.

اعترض بدر الدين الحوثي على هذه الفتوى بشدّة، خاصة أنه من فرقة “الجارودية”، وهي إحدى فرق الزيدية التي تتقارب في أفكارها نسبيّا مع الإثني عشرية. وتطوَّر الأمر أكثر مع بدر الدين الحوثي، حيث بدأ يدافع بصراحة عن المذهب الإثني عشري، بل إنه أصدر كتابا بعنوان “الزيدية في اليمن”، يشرح فيه أوجه التقارب بين الزيدية والإثني عشرية؛ ونظرا إلى المقاومة الشديدة لفكره المنحرف عن الزيدية هاجر إلى طهران، حيث عاش هناك عدة سنوات وتأثر بثورة الخميني واعتقد في إمكانية تطبيق النموذج الإيراني على اليمن، الذي عاد إليه بعد أن توسَّط عدد من علماء اليمن عند الرئيس السابق علي عبدالله صالح لإعادته.

على الرغم من ترك بدر الدين الحوثي للساحة اليمنية إلا أن أفكاره الإثني عشرية بدأت في الانتشار، خاصة في منطقة صعدة والمناطق المحيطة. وفي عام 1992 انشقَّ ابنه حسين بدر الدين الحوثي عن “حزب الحق”، وكوَّن جماعة خاصة به، حملت اسم “حركة الشباب المؤمن” وكانت في البداية جماعة ثقافية دينية فكرية ثم تحولت إلى تجمع سياسي يندّد بـ”التهميش” الذي يعاني منه سكان شمال غرب اليمن، معقل الزيديين الذي يشكلون نسبة ثلث السكان في اليمن تقريبا.

واستخدم حسين الحوثي، الذي قتلته القوات اليمنية في 2004، نفوذه كعضو في البرلمان اليمني في تأمين غطائه السياسي واستطاع بثقافته الدينية التأثير في عقول الطلبة الناشئين من أعضاء تنظيم “الشباب المؤمن” في المحافظات الزيدية التي كانت تشكو من التهميش والفقر مثل (صعدة وعمران وذمار وحجة).

وتعيد الظاهرة الحوثية أشباح ماضي الإمامة الزيدية مع تأكيد آل الحوثي انتمائهم إلى آل البيت وانتسابهم إلى إرث أئمة الممالك الزيدية التي حكمت شمال اليمن طوال ألف عام تقريبا.

واستمر حكم الأئمة في شمال اليمن حتى 1962 حين أطاحت بالإمام البدر ثورة تهيمن عليها شخصيات سنية واستمر الصراع في السبعينات بين أنصار الزيدية والجمهوريين السنة.

لكن الزيدي علي عبدالله صالح حكم اليمن اعتبارا من العام 1978 وأقام الوحدة مع دولة اليمن الجنوبي الاشتراكية، ثم أحبط في 1994 محاولة قادها جنوبيون للانفصال مجددا، كما خاض ست حروب مع الحوثيين، لاسيما من خلال حلفائه في تجمع حاشد القبلي وزعمائه آل الأحمر.

ورغم الطابع الطائفي لحركتهم، يقيم الحوثيون شبكة علاقات تتخطى الإطار الزيدي الشيعي، بنسجهم تحالفات مع قبائل زيدية وسنية معادية لتكتل حاشد القبلي النافذ وخصومهم الأبرز آل الأحمر.

وبات الحوثيون يستفيدون اليوم من تحالفات قبلية في مجمل شمال غرب اليمن، فهم يواجهون عدائية متزايدة من القبائل السنية في وسط وجنوب البلاد، فضلا عن المواجهات الشرسة التي يخوضونها مع تنظيم القاعدة.

النسخة اليمنية من الربيع العربي نتيجتها عملية انتقالية سياسية غير مستقرة ولم تستكمل وأصبح استمرارها محل شك

وتمكنوا من اغتنام النقمة التاريخية على نفوذ آل الأحمر ضمن حاشد وفي شمال اليمن، مع العلم أن حاشد لطالما اعتبرت الدعامة الأقوى للحكم في صنعاء.

وسيطر الحوثيون في 2014 على معاقل آل الأحمر في محافظة عمران بشمال اليمن. كما استطاعوا أن يحدثوا تغييرا في صورتهم مع مشاركتهم بشكل فعال في الانتفاضة الشعبية ضد نظام صالح في 2011.

خلال حروبهم ضد علي عبدالله صالح، كان الحوثيون الطرف الأضعف سياسيا وعسكريا، واقتصر نشاطهم على محافظة صعدة، ويطرحون مطالب غير محددة دون أن تكون لهم أجندة سياسية واضحة.

وقبل أن يحددوا لأنفسهم اسما، هو “أنصار الله” عام 2012، كانوا يشيرون لأنفسهم بـ”أنصار الحق” و”الحسينيين” و”المجاهدين” و”جند الله”، وكل هذه التسميات تساعد في صعوبة اعتبار الحوثيين منظمة بجهاز قيادة مسيطر ومتماسك.

غير أن انتفاضة عام 2011 ضد الرئيس السابق علي عبدالله صالح غيّرت الحراك السياسي في البلاد، ودفعت الحوثيين إلى المسرح السياسي.

ويعزو الخبراء ذلك إلى ضعف الدولة واستغلال الحوثيين لجهات أخرى، إما تطالب بالانفصال أو تشتكي من إهمال الحكومة وأيضا جهات خارجية.


الانصياع إلى سياسة إيران


تشير دراسة لمجموعة الأزمات الدولية بعنوان “الحوثيون: من صعدة إلى صنعاء” إلى أن ثمة تحوّلا في ميزان القوى في شمال اليمن، منذ مطلع عام 2014، حيث كسب المقاتلون بالحوثيين سلسلة من المعارك، ممّا أدى فعليا إلى إحكام سيطرتهم على محافظة صعدة، على الحدود اليمنية السعودية، والتوسّع جنوبا إلى العاصمة صنعاء.

ويشكّك الخبراء في إمكانية أن ينجح الحوثيون في تحقيق هذا التقدّم بمفردهم، مهما كانت الخبرة التي اكتسبوها خلال حروبهم ضدّ عبدالله صالح.

وبات مؤكّدا أن إيران التي تأثّر بثورتها إمام الحوثيين، بدر الدين الحوثي، تدعم هذه الجماعة التي ستفتح لها المجال أمام تحقيق مخططها في رسم الهلال الشيعي في المنطقة.

واعترف علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، بدعم بلاده لجماعة الحوثي لفرض نفوذهم على مناطق شاسعة من اليمن، في ظل التمويل والتسليح والتدريب والتخطيط العسكري والسياسي.

وتابع في تصريحاته، التي نقلتها وكالة أنباء “إرنا” الإيرانية، أن بلاده تأمل أن يؤدي أنصار الله في اليمن دورا مماثلا لدور حزب الله في لبنان. ويقول المحلل سامي دورليان “منذ سنوات، تقارب الحوثيون مع إيران تنظيميا وأيديولوجيا وسياسيا وإعلاميا وباتوا يؤكدون علنا الآن دعمهم لمشاركة حزب الله في المعارك إلى جانب النظام السوري”.

ويرى معتز سلامة، الخبير في الشأن اليمني بمركز الأهرام للدراسات، أن طهران تريد أن تشهد صنعاء مصير بغداد ودمشق، وأيضا جنوب لبنان، وهي مناطق نجحت إيران في التغلغل فيها. ويؤكد الباحث المصري أن طهران تدعم جماعة الحوثي من أجل فرض واقع سياسي جديد في البلاد، حتى تصبح معادلا رئيسيا في السياسة اليمنية للقيام بالدور المنوط تنفيذه في المنطقة.

تحذر تقارير دولية من أن الوضع في اليمن يحمل بذور انفجار، في ظل وجود مخاطر من انجرار الحكومة الهشّة إلى صراع لا تستطيع تحقيق نصر فيه، خصوصا أن لها جبهة حرب أخرى مفتوحة ضدّ تنظيم القاعدة؛ بالإضافة إلى حربها مع الانفصاليين الجنوبيين الذين يراقبون التطورات في الشمال لمحاولة العودة إلى وضع ما قبل حرب 1994.

واعتبرت شبكة الأنباء الإنسانية أن ما يجري، اليوم، في صنعاء هو الفصل الأخير من قصة تفكك اليمن المستمرة: الحكومة والقبائل المتحالفة معها تقاتل الحوثيين في الشمال منذ أكثر من عقد من الزمان؛ وينشط تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في جنوب اليمن، ممّا يجتذب ضربات منتظمة من قبل طائرات أميركية من دون طيار؛ والحركة الانفصالية الجنوبية تكتسب مزيدا من القوة؛ وفي أعقاب اشتباكات في الشوارع وتلاعب سياسي، أدت النسخة اليمنية من الربيع العربي إلى عملية انتقالية سياسية غير مستقرة لم تُستكمل قط، وأصبح استمرارها الآن محل شك.

7