من "أنياب" إلى "خط دم".. خيبات مصرية متكرّرة

أفلام الرعب العربية تنجح في اقتحام الغيبيات وتفشل في الاستلهام من عالم مصاصي الدماء.
السبت 2020/11/07
"خط دم" فشل من حيث أراد تحقيق نجاح غير مسبوق

اجتمع كلّ من الممثلين المصرية نيللي كريم والتونسي ظافر العابدين في عمل سينمائي جديد مصنّف ضمن أفلام الرعب والإثارة تحت عنوان “خط دم” وهو عن قصة مستوحاة من عالم مصاصي الدماء. فيلم استبشر به عشاق أفلام الرعب كونه يعدّ أول فيلم مصري وعربي يُعالج هذه الثيمة بعيدا عن أفلام الرعب العربية التي تركّزت غالبيتها على حكايات شعبية عن اقتحام الجن والأشباح والأرواح الشريرة عالم الإنسان لتربك حياته وتقضّ استقرارها، لكنه أتى مخيبا للآمال.

انتشرت أفلام الرعب في الغرب بكثرة منذ إطلاق أول فيلم قصير حمل عنوان “قصر الشيطان” للمخرج الفرنسي جورج ميلييه عام 1896، أما في العالم العربي فلم تقدّم السينما سوى عدد قليل من أفلام الرعب، تركّزت غالبيتها على حكايات شعبية عن اقتحام الجن والأرواح الشريرة والأشباح لعالم الإنسان وفق مقاربة سوسيولوجية تنتصر للغيبيات وتنظر إلى هذا العالم الغامض من زاوية واحدة وهي المعارف الخفية ودورها في تكوين الذّهنية العربية الإسلامية المرتهنة لدى بعضهم للسحر والشعوذة والتنجيم، لعلّهم يحقّقون من خلالها شيئا من طموحاتهم الحياتية الآنية، ولو على حساب الآخرين.

من هنا استثمرت السّينما العربية وخاصة منها المصرية هذه الثيمة لتطرح عددا غير قليل من أفلام الرعب التي استمدّت من الخرافة والقصص الشعبية مفرداتها البصرية، فكان فيلم “سفير جهنم” (إنتاج 1945)، أول عمل مصري يتناول القوى الغيبية ومدى قدرتها على التحكم في حيوات البشر وإرباك مصائرهم.

ويستعرض الفيلم، وهو من بطولة يوسف وهبي (مخرج الفيلم ومؤلفه) وفؤاد شفيق وفردوس محمد، قصة أسرة مؤلفة من رجل فقير وزوجته وابنه وابنته، يختارها الشيطان ليثبت مدى سيطرته على البشر.

ثم تتالت الأفلام المصرية والعربية على حد السواء، والتي تناولت الغيبيات بمعالجات سينمائية زاوجت بين الرعب والإثارة، مختصرة هذا الطرح في ثنائية الصراع الأزلي القائم بين الخير والشرّ والرّذيلة والفضيلة والعلم والخرافة.

في المقابل، بدا فيلم “خط دم” الذي عرضته منصة شاهد الرقمية، في الثلاثين من أكتوبر الماضي بالتزامن مع عيد الهالوين، أول فيلم عربي يخوض في عالم مصاصي الدماء، وهو الفيلم الذي منحته منصة “شاهد.في.آي.بي” تصنيفا عمريا، هو (18+)، وكتبت معه عبر حسابها على موقع تويتر “فيلم للكبار فقط وأصحاب القلوب الضعيفة يمتنعون”.

جدل الأسبقية والشبه

"الحارث" رعب مصري عن ثنائية الصراع بين الشيطان والبشر
"الحارث" رعب مصري عن ثنائية الصراع بين الشيطان والبشر

لئن أكّد القائمون على إنتاج فيلم “خط دم” أنه أوّل إنتاجات السينما العربية عن عالم مصّاصي الدماء، فإن بعض النقاد السينمائيين اعتبروه ثاني فيلم عربي عن “الفامباير” بعد فيلم “أنياب”، من إنتاج العام 1981، وهو من إخراج محمد شبل، وبطولة المطرب الشعبي محمد عدوية الذي لعب فيه دور دراكولا إلى جانب كل من علي الحجار وحسين الإمام ومنى جبر.

وتدور أحداثه حول علي ومنى (علي الحجار ومنى جبر) اللذين تتعطّل بهما السيارة في طريق ذهابهما لحضور إحدى الحفلات مع مجموعة من أصدقائهما في ليلة رأس السنة، فيضطرّان للّجوء إلى أحد المنازل المهجورة من أجل استخدام الهاتف للاتصال بالأصدقاء، وإذ بهما يكتشفان أنهما في منزل أحد مصّاصي الدماء، ويقع كل منهما في قبضته وقبضة مساعديه.

ويرى نقاد أن “أنياب” لا يمكن تصنيفه بشكل جدّي ضمن أفلام مصاصي الدماء، وهو المصنّف كفيلم موسيقي استعراضي، وما حضور “الفامباير” في العمل إلاّ كنوع من الاستعراض الفني الفنتازي، ليس أكثر.

الأمر ذاته حصل مع الفيلم المصري الجديد “خط دم” الذي أثار عرضه الأول على منصّة شاهد سخرية كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليتحوّل بدوره من فيلم رعب إلى فيلم كوميدي ذكّر عشاق هذا الصنف من أفلام الإثارة والرعب بفيلم “أنياب” بعد مرور نحو أربعة عقود على عرض الفيلم الأول.

مدة ساعة ونصف الساعة من الزمن كانت كافية لتخرج التعاليق لاذعة مستهجنة العمل ككل وناقدة لبطليه ظافر العابدين ونيللي كريم، حيث تساءل المتابعون “أين الرعب في كل ما تقدّم؟”.

وبعيدا عن التعليقات التي رافقت أداء الفنان التونسي والفنانة المصرية في ثاني تعاون فني بينهما، بعد مسلسل “تحت السيطرة” الذي عالج قضية إدمان المخدرات، فإنّ الأكيد أن الثقافة الشعبية العربية مغايرة ومختلفة تماما عن نظيرتها الغربية التي آمنت فيها حضارة المايا القديمة بالمستذئبين واللعنة التي تحوّل الرجال إلى ذئاب متعطّشة للدماء البشرية مع اكتمال القمر في كل شهر جديد، ومن هناك ربما استوحى الكاتب الأيرلندي برام ستوكر شخصيته الشهيرة “الكونت دراكولا” التي ظهرت عام 1897 لتتحوّل إثر ذلك إلى أشهر شخصية شرّيرة تناولتها السينما العالمية في العشرات من أفلام الرعب.

الملصق الدعائي لـ"خط دم" أثار الجدل للشبه الكبير بينه وبين ملصق الفيلم الكوري "قصة شقيقتين"
الملصق الدعائي لـ"خط دم" أثار الجدل للشبه الكبير بينه وبين ملصق الفيلم الكوري "قصة شقيقتين"

موازاة مع ذلك، لا تحضر هذه الشخصية العدوانية في ثقافتنا العربية التي تستلهم شخصيّاتها المخيفة من الموروث الشعبي المتداول على ألسنة الجدّات والأمّهات، فنتقبّل كعرب بشكل مبطن في لاوعينا الجمعي أفلاما تخوض في عالم الجن والسحر الأسود والشعوذة، ولا نستوعب في المقابل فنانا عربيا من لحم ودم يتلذّذ بشرب دماء القطط والأرانب، ليبدو المشهد هزليا أكثر من كونه مرعبا.

وتدور أحداث فيلم “خط دم” الذي كتبه وأخرجه رامي ياسين في جوّ من الرّعب والغموض حول زوجين هما نادر ولمياء، والدا طفلين توأمين يتعرّض أحدهما لحادث أليم يتركه شبه ميت في غيبوبة طويلة، فترفض الزوجة الواقع ولا تستطيع التعايش معه، وتفكّر صحبة زوجها في خطة غير تقليدية ليعيدا ابنهما إلى الحياة.

وتتلخّص خطة الزوجين في استعمال دم مصاص دماء كي يشفي ابنهما، لكن عندما يستعيد الطفل الوعي تتغيّر تصرفاته وتصبح غريبة ووحشية، حتى أنه يكتسب صفات مصاصي الدماء التي هي أساسا متوفّرة في والده ما قبليا، دون علم زوجته طبعا.

وهنا يكمن الخلل في الحبكة الدرامية التي لم تكن مقنعة بالمرة لدى المشاهد العربي الذي تعوّد على متابعة أفلام مصاصي الدماء الغربية عبر المنصات الرقمية والفضائيات المفتوحة، ليجد نفسه بالضرورة إزاء مقارنات شكلية تخصّ الأداء والإخراج والإضاءة والمونتاج، بل وحتى اللغة التي يتقبّلها من نجم أميركي متشبّع بهذه الثقافة المشابهة له ولخصوصية الحضارية، ولا يتقبّلها من ظافر العابدين الذي لا ندري كيف تحوّل إلى مصاص دماء، وهل ذلك قبل زواجه أو بعده من أم التوأم الطبيعية؟

الثقافة العربية مختلفة تماما عن نظيرتها الغربية التي تؤمن بالمستذئبين واللعنة التي تحوّل الرجال إلى مصاصي دماء

أسئلة ظلت عالقة لم يتمكّن رامي ياسين من الإجابة عنها، وهو الذي قال في تصريح سابق لعرض الفيلم إنه من عشاق قصص مصاصي الدماء، معتبرا أنّ المتعة في الفيلم تمثّلت في التحدّي من أجل خوض هذه التجربة التي أثمرت أول فيلم عربي عن ذلك العالم الخيالي. لكن الحبكة أتت مسقطة على واقعنا العربي بشكل مفتعل.

وهذا الاستلهام المسقط من قصص مصاصي الدماء بدا جليا أيضا في تشابه قصّته مع الفيلم العالمي “مقبرة الحيوانات الأليفة” المقتبس عن رواية الكاتب الأميركي ستيفن كينغ بالعنوان ذاته والتي نشرها في العام 1983، ثم تحوّلت إلى فيلم عام 1989 للمخرج ماري لامبرت، قبل أن يُعاد إنتاجه مرة أخرى في السنة الماضية تحت إشراف المخرج كيفن كولش، ومن بطولة كلّ من جيسون كلارك وجون ليثجو وأليسا بروك ليفين.

والعمل يحكي عن طبيب ينتقل مع أفراد أسرته للسكن في الريف، وهناك يكتشف أنهم قد سكنوا بالقرب من مقبرة للحيوانات الأليفة، وحين يتعرّض قط العائلة لحادث يقرّرون دفنه هناك؛ لكنهم يُفاجأون به وقد عاد إلى الحياة. وما إن تتعرّض ابنة الطبيب هي الأخرى إلى حادث وتموت، حتى يقرّر والدها دفنها في المقبرة نفسها على أمل إعادتها إلى الحياة، حتى ولو كان ذلك سيجعلها أكثر عدوانية، كما هو الحال مع أحد التوأمين في الفيلم المصري.

هذا الشبه أتى أيضا على مستوى الملصق الدعائي للفيلم المصري الذي أثار بدوره الجدل بين عشاق الفن السابع قبل عرضه، حيث ظهر تشابه إلى حدّ كبير بين الغلاف الدعائي لفيلم الرعب الكوري “قصة شقيقتين” وبين الفيلم العربي، إذ يظهر بطلا العمل خلف أبنائهما على “البوستر” الرئيسي في كلا الفيلمين.

أفلام رعب مصرية

"الإنس والجان" أشهر الأفلام المصرية التي تناولت عالم الغيبيات بنجاح
"الإنس والجان" أشهر الأفلام المصرية التي تناولت عالم الغيبيات بنجاح   

في المقابل، وبجرد بسيط لمجموعة من أفلام الرعب المصرية والعربية، يتأكّد لعشاق الفن السابع أن السينما العربية نجحت، ولو بنسب متفاوتة، في اقتحام عالم الغيبيات وتجسيده على الشاشة الكبيرة بتميّز في الحبكة والأداء والإخراج، في حين فشلت للمرة الثانية في الاستلهام من عالم مصاصي الدماء البعيد تماما عن ثقافتنا الشعبية العربية.

وهنا نستحضر الفيلم المصري الأكثر شهرة ونجاحا في هذا المجال، ألا وهو فيلم “الإنس والجان” (إنتاج 1985)، من بطولة عادل إمام ويسرا وعزت العلايلي، وفيه يتطرّق مخرجه محمد راضي وكاتبه محمد عثمان إلى عشق الجن للإنس من خلال قصة الدكتورة فاطمة التي تعود من الولايات المتحدة إلى أحد مراكز الأبحاث في مصر فتقابل جلال، وهو جنّ متنكر بهوية خبير سياحي. يظهر لها في حجرتها ويحذّرها من أن تتزوّج من أسامة وأنه من الجن.

ونتيجة لهذه الأحداث المرعبة والصادمة تدخل فاطمة إحدى المصحات النفسية ثم تهرب منه محاولة الانتحار إلى أن يتم إنقاذها من قبل خطيبها عزت العلايلي بتلاوته لبعض الآيات من القرآن ليختفي الجنيّ نهائيا من حياتهما.

ومن مصر أيضا تحضر أفلام “البيت الملعون” (إنتاج 1987)، و”عاد لينتقم” (1988)، و”كابوس” (1989) و”البارون” (2014) و”نجمة داوود” (2015).

ويحضر فيلم “الحارث” (إنتاج 2020) كأحدث الأعمال المصرية التي تناولت ثنائية الصراع الحاصل بين الشيطان والبشر، وهو من بطولة أحمد الفيشاوي وياسمين رئيس وباسم سمرة، والذي يستعرض قصة زوجين تنقلب حياتهما بعد أن تروى لهما خرافة أثناء شهر العسل عن ليلة يغيب قمرها ويبحث الشيطان فيها عن عروس.

تجارب عربية فارقة

الفيلم التونسي "دشرة".. رعب شيطاني وسحر أسود لاقى الاستحسان
الفيلم التونسي "دشرة".. رعب شيطاني وسحر أسود لاقى الاستحسان

أما على المستوى العربي فنستحضر هنا الفيلم المغربي “قنديشة” (2008)، وهو من بطولة سعيد التغموي وأسعد بوعب وديفيد كارادين، ويخبر عن قصة عائشة قنديشة أكثر شخصيات الجن شهرة في التراث المغربي، شخصية يرى البعض في المغرب أن مجرد النطق باسمها يجرّ اللعنة على ناطقه. والعمل يتناول قصة نايلة جعايدي، محامية دفاع شهيرة وناجحة تحاول حلّ قضية قتل ابنتها فتواجه الجنية قنديشة.

ومن الإمارات يستعرض فيلم “الجنّ” (2013)، وهو من بطولة خالد ليث ورزان جمال وعائشة هارت، قصة زوجين إماراتيين شابين يعودان للسكن في حيهما القديم ليكتشفا أن منزلهما مسكون بأرواح شريرة. ويجسّد الفيلم شخصية الجنية أمّ الدويس الأسطورية التي تستدرج ضحاياها من الرجال بعطورها الفواحة.

وقدّمت السينما اللبنانية في العام 2016 فيلم “مسكون” الذي يتناول عالم الجن والأرواح ويصوّر قصصا واقعية لشخصيات ما زالت على قيد الحياة. هذه الشخصيات حكت عمّا شاهدته من أحداث غريبة ومرعبة. وحاز الفيلم الذي قام ببطولته كل من اللبناني وسام حنا والتونسية ليلى بن خليفة العديد من الجوائز العالمية.

أما آخر الإنتاجات العربية في مجال دراما الرعب، فكان الفيلم التونسي “دشرة” (2018) الذي عرف نجاحا جماهيريا غير مسبوق رافقه تثمين نقدي كبير، وهو من بطولة ياسمين ديماسي وعزيز جبالي وبلال سلاطنية وبحري الرحالي، ويروي قصة ياسمين الطالبة في مجال الصحافة التي تقوم بمعية صديقيها وليد وبلال بالتحقيق في حالة منجية التي لم تُحلّ بعد، وهي امرأة عُثر عليها شبه مذبوحة قبل 20 سنة، لتُعتقل في مستشفى الأمراض العقلية، ويُشتبه في قيامها بممارسة السحر الأسود والشعوذة.

كل هذه الأفلام مجتمعة وغيرها من التجارب السينمائية العربية التي اشتغلت على ثيمة الرعب عالجت في قصصها ثنائية الصراع بين الإنس والجن، أو قضايا السحر الأسود وتأثيره على البشر، بعيدا عن قصص مصاصي الدماء التي تناولها فيلم “خط دم” بشكل بدا جريئا في ظاهره لكنه ساذج في باطنه، فأثار القهقهات عوض أن يُرعب مُشاهديه.

14