من أوكرانيا إلى مالي السماء لم تعد آمنة

الأحد 2014/07/27
تحطمت، الطائرة الماليزية من طراز "بوينغ 777" في 17 من الشهر الحالي

الجزائر- قال مسؤولون فرنسيون إن سوء الاحوال الجوية هو السبب المُرجح لتحطم طائرة الخطوط الجوية الجزائرية في مالي يوم الخميس 24 يوليو، لكن ذلك لا ينفي أن فرضية أن يكون وراء الحادث عمل إرهابي انتقامي من الحرب التي تشنها فرنسا على الإرهاب في أفريقيا.

رغم أن الراجح لحد الآن في سقوط الطائرة الجزائرية، صباح الخميس، في منطقة غاو المالية، هو العامل الطبيعي (عاصفة رملية)، حسب تحليل وزير النقل الجزائري، عمار غول. إلا أن فرضيات العمل الإرهابي تبقى قائمة في ظل جملة من المعطيات، يأتي على رأسها الحيز الجغرافي الذي سقطت فيه الطائرة، الذي يعد أحد قواعد النشاط لعدد من التنظيمات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي.

لم يشأ وزير النقل الجزم بفرضية العامل الطبيعي، ولم ينف الفرضيات الأخرى، مما يعزز أمر العمل الإرهابي، وقد تكون لدى الحكومة الجزائرية بعض المعطيات الأخرى، لا تحسمها إلا نتائج التحقيق. وإضافة إلى موقع الحادث، يأتي استهداف الطائرة التي تؤجرها الخطوط الجوية الجزائرية، وعدد الضحايا المعتبر لفرنسا، ليصب في خانة “الانتقام” المحتمل لمسلحي الساحل من البلدين نتيجة مواقفهما وجهودهما لكسر شوكة الإرهاب في المنطقة.

وتذكر بعض المصادر أن أغلب الضحايا الفرنسيين هم من جنود الجيش الفرنسي وضباطه الذين ينفذون عملية “برخان” لمحاربة الإرهاب في الساحل الأفريقي، وتقوم الجزائر بدعم العملية ماديا ولوجيستيا، وهو ما جعلهما محل تهديدات مستمرة من طرف القاعدة والتنظيمات المنضوية تحت لوائها.

طائرة تابعة لشركة ترانس-آسيا التايوانية تحطمت في 23 يوليو

وباستثناء أحداث 11 سبتمبر/ أيلول في واشنطن، فإن المجال البري ونموذج حرب العصابات بقي مهيمنا على مواجهات القاعدة ضد الجيوش الرسمية، وأي إثباتات لوقوف فصائل مسلحة متمردة وراء الأسبوع المأساوي الذي شهده الطيران المدني، انطلاقا من أوكرانيا إلى غاية مالي ومرورا بتايوان يؤكد انتقالا نوعيا لنشاط الإرهاب في العالم، إذ يكون بصدد نقل تهديداته وأعماله من الأرض إلى السماء، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول حصوله على أسلحة نوعية يمكن أن تستهدف الطيران المدني.

وتؤشر إمكانية استهداف الطائرة الماليزية بصاروخ من الأرض، وكذلك إمكانية تعرض الطائرة الجزائرية لنفس السيناريو، إلى انفلات أمني عابر للقارات، وسيولة عسكرية وتسليحية تنشط خارج المؤسسات الرسمية لإرادة الدول والمجتمع الدولي.

وتشكل المخاوف التي رفعتها الحكومة الجزائرية، من إمكانية تحويل اختفاء بعض الطائرات المدنية في مطار طرابلس الليبية، بعد الأحداث الأخيرة، وكذلك الوفرة اللافتة للسلاح في الصحراء الأفريقية، إيحاء إلى حجم الأخطار الحقيقية التي باتت تهدد الأمن في المنطقة والعالم، أمام إمكانية وقوع الترسانة العسكرية في أيدي التنظيمات المسلحة.

وقال مراقبون في الجزائر إن الظروف التي تمر بها المنطقة، وتوالي الأحداث المأساوية على الطيران المدني، يعزز بشكل كبير فرضية العمل الإرهابي. ولم يستبعد هؤلاء إمكانية استهداف الطائرة في غاو المالية بصاروخ من الأرض، أو تفخيخ الأمتعة بمواد متفجرة، واستدلت على ذلك، بكون غالبية الضحايا الفرنسيين هم عسكريون وضباط، من ضمن عناصر عملية “برخان”. وبأن التحقيق السريع الذي فتح في مطار واغا دوغو، ركز على التأكد من هوية المسافرين.

وصرح، مدير المنظمة الدولية للنقل الجوي، توني تايلر، في بيان له: “بعد الكوارث الثلاث، الكثير بات يطرح الأسئلة حول أمن الطيران”، مما يشير إلى الهواجس التي باتت تؤرق إدارة الطيران العالمي. وأشار تايلر إلى أن “الانشغال الأول لمنظمته سيبقى العمل على تشخيص أسباب الكوارث الثلاث، والبحث في توفير الحلول الممكنة لها".

واصطلحت منظمة الطيران العالمي على الأيام الأخيرة بـ “الأسبوع الأسود”، إذ شهد 17 يوليو الجاري، سقوط الطائرة الماليزية شرق أوكرانيا مخلفة 298 ضحية، بعد استهدافها بصاروخ لا تزال الجهة التي وجهته غير مؤكدة، قبل أن يأتي الدور على طائرة تايوانية تحطمت في إحدى الجزر التايوانية، مخلفة مقتل 48 مسافرا في 23 من يوليو. ويوما بعد ذلك تحطمت طائرة الخطوط الجوية الجزائرية بشمال مالي مخلفة مقتل 116 مسافرا من جنسيات مختلفة.

وحسب مدير عام منظمة الطيران العالمي، فإن السنة الجارية تجاوزت سنة 2013 من حيث عدد الضحايا، التي أحصت مقتل 210 مسافرا، وهو ما دفعه إلى التأكيد على مسؤولية الشركات المصنعة للطائرات في إيجاد الحلول الممكنة للحد من كوارث الطيران.

لقطات مصورة لمكان تحطم الطائرة الجزائرية

وطار زوال الجمعة، وفد خلية الأزمة التي شكلتها الحكومة الجزائرية لمتابعة حادثة سقوط الطائرة، إلى منطقة أغلهوك بمقاطعة غاو، في الشمال الشرقي لدولة مالي، للوقوف عن كثب عن أسباب المأساة. وقاد الوفد وزير النقل عمار غول، رفقة كل من الرئيس المدير العام لشركة الخطوط الجوية الجزائرية، محمد بولطيف، وممثل عن كل من المديرية العامة للجمارك، وشرطة الحدود، ووزارة الداخلية والجماعات المحلية ووزارة الشؤون الخارجية.

وكان وزير النقل، عمار غول، قد كشف صبيحة الجمعة، في ندوة صحفية، عن العثور على إحدى العلب السوداء للطائرة الأسبانية (سويفت آير) المستأجرة من قبل شركة الخطوط الجوية الجزائرية. وأوضح غول، في الندوة التي رافقه فيها كل من وزير الخارجية، رمطان لعمامرة، ووزير الاتصال عبدالحميد قرين، أن ” العلبة سيتم إرسالها إلى منظمة الطيران الدولي".

وأشار المتحدث، الذي رجح فرضية العامل الطبيعي في الكارثة الجوية، أنه لا يستبعد أي فرضية أخرى بما فيها العمل الارهابي، وأنه “سيتم فتح تحقيق لتحديد ظروف وملابسات اختفاء الطائرة”. وأوضح بأن “مهمة التحقيق من اختصاص مالي، بينما ستقوم الجزائر وفرنسا بالمساعدة، طبقا للأعراف الدولية، على اعتبار أن الطائرة سقطت في التراب المالي”. وأضاف أنه “سيتم أيضا اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لنقل جثامين الضحايا “، مشيرا أيضا إلى أن “مكان الحادث تم تحديده على بعد 61 كيلومترا عن قرية غوسي بمالي”، وقال إنه “قام بزيارة رسمية إلى بعض عائلات ضحايا الطائرة المنكوبة".

وأكد وزير الشؤون الخارجية، رمطان لعمامرة، أن “حركة مسلحة بشمال مالي كانت السباقة وهي التي سربت معلومة سقوط الطائرة وتحطمها عن آخرها، وأبلغت عن مكانها بالضبط”، موضحا أن “الجزائر هي من أطلعت كافة الشركاء (مالي، فرنسا، بوركينا فاسو) على معلومة موقع سقوط الطائرة، وهو ما مكّن من تسريع تنقل القوات الفرنسية على عين المكان”، لاسيما من خلال استغلال الجزائر، حسب ما صرح به لعمامرة، لوجود بعض قيادات الفصائل والمسؤولين الماليين، المتواجدين في الجزائر، للمساعدة في البحث عن الطائرة.

4