من أين تحصل مصر على موارد برامج التكافل الاجتماعي

هيكلة دعم الطاقة توفر سيولة نقدية لتمويل حزم الإنفاق على الصحة والتعليم.
الاثنين 2021/03/22
مواكبة مستمرة للفئات المتضررة

لفتت حزم التمويل الضخمة التي ترصدها مصر للمبادرات الاجتماعية وتنشيط الاقتصاد المصري أنظار الكثيرين، وطرحت علامات استفهام حول مصادر تمويل هذه البرامج المليارية المتتابعة، رغم تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي.

القاهرة – تثير مبادرات التكافل الاجتماعي المصرية المتعددة وخطط زيادة مستويات الأجور وحزم التمويل العقاري المدعومة وقروض المشروعات الصغيرة أسئلة عريضة، أهمها من أين توفر الحكومة هذه الأموال في ظل التباطؤ الذي يضرب الاقتصاد بسبب تداعيات وباء كورونا.

وأطلقت القاهرة مبادرة جديدة للتمويل العقاري أخيرا لدعم الفئات المختلفة من محدودي ومتوسطي الدخل بقيمة 6.5 مليار دولار وبفائدة متناقصة نسبتها ثلاثة في المئة لأول مرة وفترات سداد تصل إلى 30 عاما.

وسبق هذه الخطوة بأيام المبادرة التي أطلقها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لتطوير قرى الريف المصري بتكلفة تصل إلى نحو 38 مليار دولار، وتستهدف تحسين الأحوال المعيشية لنحو 58 في المئة من سكان مصر الذين يعيشون في 4584 قرية.

هاني توفيق: إصدار النقود أحد المصادر لمواجهة الفجوة التمويلية
هاني توفيق: إصدار النقود أحد المصادر لمواجهة الفجوة التمويلية

وأسهمت برامج الإصلاح الاقتصادي التي بدأت مصر في تطبيقها منذ أربع سنوات في توفير سيولة نقدية للحكومة، مكنتها من توفير 7.8 مليار دولار من بند واحد فقط بالموازنة، وهو دعم الطاقة، ما عزز قدراتها للتوسع في دعم برامج التكافل الاجتماعي بشكل أكثر رحابة عن السنوات الماضية التي كان يلتهمها دعم الطاقة.

وترصدت الموازنة العامة للدولة العام الحالي نحو 1.2 مليار دولار لتمويل برامج تكافل تتيح مساعدات شهرية لتحسين أحوال نحو 3.4 مليون أسرة من الفئات الأولى بالرعاية.

واستطاعت الحكومة توفير نحو 6 مليارات دولار خلال الأعوام الأربعة الماضية، نتيجة الإصلاحات الاقتصادية التي اتخذتها في مجال هيكلة دعم المواد البترولية والمحروقات، وتراجع حجم دعم المواد البترولية من 7.7 مليار دولار، في موازنة العام 2017- 2018 إلى نحو 1.7 مليار دولار خلال العام المالي الحالي.

ووفرت أيضا نحو 1.8 مليار دولار نتيجة إلغاء دعم الكهرباء والذي وصل لأرقام صفرية بالموازنة الحالية، مقارنة بنحو 1.8 مليار دولار قبل أربعة أعوام. ويصل حجم تمويل المبادرات الرئاسية في قطاعات الصحة والتعليم والتكافل الاجتماعي العام المالي الحالي الذي ينتهي في يونيو المقبل نحو 2.5 مليار دولار.

وقال محمد الأتربي رئيس بنك مصر، إن مبادرات التمويل العقاري لا تكلف موازنة الدول أعباء، ويتم تمويلها من السيولة النقدية المتاحة بالجهاز المصرفي. ويبلغ إجمالي حجم الودائع المتاحة في البنوك، بحسب بيانات آخر تقرير للبنك المصري عن شهر نوفمبر الماضي، حوالي 327.5 مليار دولار.

وأضاف لـ”العرب” أن البنوك توفر حزم التمويل للأفراد وفق شروط المبادرة التي يعلنها البنك المركزي، ويتحمل البنك المركزي بدوره تكلفة فارق سعر الفائدة بين السعر الرسمي المعلن بالبنوك، والسعر وفق التمويل بالمبادرة.

ويصل سعر الفائدة في المبادرة الأخيرة نحو 3 في المئة، بينما يصل سعر الفائدة على القروض المعلن من البنك المركزي نحو 9.25 في المئة، والذي يتحمل وفق الأرقام المعلنة عبئا تمويليا لكل مستفيد من المبادرة بنحو 6.25 في المئة من باب دوره ومسؤوليته تجاه المجتمع.

وتمنح المبادرات التمويلية جرعة تنشيطية للاقتصاد عبر تعزيز قدراته التشغيلية والإنتاجية التي تسهم في زيادة حركة دوران رؤوس الأموال، وارتفاع مستويات الربحية بما يسهم في زيادة الحصيلة الضريبية، وتجني من خلالها موازنة الحكومة عوائد تمكنها من تمويل برامجها الاستثمارية والخدمية وزيادة الإنفاق الاجتماعي.

وتطرق الحكومة بابا جديدا لتمويل برامجها، فيما يكشف البيان المالي للموازنة الحالية عن حزم من القروض الحكومية بنحو 4.2 مليار دولار من المؤسسات الدولية لمواجهة احتياجاتها التمويلية من خلال إصدار سندات في الأسواق الدولية لتغطية هذا الجانب.

وأمعنت الحكومة في الاقتراض الداخلي من البنوك والمؤسسات المالية التي تتمتع بفوائض مالية كبيرة لسد فجوة التمويل، واقترضت نحو 59 مليار دولار على هيئة أذون خزانة وغيرها من الأدوات المالية. ويصل إجمالي حجم الاحتياجات الحكومية التمويلية المختلفة في العام الحالي نحو 63.2 مليار دولار.

محمد الأتربي: التمويل العقاري توفره البنوك والمركزي يتحمل عبء الفائدة
محمد الأتربي: التمويل العقاري توفره البنوك والمركزي يتحمل عبء الفائدة

ويرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق، أن القروض الأجنبية وحدها لا تكفي لتمويل المبادرات التنموية، وخطط زيادة الإنفاق العام تلجأ بالتوازي مع ذلك إلى التوسع في إصدار النقود، ومن مخاطره تفاقم عجز الموازنة العامة الذي لا يتم سداده.

وأوضح لـ”العرب” أن الأمر ينطبق كذلك على الأجور والمرتبات، وبرامج التكافل الاجتماعي التي يتم تمويلها بالتوسع في إصدار النقود، ولا يمكن للدولة التخلي عن مساعدة الموظفين أو الفئات المهمشة، ويجب إطلاق مبادرات للاستثمار والتصنيع والتشغيل والتصدير حتى تُغطّي النفقات واحتياجات المبادرات التنموية.

ويتسبب هذا الاتجاه في رفع معدلات التضخم، لكن هناك مدارس تعزز التنمية وفق معدلات تضخم مستهدفة، فعائدها التنموي يفوق مخاطر التضخم التي يمكن معالجتها بعد الخروج من نفق الأزمة.

وتسعى الحكومة المصرية للتوسع في برامج الدعم والمزايا الاجتماعية للمواطنين أملا في تخفيف الأعباء المعيشية التي فرضها وباء كورونا بسبب تباطؤ النشاط الاقتصادي محليا ودوليا، الأمر الذي فاقم مشكلات البطالة ونال من دخول الأفراد.

ويصل إجمالي تلك الحزم مجتمعة في الموازنة العامة الحالية نحو 21 مليار دولار، ووزنها النسبي لإجمالي الموازنة العامة للدولة حوالي 19 في المئة، أي 4.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 438 مليار دولار.

وأدى هذا الوضع المتشابك إلى زيادة عبء فوائد الدين على الموازنة العامة للدولة بعد أن لامس نحو 33 في المئة من حجمها الإجمالي وسجل إجمالي العبء خلال العام المالي الحالي نحو 36 مليار دولار.

وأكد المحلل الاقتصادي ياسر عمارة، أن مساندة الفئات الأولى بالرعاية ودعمهم، هو دور أساسي للدولة يحتم عليها توفير حزم تمويلية متنوعة بالتوسع في الاقتراض الخارجي أو الحصول على منح توجه لهذه الفئات.

وأشار لـ”العرب” إلى أن لجوء الدولة للتوسع في مبادرات التمويل العقاري أمر منطقي نتيجة الفورة السكانية، والحاجة إلى نحو نصف مليون وحدة سكنية سنويا، في ظل عجز يقدر بنحو 200 ألف وحدة سكنية سنويا.

11