من أين جاءت داعش

الثلاثاء 2014/08/26

على أهميتها، لا يمكن لأسئلة مثل: “من وراء داعش؟ وما هي أهدافه؟” أن تحيط بالإشكالية الداعشية والحفر في عمقها السوسيولوجي. هل لتنظيم الإخوان ضلع وهل للبنية الاجتماعية العربية والتراث المتكئة عليه دخل في ولادة داعش وأخواتها؟ ذلك هو السؤال الغائب المغيب.

انطلاقا من مقاربة اقتصادية وأخرى بسيكولوجية، يذهب الكثير من الدارسين إلى طمأنتنا مؤكدين ألا وجود للإسلاموية، فليس هناك سوى تمظهر عنيف لمشاكل حياتية حقيقية. وهكذا يحولون القضية إلى مجرد مشكلة اجتماعية، يفسرونها على أنها نتيجة فقر وحرمان وغيرها من التفسيرات الماركسية الرثة، ويتنبأ هؤلاء باضمحلالها مع انتهاء الفقر وانسداد الآفاق. ولكن حتى ولو سلمنا بأنها بنت شرعية للألم، فلا يجب أن ننسى أنها ستكون في حالة انتصارها أُمّا لكوارث وأخطار عظمى، ربما تتفوق على كل التوتاليتاريات السابقة في مجال الاستهتار بكرامة الإنسان، إذ ما تفعله عناصر داعش يفوق كل تصور في همجيته.

ولكن مهما اختلفت وجهات النظر فالثابت أن “المرض بالدين” أو الأصولية لا يأتي من مدن الصفيح كما يتوهم البعض، ولا هو ردة فعل على الهزائم المتتالية أمام إسرائيل. ألم تؤسس جماعة الإخوان قبل ميلاد الدولة العبرية ذاتها؟ أما البعض الآخر فيحاول تفسير الهجوم الإسلاموي بما يسمى “زمن العودة إلى الدين” وتلك مقولة متداولة في أوروبا. وإن كان لها معنى في الغرب، فإنها تبدو مضحكة في عالمنا العربي، أليس من الأصح أن نناضل، من أجل “عودة الواقع»، ألسنا في يمّ التفكير الديني غرقى؟

عبر نافذة الجهل والتجهيل ولأهداف سياسية خسيسة، خلقت شروط معنوية وتعبئة نفسية لمحاربة الحس السليم. وهكذا غزت الظلامية الإخوانية كل القطاعات المجتمعية، وتسللت حتى إلى مخدع بعض المؤسسات الرسمية وأصبحت العقل المدبر في كثير من البلدان. إذ عمل الإخوان قرابة قرن على تنشيط أوهام تولدت عنها مثل هذه الكائنات الداعشية التي كانت نائمة في تراث لم يغربل بما فيه الكفاية. وكان الحصاد “شيزوفرينيا” أفقدت المجتمع العربي توازنه وأبعدته عن العصر وبات إلى الماضي يحن يوما بعد يوم، وكاد أن يسلم أمره إلى مغامرين كما حدث في الجزائر مع علي بلحاج والسودان مع حسن الترابي وتونس مع راشد الغنوشي ومصر مع محمد مرسي.

ملأ الإخوان لاوعي الإنسان العربي ووعيه بأفكار تعادي القيم الإنسانية الحديثة، وتعزل العربي المسلم وتبعده عن المسار العقلاني الكوني. لا أحد ينكر أن عبدالناصر تخلص منهم بإرسالهم في بعثات تعليمية إلى بلدان عربية كثيرة عاثوا في مدارسها فسادا بيداغوجيا بتدريسهم لأيديولوجيتهم القاتلة التي نحصد مرارتها اليوم، حيث بات بعض الشباب يفتخرون بحبهم للموت ويمجّدونه محتقرين الحياة التي يحبها الآخرون، ويعتقدون أن الإنسانية تتآمر ضدهم، ويذهب من التحق بالجهاديين إلى اقتراف جرائم وهو يعتقد أنه يدافع عن شرف الأمة وحرمة الدين. أمام هذا الخطر الإسلاموي الداهم يتساءل كثير من العرب: ماذا فعلنا لنصل إلى هذا الوضع؟ والسؤال الأصح هو: هل تركنا سيئة لم نقترفها في خدمة الإسلاموية والتطرف؟ ألم نسلم العقل والمعقول، واكتفينا بالنقل والمنقول؟ ألا نعيش زمن العقلانية الغائبة منذ زمن؟ ألا نستحق أصوليتنا الرثة؟ ألا يهدف الداعشيون إلى تطبيق ما يدعو إليه أغلب الدعاة، وما يجتره أغلب المعلمين، وما يدافع عنه عامة الناس؟ ألا يشن أغلب خطباء المساجد حربا ثقافية ضد العلم والتقدم والحداثة؟

ومن هنا فلئن استطعنا طرد داعش من على أرض العراق وسوريا مؤقتا، فمن الصعوبة طردها من “الرؤوس″. فهي لم تنزل من السماء، ولا هي صنيعة إسرائيل ولا أميركا ولا غيرهما، كما يحلو للمعلقين القول، بل هي من صلب ثقافتنا المعدلة بيد الإخوان. فإلى متى يبقى البعض يخدع نفسه والآخرين باجترار مقولة المؤامرة؟ إلى متى يبقى التفسير السطحي للإسلاموية سائدا على وجه العموم؟ ألم يحن الوقت بعد لمساءلة كياننا الاجتماعي الثقافي برمته ومراجعة مناهجنا الدراسية؟ وإعادة تنظيم سير مساجدنا؟


كاتب جزائري

9