من أين نأتي للإسلاميين بأنظمة استبدادية كي يجدّدوا رصيدهم النضالي

رصيد الإسلاميين تآكل على مستوى القواعد الشعبية جاء نتيجة زيف وعودهم الانتخابية في البلدان التي تمكنوا من اعتلاء سدة الحكم فيها.
الثلاثاء 2020/06/23
انتهى زمن المظلومية

ما لا يعلمه الإسلاميون هو أن المظلومية التاريخية التي اشتغلوا عليها طويلا، هي رصيد قابل للنفاد، ويصعب إنعاشه أو تجديده أو الاقتراض عليه. أصبحوا في حاجة إلى محاكمات واعتقالات ومغالطات جديدة كي يكسبوا بعض التعاطف الشعبي الذي لم يعد ممكنا بعد أن انكشف أمرهم (من أين نأتي لهم بأنظمة قمعية جديدة بعد الانفراج الديمقراطي؟)، ذلك أن وضع\هم أصبح أشبه بقصة الراعي الكذاب.. فمن هبّ لمناصرتهم في الأمس، لم يعد يصدق استغاثاتهم اليوم، ويحملها على محمل الجد.

تآكل رصيد الإسلاميين على مستوى القواعد الشعبية جاء نتيجة زيف وعودهم الانتخابية في البلدان التي تمكنوا من اعتلاء سدة الحكم فيها سابقا كمصر وتونس، أو حتى اليوم، كتركيا الأردوغانية التي تتلهى بالنفخ في كير استنهاض أمجاد العثمانيين الزائفة، وتلهي شعبها عن مشاكل داخلية أهمها خنق الحريات في بلد يقف على صفيح لم يبرد منذ يوليو 2016 على إثر المحاولة الانقلابية وما تلاها من موجة اعتقالات لم تتوقف إلى الآن.

أمام هذه الخسارات الداخلية، يراهن الإسلاميون على ما يمكن تحصيله من دعم دولي غير مباشر، يتمثل في بعض الضغوط من هنا وهناك، باسم حقوق الإنسان أو حتى الاستفادة من توازن المصالح الإقليمية والدولية، ولكن هيهات.. فالأمور لم تعد كما في السابق وسط تنام مجتمعي وحقوقي داخلي، بالإضافة إلى أن شعوب العالمين العربي والإسلامي لم تعد “مغفلة”، وباتت تعلم أن حماية العقيدة الدينية هي آخر اهتمامات الإسلام السياسي.

وعلى ضوء ما تقدم، فإن أي دعم إعلامي واضح وصريح للأحزاب الإسلامية من طرف الغرب الأميركي والأوروبي، هو بمثابة دق المسمار الأخير في نعش الإسلاميين، ذلك أن بوصلة تقييم الشعوب العربية والإسلامية للأحزاب الدينية، هي مدى قربها أو ابتعادها من سياسات المصالح الدولية.

الأنظمة المتسلطة لمّعت صورة هؤلاء من حيث تدري ـ أو لا تدري ـ وذلك بسبب حملات الاعتقال وإقامة المحاكمات

وفي المقابل، لم يعد شعار معاداة أميركا وأوروبا مجديا لدى الإسلاميين كما هو السائد في العقود الثلاثة الماضية، ولن يكون هذا الشعار ضارا ولا نافعا في بورصة البروباغندا السياسية. ولم يعد نظام طهران مثلا، يقنع شعبه بفكرة “أميركا شيطان أكبر” بعد أن علم الإيرانيون أن صفقات مشبوهة تعقد في الخفاء مع ” شياطين كثيرة”.. لا شيطان رجيم ولا ملاك رحيم في لعبة السياسة الدولية.. وهو أمر الشعوب الإسلامية ولم تعد الحيلة تنطلي على أحد.

هذا “الوعي التحصيني” بدأ يبرز بقوة في السنوات الأخيرة، وترك الإسلاميين في “الأوف سايت” كما يقال في لغة كرة القدم، ذلك أن النتيجة يقررها المتفرج على عين الميدان، ودون انتظار صافرة حكم منحاز أو لاعب محتج.

لم تعد ورقة معاداة الغرب الكافر لدى الإسلاميين ذات رصيد شعبي، ولا كذلك ورقة استرضاء النظم الديمقراطية والمنظمات الحقوقية.. لقد صارت الجماهير العريضة – رغم غوغائية بعضها – هي من يقيّم ويتثبت الخيط الأبيض من الأسود بعيدا عن المزايدات السياسية.

لا يختلف اثنان في أن الأحزاب الإسلامية باتت في وضع لا تحسد عليه، سواء كانت في السلطة أو مشاركة فيها أو حتى خارجها، ذلك أن وعيا جديدا بدأ يتشكل خارج التعبئة الجماهيرية والحملات الغوغائية المضللة.

لسان حال المجتمعات التي لم تعد مغلوبة على أمرها في البلدان العربية والإسلامية، أصبح يخاطب الإسلام السياسي بقوله “جرّبناك جرّبناك.. من أعلاك فوق جراحنا ليراك؟”.

الشعوب كشفت الوجه الخفي للإخوان
الشعوب كشفت الوجه الخفي للإخوان

انتهى زمن التعاطف مع جماعات لم تعد لديها حجة الإقناع ولا مبررات التعاطف معها، صار صوت العقل والمنطق أعلى من ذي قبل، وانتهت حقبة التقييم من خلال مقولة “عدو عدوي هو صديقي وصديق عدوي هو عدوي”.

الناس صاروا يقصدون بيوت الصلاة لأجل الصلاة لا أكثر ولا أقل، وقد لا يقصدونها بدافع الحرص على التوقي من فايروسات كثيرة أخرى في عصر كورونا.

“حبل الكذب قصير” كما تقول العامة. الآن وقد قطع الإسلاميون الحبال بمن كانوا يظنونهم أطواق نجدة ونجاة، لم تعد المجتمعات تلدغ من جحر مرتين فها هي موجة تمجيدهم وتقديرهم في تونس عام 2011 قد انحصرت بل اضمحلت إلى أدنى مستوياتها، وفق المثل الشعبي القائل “من يجرّب المجرّب، عقله مخرّب”.

كانت جماعة الإخوان، ومنذ ستينات القرن الماضي، أشبه بالبعبع الذي يمكن له أن يهدد الأنظمة الفاسدة، وتحكى عنهم “الأساطير النضالية” في المنافي والسجون. وكانت الفئات المراهقة والشبابية تتبادل منشوراتهم القادمة من المخابئ وديار المهجر ثم جاء اليوم الذي قدموا فيه إلينا مبجلين على أجنحة الحرية الواعدة كمطمح شعبي في ما سمي بالربيع العربي.. وحلت الكارثة حين أسدى الناس لهم بأصواتهم.

هل هؤلاء هم الذين كنا نقرأ بياناتهم سرا، ونوقع العرائض المطالبة بحقهم في حياة سياسية تليق بالمجتمعات المتقدمة؟

الأنظمة المتسلطة في العالمين العربي والإسلامي كانت قد لمّعت صورة هؤلاء من حيث تدري – أو لا تدري – وذلك بسبب حملات الاعتقال وإقامة المحاكمات، أما الآن، وقد بدأنا نتعايش نسبيا، مع المنظومات الديمقراطية كما هو الحال في تونس، على سبيل المثال – وربما الحصر – فهل علينا أن نأتي للإسلاميين بأنظمة قمعية كي نقوي رصيدهم أم نسكتهم مرة واحدة كما يقول بعض الغاضبين منهم في منطق يفيض ببعض الرعونة ويخلو من بعض الشجاعة؟

12