من أين يجئ الشعر؟

الجمعة 2015/06/19

أين توجد منابع الشعر السرية اللامرئية؟ هناك من يعتقد أنها تكشف عن نفسها في لحظات هروب الشاعر من شخصيته وتعويضها بمعادلات موضوعية حيادية يستلها من التاريخ، والأسطورة، وأشياء الطبيعة، وثمة من يجزم أن مفتاحها موجود في العالم الشخصي للفرد، وإن كان هذا العالم هو في الأغلب من صنع تراكمات التراث وشتى مضامين وأشكال السجل الرمزي المورَث، وهناك من يرى أن الحبل السري للشعر منغرز في التاريخ الوطني والكوني حيث تكون الذات مجرد كوكب صغير يتحرك في مداريهما.

ولكن الأمر الذي لاشك فيه هو أن الشاعر ينغمس في لحظات كتابة قصيدته، ويكون منخرطا بوعي أو دون وعي منه غالبا في سرد قصص تشابك تاريخه الشخصي مع حكايات وطنه وتعقيدات وآلام العالم الذي قذف فيه بلغة مارتن هيدغر.

هناك الوهم كمنبع للشعر باعتباره حاجزا بيننا وبين صدمات ورضَات تجارب الإخفاق التي تكررها خيانات الواقع لنا، وبهذا المعنى فإن الشعر يأتي من جهة الظن وليس من جهة اليقين/ الواقع. في سياق الكشف عن منابع الشعر قال لي مرَة صديقي الراحل الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، في تلك الجلسة التي جمعتني به في بيته بعاصمة داغستان في التسعينات من القرن الماضي: ” إنه يجب على الشاعر أن يدافع عن الضمير، والحب، والصدق وحظوظ العصر، وينبغي بعد ذلك أن يهاجم الشر”.

في هذا السياق اقتطف عبارة رائعة أخرى له ردَدها على مسامعي كثيرا: ” للشاعر ثلاثة معلمين: أولا الطبيعة، لأن أهم شيء هو أن الطبيعة ذكية، فإنها إن لم تمنح الإنسان ذكاءً فإنه سيعيش في قفص الحمق. إن الشاعر يفهم لغة الجبال والأنهار والنجوم، أمّا المعلم الثاني فهو القرون التي مضت أي التاريخ الوطني، وهناك المعلم الثالث المتمثل في قادة الفكر والعباقرة في كل زمان ومكان”.

فالدفاع بالشعر عن حظوظ الضمير يعني توسيع الفضاء الحرية والانتصار للضعفاء. لقد كرَر علينا النقاد القدامى وصفة البيئة الجمعية كمنبع للشعر بما في ذلك مجموع روافدها اللغوية والقيمية والمعرفية التي تساهم في تشكيل هويَتها الكلية، ولكن هناك بيئة أخرى وهي بيئة الذات الفردية وموضوعاتها الداخلية التي لا تتطابق غالبا مع موضوعات البيئة الخارجية.

إذا كانت البيئة الجمعية هذه قابلة أن تدخل في المفهوم وفي إطار مبدأ الواقع فإن ما يميز الذات الفردية هو أنها في صراع دائم مع هذا المبدأ وأنها في اندفاع حيوي للقبض على الرغبة التي لا تدخل مطلقا تحت مظلة المفهوم. أليس منبع الشعر مختفيا في مملكة الرغبة التي تظل دائما مستحيلة وبمنأى عن المفهوم الذي يحدد ماهيتها؟

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15