من أين يستمد باشاغا ثقته بإجراء الانتخابات الرئاسية

باشاغا يأخذ الانتخابات بشكل جدي أكثر من أي طرف بما في ذلك خليفة حفتر الذي لم يبدأ إلى الآن حملة فعلية ويبدو أنه يعول على رصيده من الحرب التي قادها على الإرهاب.
الجمعة 2021/10/15
باشاغا يعرف بعلاقاته القوية بالخارجية الأميركية

لم تفاجئ تصريحات وزير الداخلية الليبي السابق فتحي باشاغا بشأن حتمية إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المتابعين للشأن السياسي الليبي.

فمنذ أن تولت السلطة الليبية الجديدة برئاسة عبدالحميد الدبيبة مهامها بدأ باشاغا التحرك في إطار حملة انتخابية سابقة لأوانها استهلها بجولة أوروبية بدأها من باريس ثم إلى روما وإلى بروكسل ولندن وأمستردام وانتهت ببرلين.

ويعتقد الكثير من الليبيين أن باشاغا هو مرشح الولايات المتحدة للانتخابات إذا تمت. فعدم نجاحه في الوصول إلى رئاسة الحكومة المؤقتة رغم انحياز رئيسة البعثة الأممية الأميركية ستيفاني ويليامز غير المباشر لصالح القائمة التي يرأسها، عزز التكهنات بحتمية إجراء الانتخابات، بما أن انتخابات ملتقى الحوار جاءت بصيغة ترضي القوى الدولية الفاعلة على الأرض: تركيا وروسيا.

صحيح كان هذا قبل ثمانية أشهر من الآن. لكن لم تتغير الأمور كثيرا خلال هذه الفترة فالوضع تقريبا ظل على ما هو عليه فقط تم استبدال اللاعبين غرب البلاد أما الانقسام والخلافات على عائدات النفط فمازالت على حالها.

يدرك باشاغا أن هذا آخر ما يهم الغرب في ليبيا فالملف الحارق بالنسبة إليه هو إخراج المرتزقة الروس والأتراك من البلاد وهو الأمر الذي ماطلت بشأنه السلطة الجديدة التي تبدو وكأنها تفتعل الخلافات مع السلطات شرق البلاد لعرقلة إتمام هذه المهمة تحديدا.

يدرك الدبيبة بدوره خطورة عدم حسم هذا الملف على مستقبله السياسي لهذا حرك لجنة 5+5 الأسبوع الماضي التي قالت إنها توصلت إلى صيغة لسحب المرتزقة من البلاد لكن دون أي تفاصيل واضحة عن كيفية وتوقيت البدء في هذه المهمة.

 دعمت الولايات المتحدة وخمس دول أوروبية الشهر الماضي قانون الانتخابات الصادر عن البرلمان والذي يقول الإسلاميون إنه صدر عن عقيلة صالح بشكل فردي دون تمريره على التصويت كما يقولون إنه جاء مفصلا على مقاس قائد الجيش خليفة حفتر. طمأنت هذه الخطوة الغربية الأطراف الساعية لإجراء الانتخابات في موعدها ومن بينهم باشاغا وأغضبت الإسلاميين الذين أعلنوا عن رفضهم للقانون وقدموا مبادرة عن طريق مجلس الدولة تنص على إجراء الانتخابات التشريعية فقط وتأجيل الرئاسية إلى ما بعد صدور الدستور.

لكن في ظل استمرار الخلافات بين حكومة الدبيبة من جهة والبرلمان والجيش من جهة أخرى عادت المخاوف بشأن عرقلة إجراء الانتخابات إلى الواجهة من جديد. ويرى المتخوفون أن التصريحات الداعمة لإجراء الانتخابات قد تكون مجرد كلام لا يعكس النوايا الحقيقية لتلك الدول.

مؤخرا انتشرت أنباء بوجود مقترح أميركي لإجراء الانتخابات الرئاسية على جولتين حيث تتم الجولة الأولى وفقا للقانون الحالي الصادر عن عقيلة صالح في حين يتم إجراء الجولة الثانية استنادا للدستور أي بعد الاستفتاء عليه.

من غير المعروف ما إذا كانت لمليت مشكلة مع باشاغا لكن الرجل بالتأكيد قد بالغ عندما بسط الوصول إلى السلطة في بلد مثل ليبيا تتقاذفه صراعات دولية بالوكالة، بمجرد استمالة الناخبين

إذا صحت هذه الأنباء فهذا يعني دعما أميركيا غير مباشر لاستمرار السلطة التنفيذية الحالية (المجلس الرئاسي والحكومة) كما يعني أيضا تحسن علاقة الدبيبة بالولايات المتحدة والغرب.

لكن من الواضح أن الدبيبة يتحسب لجميع السيناريوهات من خلال الاهتمام برفع مستوى معيشة الليبيين، ففي صورة ما تم تأجيل الانتخابات وهي فرضية مازالت قائمة في ظل التصعيد المستمر للإسلاميين والخلافات بين البرلمان والحكومة، يكون الدبيبة قد نجح في كسب ثقة الشعب بعدما سحب البرلمان الثقة من حكومته، أما في صورة إجراء الانتخابات يكون جاهزا لمنافسة عدد مهم من المرشحين لكن المنافس الأخطر بالنسبة إليه هو  باشاغا الذي ينحدر من نفس مدينته مصراتة ويحظى بشعبية لا بأس بها غرب ليبيا حيث تتركز الكثافة السكانية.

يعرف باشاغا بعلاقاته القوية بالخارجية الأميركية وكانت للزيارة التي قام بها في نوفمبر 2019 إلى واشنطن ولقائه بالمسؤولين الأميركيين دور في قلب نتائج حرب طرابلس حيث أحسن توظيف ملف الفاغنر لإقناع الأميركيين بمراجعة موقفهم المرتبك من الهجوم الذي شنه حفتر على العاصمة في أبريل من نفس السنة. كشفت تلك الزيارة قوة باشاغا وتأثيره في دوائر صنع القرار الأميركية.

عندما انتشرت الأنباء بشأن تعاقد باشاغا مع شركة علاقات عامة أميركية “للضغط من أجله في الانتخابات القادمة”، شارك السفير البريطاني السابق في ليبيا بيتر مليت الخبر على صفحته وعلق مستهزئا: الناخبون في ليبيا وليسوا في واشنطن.

من غير المعروف ما إذا كانت لمليت مشكلة مع باشاغا لكن الرجل بالتأكيد قد بالغ عندما بسط الوصول إلى السلطة في بلد مثل ليبيا تتقاذفه صراعات دولية بالوكالة، بمجرد استمالة الناخبين. مع ذلك لم يهمل باشاغا هذا الجانب وكثف الاشتغال عليه خلال الفترة الأخيرة مع بدء احتدام التنافس بينه وبين الدبيبة.

بالإضافة إلى استقباله لوفود من مختلف مناطق ليبيا وزيارته بعض المناطق مثل مدينة تاورغاء، افتتح باشاغا “مضافة” يستقبل فيها الشباب للنقاش والحوار معهم في إطار حملة انتخابية سابقة لأوانها.

يأخذ باشاغا الانتخابات بشكل جدي أكثر من أي طرف في المشهد بما في ذلك قائد الجيش حفتر الذي لم يبدأ إلى الآن حملة فعلية ويبدو أنه يعول على رصيده من الحرب التي قادها على الإرهاب متناسيا مخلفات فشل حرب طرابلس على شعبيته وحتى مكانته الدولية والإقليمية.

8