من إسقاط التدقيق الجنائي إلى إسقاط التحقيق العدلي

التسلسل التراجعي الذي شهده التدقيق الجنائي يشهده اليوم التحقيق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت، التي لن ينسى اللبنانيون عامة وسكان العاصمة بيروت خاصة هولها ونتائجها الكارثية التي مازالت ماثلة.
الأربعاء 2020/12/16
القصاص الغائب

لن يألوَ ائتلاف قوى المناهبة المسيطر في لبنان جهدا في سبيل التنصل من كل الجرائم التي تدينه، بعد أن وضعته ثورة السابع عشر من أكتوبر في قفص الاتهام دون أن تستثني أيّا من أطرافه أو قواه.

وهو لم ولن يتعب من استخدام التحريض الطائفي والمذهبي ومن اللجوء إلى استنفار العصبيات الطائفية والمذهبية كلما دعت حاجته أو حاجة أحد أطرافه إلى التحصّن بها، وذلك باعتبارها حصنه الوحيد المتبقي، في حين أن ثورة السابع عشر من أكتوبر قد صدّعت هذا الحصن، وهو يوشك أن ينهار فوق كل من يحتمي به.

ولقد أثبتت الانتخابات الطلابية في عدد من الجامعات اللبنانية، وكذلك انتخابات أساتذة الجامعة اللبنانية مؤخرا هذا الأمر، حين فاز المستقلون بوجه الأحزاب الطائفية مجتمعة.

بعد الانهيار الاقتصادي والمالي واختفاء أموال المودعين اللبنانيين في المصارف، وبعد إعلان الحكومة اللبنانية عجزها عن تسديد استحقاقات دينها العام، وبعد أن اشترط صندوق النقد الدولي والدول المانحة ضرورة إجراء تدقيق مالي في مصرف لبنان، انحنت قوى هذا الائتلاف أمام العاصفة وقبلت بإجراء تدقيق محاسبي وتدقيق تشريحي (جنائي) في معاملات مصرف لبنان.

لكننا شهدنا بداية، وبعد مماطلة استغرقت ثلاثة أشهر، التراجع عن تكليف شركة “كرول” المتخصصة وتكليف شركة “الفاريز آند مارسال” غير المتخصصة التي تخلت عن المهمة قبل أسابيع نتيجة العراقيل التي وضعت أمامها، وتحديدا منعها من الوصول إلى المعلومات الضرورية التي طلبتها لزوم إجراء هذا التدقيق. وهنا نجح ائتلاف القوى المسيطرة في إسقاط التدقيق الجنائي لمنع كشف المستور حمايةً لقوى المناهبة المتواطئة في حكم البلاد.

وما جرى بعد ذلك من رسالة وجهها الرئيس ميشال عون إلى البرلمان، ومن عقد جلسة عامة لمناقشة تلك الرسالة، وكذلك التوصية التي أقرها البرلمان، لم يكن سوى خطوة استدراكية لذر الرماد في العيون وصولا إلى نسيان التدقيق الجنائي وجعله أثرا بعد عين.

التسلسل التراجعي الذي شهده التدقيق الجنائي يشهده اليوم التحقيق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت. الجريمة التي لن ينسى اللبنانيون عامة وسكان العاصمة بيروت خاصة هولها ونتائجها الكارثية التي مازالت ماثلة بعد أربعة أشهر ونصف الشهر من حدوثها، والتي راح ضحيتها أكثر من مئتي قتيل والآلاف من الجرحى وعشرات الآلاف من المشردين و”ترميد” ثلث العاصمة.

فقد رفضت السلطة بناء لرأي حزب الله، وبدءا من رئاسة الجمهورية، مبدأ التحقيق الدولي ثم أحيلت القضية إلى المجلس العدلي باعتبار أن الجرائم الكبرى التي تضرب البلاد يفترض إحالتها إلى هذا المجلس الذي يعتبر أعلى سلطة قضائية في لبنان، والتي لا تقبل أحكامها أي شكل من أشكال الطعن أو الاستئناف أو النقض، ويبدو أن ذلك جاء لتهدئة النفوس لا أكثر، وقد عُيّن القاضي فادي صوان محققا عدليا في القضية.

بدأ القاضي صوان عمله، فاستدعى وأوقف عددا كبيرا من العاملين في المرفأ من عمال وموظفين وصولا إلى مسؤولين في إدارة المرفأ وفي الأجهزة الأمنية المولجة حماية المرفأ، حيث دار الكثير من اللغط حول توقيف بعضهم ممن يحظون بالحماية السياسية.

وكان لا بد للقاضي صوان أن يصل في تحقيقاته إلى استجواب عدد من كبار المسؤولين والمسؤولين السابقين في الدولة اللبنانية، الذين لهم علاقة مباشرة بتلك الأجهزة الأمنية والإدارية، وخصوصا من كانوا على اطلاع بوجود كمية كبيرة من المواد شديدة الانفجار في أحد عنابر المرفأ، العنبر رقم 12. فكان أن استجوب عددا من الوزراء والوزراء السابقين ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بصفة شاهد، ولكنه وبعد أن راسل مجلس النواب بخصوص وجود شبهات حول عدد من هؤلاء ولم يتلق الرد المناسب، قرر الاستماع إلى دياب وعدد من الوزراء السابقين بصفة متهمين من جملة 24 اسما قد يطالهم الاتهام.

هنا، أخذت ردود الأفعال منحى مختلفا. فالذين يدّعون حرصهم على كشف الحقائق، والذين يدّعون حرصهم على استقلالية عمل القضاء، وجدوها فرصة للانقضاض على القاضي صوان وقراراته، فهبّوا جميعا، كلّ من موقعه الطائفي والمذهبي، للتشهير بقرار القاضي واعتباره منافيا للدستور أو تجاوزا لخطوط طائفية حمراء وتعدّيا على “مقام” رئاسة الوزراء باعتبارها المنصب الأول للطائفة السنية!

فرؤساء الحكومات السابقين الذين تولوا منصبهم هذا، منذ وصلت شحنة نترات الأمونيا إلى مرفأ بيروت، بدءا من نجيب ميقاتي وصولا إلى سعد الحريري ثم لم يُقدِموا على أي خطوة تنقذ العاصمة من كارثة محققة، هؤلاء الذين نبذوا حسان دياب منذ تكليفه بتشكيل حكومته ولم يتواصلوا معه يوما، جاؤوا اليوم ليتضامنوا معه ومع “مقام” رئاسة الحكومة باعتباره خطا أحمر!

هذه المواقف لم تكن حكرا على رؤساء الحكومات السابقين، الذين وجدوا في الحصن الطائفي ملاذا آمنا لهم في وجه القضاء العدلي، وهم جميعا متهمون وإن لم يتهموا عدليا بعد، بل كان لحزب الله، راعي الائتلاف الحاكم، بيان صريح وواضح في رفض قرار المحقق العدلي بحق رئيس حكومة تصريف الأعمال، باعتباره غير دستوري.

حزب الله الذي يرفض تسليم سليم عياش، المتهم بتفجير موكب رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، والذي أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بحقه خمسة أحكام بالمؤبد، والذي يصفه حزب الله بأنه أعلى مرتبة من القديسين، يأخذ على المحقق العدلي خرقه للأصول القضائية والقانونية وللمبادئ الدستورية.

وليس مستبعدا أن يكون من أوعز لرئيس الحكومة بعدم زيارة العنبر رقم 12، في الرابع من يوليو الماضي، هو نفسه الذي أوعز له اليوم برفض المثول أمام المحقق العدلي كي لا يفتضح أمره وكي لا نعرف أبدا من جاء بهذه الكميات من نترات الأمونيا إلى مرفأ بيروت، ومن هرّب الكمية الأكبر منها وإلى أين، ومن فجّر ما تبقى منها حين انتفت الحاجة إليها وبات أمرها متداولا.

فهل يتنحى القاضي صوان عن مهمته تحت كل هذه الضغوط، وبالتالي هل يتجه التحقيق العدلي في تفجير المرفأ إلى السقوط؟ وما الذي يمكن أن يترتب على ذلك بين الشعب اللبناني المدمر نفسيا وماديا، وبين من لا يزال يرتكب الجريمة ليغطي بها على الجريمة، ثم يتحصّن بالطائفة والمذهب والمقاومة والممانعة؟

9