من "اجتثاث" التكفير إلى ضرورة التفكير

الثلاثاء 2014/11/25

أظهر السوريون، أفضل ما لديهم في الأشهر الأولى للثورة 2011. كان الحس العفوي بضرورة الخلاص، والانتقال إلى حياة أفضل طاغيا على ممارساتهم. كانوا يريدون وضعا يحققون فيه إنهاء الفقر والفساد واحتكار الثروة والحصول على فرص عمل أفضل، وردم الانقسام المجتمعي الذي خلفته حرب الثمانينات، التي كان لها بعد طائفي، كرروا مرارا وفي كافة المدن السورية: الشعب السوري واحد واحد. عكس هذه الروح الذكية الواعية لخطورة ما يحاك لها، كان النظام وكانت المعارضة.

النظام عَرف أنّ رحيله وشيك، أمّا المعارضة الفاشلة فأعياها معرفة أن رحيل النظام بقوة الثورة الشعبية ممكن، ولأنها فاشلة ولا تثق بالشعب كما النظام تماما، طلبت كل أشكال الدعم الخارجي لإسقاط النظام. الأخير ارتاح لسياسة المعارضة؛ ففي هذا يمكنه إغراق الثورة بالطائفية والجهادية والسلاح ودس فيها آلاف التابعين له. المعارضة ومنذ الأشهر الأولى بدت انقساماتها طاغية على ممارساتها، وسادت لغة التكفير تياراتها، وتشكلت شللا ثقافية ترفد لغة التكفير هذه. كان كل من ينتقد المجلس الوطني عميلا ولا يفهم السياسة، وكان كل من ينتقد هيئة التنسيق عميلا أيضا ولا يفهم السياسة.

فشل المجلس الوطني، وفشلت هيئة التنسيق، وتوقفت الهجمات المنظمة، ولكنها لم تتجاوز عقدة تكفير الآخر، ولم يحصل أي لقاء سياسي لتجاوز ذلك لاحقا، والتشكيلات السياسية اللاحقة أيضا لم تتجاوز عقدة التباعد هذه؛ وكأنّ إحداها في الحكم والثانية معارضة لها. الخلاف ليس أصيلا ويدور بين رؤية ليبرالية ورؤية ديمقراطية للحل، ويمكن إيجاد المشتركات بينها كحال تونس أو مصر، ولكن الأمر في سوريا لم يتحقق.

سبب هذه الظاهرة، يعود إلى فقدان البعد الديمقراطي في العقل السياسي السوري، فهو لم يعش تجربة ديمقراطية في حياته، حيث حطم النظام طيلة أربعة عقود كل شكل للحياة السياسية، ومنع كل أشكال التعبير والحريات العامة. وهناك نوعية الفكر السياسي الذي تتبناه تيارات المعارضة، والذي في أغلبيته الساحقة لا يقدر أهمية الآخر وثقافة المشاركة ويجهل منظومة حقوق الإنسان كمبادئ وكممارسات؛ فيأخذ منها السياسي ويتجاهل منظوماتها الأخرى، وحتى السياسي يتحول إلى مجرد كلام جميل تنقضه الممارسة؛ حيث تسود لغة التقاتل والاجتثاث للآخر في النصوص المنشورة أو على صفحات الفيسبوك، وفي الهيئات الثقافية والسياسية.

الغوص في لجة التكفير أفقد المعارضة الصلة بالشعب تدريجيا وهي لم تستطع تأمين حاجاته، ومعظمها أصبح تابعا لدول خارجية، وبالتالي ترك الشعب أعزل في مواجهة سياسات النظام؛ الذي دُعم بحلف دولي راغب في مقارعة الأميركان عالميا وفي سوريا وفي المنطقة، لتتحول سوريا وبتتالي سنوات الثورة إلى ساحة لكل أشكال التدخل الإقليمي والدولي.

قوة الثورة ورغم رداءة المعارضة وتشوهاتها، كان يخشاها النظام، فكان لابد من إغراقها في المشكلات، فسمح للجهاديين بالخروج من السجون السورية والعراقية، وسرعان ما استقطبت بدورها الجهاديين في العالم؛ المعارضة وتحديدا المتواجدة في الخارج، صمتت عن الجهاديين بداية وكانت الحجة: أن النظام يستقدم قوى طائفية، فلماذا لا يأتي من يساند السوريين؟

هذه السذاجة السياسية كانت تقول: جبهة النصرة جزء من الثورة، هنا أصبح التكفير عقائديا ولم يعد سياسيا وضعيا، وجاء الدعم الإقليمي مشروطا باستعمال اللغة الطائفية التكفيرية للنظام ووصمه بالنصيري والعلوي، وتمييز نفسها بالسنة.

لم تنتبه المعارضة لخطورة ما يحدث، بل تواطأت في ذلك، وكان أكثر من تواطأ وخطط هم الإخوان المسلمون، وهم جماعة طائفية وأصولية.

المعارضة فشلت في إيقاف التكفير بين تياراتها؛ وأصبحت سوريا نهبا للتقاسم وليس التدخل الإقليمي والدولي فقط. هذا التكفير أوصل الثورة إلى أن تصبح في ميلها العام إسلامية وخارجية، وهذا ما قاله النظام منذ الأيام الأولى للثورة، إنها مؤامرة إخوانية وإسلامية وامبريالية ومدعومة من الخارج.

التأمل في تطورات الثورة يستدعي إيقاف التكفير الذي كان سببا في هذه المآلات؛ فالسوريون أصبحوا خارج الفعل السياسي البسيط؛ وهذا يتطلب من قوى سياسية وثقافية وفنية وعسكرية صياغة رؤية تنطلق من تفكير يوقف التكفير ويقدم برامجا لخوض صراع سياسي مع النظام ومع العالم.


كاتب سوري

9