من الأدب النسائي إلى كتابة الأنوثة

الأحد 2016/03/27
سيمون دوبوفوار: الكتابة النسوية الجديدة

لم يكن طريق المرأة إلى الكتابة سالكا، فقد ظل الأدب حتى مطلع القرن الماضي حكرا على الرجال وحدهم. والأصوات النسائية القليلة التي هتكت حجاب الصمت قوبلت بما يقابل به الخارج عن الصفّ، حيث كان الرأي حولها متعاليا، منكرا عليها امتلاك تلك الموهبة.

حصل ذلك حتى في عهد الأنوار، فهذا روسو يصرّح أن “المرأة تدرك كل شيء ولا تحتفظ بأيّ شيء”، وديدرو يرى أن “العدد القليل من النساء النابغات شاذّ وليس قاعدة”، فيما يجزم فولتير أنه “توجد عالمات مثلما وجدت من قبل محاربات، ولكن لم توجد قطّ مبدعات”.

والحقيقة أن قلةَ من جرّب الكتابة من النساء لا تفسّر بقصور خَلقي، وإنما بطبيعة الأوضاع التي كانت تعيشها المرأة في المجتمعات الغربية. تقول فرجينيا وولف “كان ينقص الموهوبات منهن لتأكيد نبوغهن مورد للعيش وفسحة من الوقت وغرفة خاصة”.
والدليل أن بعض النساء اللاتي توافرت لديهن تلك العناصر أبدعن أعمالا لافتة، مثل مدام دو لافاييت ومدام دو ستائيل ومدام دو سوفينييه. وفي رأينا أن مردّ تلك الآراء يعود بالأساس إلى النظرة الباتريركية التي ترى في ولوج المرأة عالم الكتابة عامل هدم وتخريب، وفي الأقل خروجا عن الوضع الذي رسم لها، واقتحام مجال حظر عليها بغير مرسوم.
فالثورة الفرنسية التي نادت بقيم الحرية والعدالة والمساواة أنكرت على النساء حقهن في التعلم، وحسبنا أن نطلع على قانون نابليون الصادر عام 1801 لنتبين مدى الغبن الذي لحق المرأة، فقد حرّم عليها الالتحاق بالمعاهد والكليات إلى جانب حقوق أخرى كرّست تبعيتها للرجل، ولم يتحقق لها بعض انفراج إلا عقب ثورة 1830، أي في عهد الملك لويس فيليب، الذي عدّ عهدا ذهبيا بالنسبة إليهن، رغم أن الرجال ظلوا على موقفهم منهن لا يقرّون لهن بموقع في الأدب إلا إذا كان محصورا في الصالونات الأدبية.

هذا مثلا الفيلسوف بيير جوزيف برودون (1805-1865) أحد المناهضين لدخول المرأة عالم الفن يقول “المرأة فنانة: لذلك عُهد لها بأمور البيت. هل تتصور مثلا أن تقضي وقتها في الرسوم المائية وخلط الألوان؟”. نجد مثل هذه الآراء لدى الجمهوريين والمحافظين على حد سواء. فالفريق الأول يعتبر أن المرأة الكاتبة هي نتاج الملكية وعامل إفساد للفنون والأخلاق، فيما الفريق الثاني يرى فيها عميلة للديمقراطية مخربة للنسيج الاجتماعي. فالمرأة المثقفة أو الفنانة في نظر الفريقين تقف على الدوام بجانب الانحلال والشر حيثما وجد. وهو ما دفع بعض الكاتبات إلى انتحال أسماء ذكور مثل البارونة أمانتين دوبان الشهيرة بجورج صاند (1804-1876) أو الكونتيسة ماري داغو (1805-1876) التي كانت توقع نصوصها باسم دانيال شتيرن.

رغم بروز جيل من الكاتبات المجددات مثل مرغريت يورسنار ونتالي ساروت ومرغريت دوراس، الداعيات إلى الاعتراف بأدب واحد يتجاوز مسألة الجنس، ظل الميز قائما بين الجنسين، بل إن من النقاد من رأى في تميز الكاتبات الجديدات نوعا من الارتقاء إلى مراتب الرجال

تواصلت تلك النظرة المتعالية حتى بعد إقدام عدد غير قليل من النساء خلال القرن التاسع عشر على كسر الحدود ودخول المناطق المحرمة، إذ صُنفت أعمالهن في باب “أدب السيدات” أو ردّت أبوّتها إلى عشيق أو صديق أو ناصح، أي إلى ذكر قادر وحده على صياغة نصوص أدبية. ولما صار ذلك ظاهرةً ترافقت مع اقتحام المرأة سوق الشغل، وتوصل بعضهن إلى العيش بأقلامهن مثل جورج صاند ولويز لابيه، برز مشكل المنافسة، وتساءلت المؤسسة الأدبية في أيّ خانة تصنّف النساء، وهل أن أدبا آخر كان بصدد التشكل، فيما تساءل النسوة عن السبيل التي تضمن لهن موقعا داخل الحركة الأدبية، هل يبدين اختلافهن أم يتجاهلنه مجاراة للتيار؟

ورغم اهتمام بعض النقاد بأدب بعض الكاتبات مثل كوليت أو آنّا دو نواي، ظلت المؤسسة بيد الرجال وحدهم في مجالات النشر والتوزيع ولجان التحكيم والنقد والمقاعد الأكاديمية، وبقيت الكاتبة في أعينهم امرأة قبل كل شيء. حتى مصطلح الأدب النسائي الذي ظهر في مطلع القرن الماضي كان يقصد به التحقير، وعادة ما كان يوصف بأنه “أدب نساء يفكّرن في مقابل أدب الفكر”، أي ذلك الذي يبدعه الرجال. حتى أن بعضهم حدّد الأدب النسائي بأدب النقص والمبالغة. النقص في الخيال والمنطق والموضوعية والفكر الميتافيزيقي والانسجام والبناء الفني. والمبالغة في الاحتفاء بالأنا المنغلقة على حدودها ومشاعرها وانطباعاتها وأحلامها. يقول أندريه بيلّي في نهاية العشرينات “الأدب الحديث هو أدب رجال، أدب بول فاليري وأندريه جيد، وليس للنساء فيه نصيب. لأن أدبهن ضحل، عاجز عن التجديد الجمالي”.

والحقّ أن هدف الكاتبات لم يكن مساءلة المرأة العصرية الموزعة بين العمل والأنوثة، بين الانعتاق والخضوع العاطفي، بقدر ما كان محاولة للكشف عن الأنثى، ككائن أزلي له سماته المميزة، يكتبنه في تطوره وصراعه، في آماله ووعوده، ويساعدن في تشكله وبنائه. فالجديد الذي أردن إضافته إلى الأدب هو الوجه الآخر من معيشهن الحميم. شيء ديونيسي عن الاحتفاء بالحياة بشتى الحواسّ، وإقامة علاقة مغايرة مع أشياء المعيش اليومي وتراجيديته. والغاية التي يرُمنها هي أن يقع الاعتراف بهن ضمن منظومة أدبية لا تفرّق بين المبدعين بحسب الجنس. غير أن بعضهن لم يتورعن عن إعلان حقهن في الاختلاف، وبادرن منذ عام 1904 ببعث جائزة خاصة بالأدب النسائي هي جائزة فيمينا، كانت بمثابة محاولة لوضع القيم الذكورية موضع مساءلة، ما جعل الرجال ينقسمون في مواجهة صعود المرأة على ذلك النحو بين داعٍ إلى إعادتها إلى مكانها، ومنادٍ بتحديد مجال لا تتعداه. وعادت الأحكام المعيارية التي تقول بدونية المرأة ونقص عقلها وقلة حيلتها في التمرد على تكوينها الفيزيولوجي، وهو ما عبر عنه جان لارناك بقوله “ليس المجتمع هو الذي جعل المرأة على تلك الصورة”.

ناتالي ساروت: الرواية ما بعد النسوية

بقي الوضع متأرجحا بين الانصياع لإرادة المؤسسة الذكورية والرغبة في التمرد والانعتاق، حتى برزت عام 1949 سيمون دو بوفوار بكتابها “الجنس الثاني” الذي رسم للكاتبات سبل الحرية والخلق، حيث دعت إلى الكشف عن الحقيقة كاملة، وليست حقيقة المرأة وحدها، والاحتجاج على الوضع البشري برمّته وليس وضع المرأة فقط، لإعادة صياغة العالم. ولا يكون ذلك في نظرها إلا بالتخلص من “المرأة التي صرنا” كما تقول، أي نرجسية، وجلة، مخدوعة، منكفئة على نفسها. وحرضت النساء على تجاوز الخصوصية الأزلية التي تحشرهن فيها أنوثتهن، مؤكدة أن “المرأة لا تولد امرأة، بل تغدو كذلك”. لقد أعلنت في كتابها ذاك نهاية عهد الدونية الخَلقية الوراثية، ولكن هل ينبغي، للخروج من تلك الدونية ومطاولة حرية المبدع المبتكر، أن تكفّ المرأة عن أن تكون امرأة؟

لقد عُدّ كتاب دو بوفوار عملا هاما برغم النقد الشديد الذي خصت به بنات جنسها، فقد لاحظت في خاتمته أن إبداعهن رديء كيفما قلّبناه، لأن النساء في نظرها لا يقاربن العالم في وجهه الكوني، بل وفق رؤية مخصوصة، وأنهن في معظمهن ممتثلات للسائد، وأن القلة ممن أعلنّ تمردهن، مثل جين أوستين والأختين برونتي وجورج إليوت، بذلن جهودا جبارة للتخلص من المحبطات الخارجية بشكل جعلهن يبلغن النقطةَ التي ينطلق منها كبارُ الكتاب منهكاتٍ، لم يبق لهن قوة ليفرحن بانتصارهن ويقطعن حبال المراكب الراسية. ومن ثَمّ لا وجود في رأيها لامرأة بلغت مستوى “المحاكمة” (كافكا) و”موبي ديك” (ملفيل) و”عوليس” (جويس).

ورغم بروز جيل من الكاتبات المجددات مثل مرغريت يورسنار ونتالي ساروت ومرغريت دوراس، الداعيات إلى الاعتراف بأدب واحد يتجاوز مسألة الجنس، ظل الميز قائما بين الجنسين، بل إن من النقاد من رأى في تميز الكاتبات الجديدات نوعا من الارتقاء إلى مراتب الرجال. ولكن الجدل بدأ منذ عام 1968 يأخذ منعرجا آخر، لا يخص الكاتبات وحدهن، بل النساء جميعا، حيث تعالت الأصوات المطالبة بتحسين وضع المرأة وضمان حقوقها واعتبارها فردا مستقلا حرا بذاته غير تابع أو خاضع. وهو ما لخّصه أحدهم في سخرية “الأدب النسائي في عصرنا بدأ بالمطالبة بحق المرأة في أن تكون رجلا، ثم صار يطالب بحقها في أن تكون امرأة”. فقد عيب على الأدب النسائي بعامة تركيزه على أشكال غير جمالية مثل أدب التراسل واليوميات الحميمة، واعتماده في الغالب على ضمير المتكلم المفرد، ما جعله محصورا في ذاتية تحرص على تصوير الأجواء أكثر من حرصها على تأليف قصة حقيقية، وخلق شخصيات لا تكون مقنعة إلا إذا تعلق الأمر بالعنصر النسائي، وإيثار وصف الحياة الداخلية بأحاسيسها وانفعالاتها على الإطار العام الذي تدور فيه الأحداث، في لغة تروم التعبير عن الوجدان والعواطف بشكل محسوس بدل لغة تجريدية تسمو بالمشاعر، أي أن أدبهن، في نظر أولئك النقاد، يجد مملكته أو منفاه في الطبيعة في شتى معانيها، سواء طبيعة المحيط، أو طبيعة التكوين، أو العفوية والسليقة.

مارغريت دوراس: كتابة خفايا الذات

ولما تفجرت أحداث مايو 1968 التي دعا رموزها إلى التحرر من كل قيد، و”منع المنع”، برزت في خضم الحركات النسوية قوى جديدة انبثقت في نوع من الافتتان باكتشاف أو ولادة، تمثلت في ما صار يعرف بـ”كتابة الأنوثة”. كتابة غادرت فيها المرأة موقع الدفاع عن النفس، لتبدع وتنظّر وتعبّر عن اختلافها بالأسلوب الذي تراه.

كتابة تقف ضدّ اللوغوس، وضدّ الخطاب الذكوري الذي يمسك القانون، ويحدد المعايير، ويكتم رغبة المرأة، ويفرض عليها كلماته “السديدة” العاجزة عن التعبير بصدق عما يعتمل داخلها. كان على النساء، لكي يتحرّرن، أن يكتبن بشكل مغاير، أن يبتكرن لغة أخرى، كتابة جديدة، كتابة ولادة وقطيعة، كتابة تنطق بالمختلف وتحتفي بالجسد المستعاد، وتكون وسيلة من أجل تحول جذري لوضع النساء في مجتمع غيّبَ على مرّ السنين نصفَه الآخر وأوهاه إلى درك وضيع.

وبعد “رومانسية الوجدان” و”رومانسية الحواس”، دخل الأدب النسائي في مرحلة ما بعد مايو 1968 في “أدب الجسد والمتعة” و”رومانسية اللاوعي” و”الكلام السلس”. هي إذن كتابة قطيعة لأن النساء جعلن من المتعة استعارة كتابة ومن الكتابة استعارة متعة. غير أن تلك الكتابة التي أرادت أن تكون عودة إلى “جسد الأم”، لامست عند تحليقها أرض الرجال، أي أرض المعرفة الذكورية، أرض ماركس وفرويد ودو سوسير ولاكان، وفلاسفة الآخر والمختلف من هيغل إلى دريدا، ومنظري الكتابة من مالارميه إلى أرتو وبلانشو، وفلاسفة الرغبة والاقتصاد الشبقي من دولوز إلى ليوتار. وبذلك طرحت مسألة “كتابة الأنوثة” في مفترق الألسنية والتحليل النفسي والعلوم السياسية. وصار مطمح المرأة أن تتحرر من الخطاب الذكوري لتبحث لنفسها عن خطاب آخر، أن تكسر الموانع والحواجز، ولكن دون أن تنغلق في أطر جديدة. والمرور من “الأدب” إلى “الكتابة” لم يكن مجرد موضة، بل أمارة تحوّل عميق، فالدال “كتابة” لدى بارت ودريدا يحيل على سياق إنتاج، أي اشتغال على اللغة في تنوعها واختلافها، وفي ذلك قطع مع مفهوم الأدب كنتاج يمثل شريحة ما أو جنسا ما.

والمعلوم أن مصطلح “كتابة الأنوثة” ظهر أول مرة عام 1975 في كتاب “المولودة الصغرى” للناقدة والروائية هيلين سيكزو التي قدرت أن تشخيص دو بوفوار في “الجنس الثاني” متأثر بتصور معياري للكتابة، لا يرى في كتابات النساء غير أدب مضطهَد، وبالتالي عديمَ القيمة. وأوردت ثلاث نقاط تتميز بها الأنوثة في مجال الكتابة، وهي الصوت الأميل إلى الشفوية، الجسد الذي يعكس ألم ذاتٍ لا تشارك إلا قليلا في المبادلات الرمزية، والقدرة على التفتح على الآخر. ولكن ناقدات أخريات مثل جوليا كريستيفا ولوس إيريغاري لا يشاطرنها الرأي، لأن ربط النساء بالجسد يجعلهن قاصرات عن بلوغ النظام الرمزي، الذي يحدد بكونه مذكرا.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15