من الأكثر مبيعا إلى الأكثر إعجابا

السبت 2014/10/25

تكاد تقترب ظاهرة “اللايك” في الفيسبوك من ظاهرة “البيست سيلر” في الكتب، الجوهر واحد: الرغبة في الانتشار والظهور، والفارق فقط في الفضاء: من العام والاجتماعي في الفيسبوك، إلى الثقافي والأدبي في الكتابة.

أتاح الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي المجال لظهور أسماء كثيرة، على صعيد السياسة والحركات الثورية والعراك الاجتماعي وأحدث “خضّة” على عالم الثبات والبروتوكولات وصعوبات التواصل.

خرجت الكثير من الأسماء من الظل ودخلت في الضوء والشهرة، وصار بإمكان كل شخص في العالم، امتلاك صفحة على الفيسبوك، بعيدا عن عوائق الأمية وتوفر الكهرباء والإنترنت وشروط الرقابة، وصار كل شخص نجما أو مشروع نجم، فيما لو اشتغل على صفحته أو جداره الفيسبوكي. ولكن ماذا قدم الفيسبوك للثقافة والأدب في العالم العربي؟

تحول الفيسبوك إلى سلاح ذي حدين، فقد أتاح الظهور لأسماء كانت مجهولة، وصار لها تواجدها. وبالنسبة للثقافة عموما والأدب خصوصا، فقد أدخل الفيسبوك قرّاء جددا وفتح الباب أمام الكتاب للتعارف على كتّاب آخرين، وصحافيين، ونقاد ومهتمين.. لكنه أيضا فتح شهية البعض -وربما تكون حجم كتلة البعض مذهلة- ليكون معروفا ومنتشرا.

صار هاجس الظهور متساويا لدى الجميع: معروفين من قبل أو مجهولين، كتّاب أو نقاد أو ناشطين أو لاهين أو سيدات بيوت أو طلاب أو عمال أو أنصاف متعلمين..

وبدا السباق على تحصيل “اللايكات” يحرّك الأغلبية لكتابة “البوستات”. فأزيحت الحقيقة، والحالة النقدية. حيث وبنظرة سريعة على صفحات الفيسبوك، لا تحظى المقالات أو “البوستات” التحليلية الموضوعية بالكثير من “اللايكات” أو “التعليقات”، بينما تحصل “البوستات” الذاتية على أعداد ضخمة من هذه “اللايكات” أو التعليقات. وعلى العموم، ودون إطلاق، تحظى بوستات النميمة والثرثرة والسطحية والانفعال بالأكثر إعجابا، بما قد ندعوه بالبيست لايك، قياسا على ظاهرة البيست سيلر، أو الأكثر مبيعا في الكتب.

إلى هنا، يبقى الأمر عاديّا، مجرّد صفحات تواصل بين البشر، ولكن ما هو غير عادي، أن يتحول الكتاب والنقاد ورجال السياسة والدين إلى “متسابقين” مع غيرهم، للظهور وتحصيل اللايكات، وهذا يتم غالبا على حساب الحقيقة والمعرفة واللايك.

كما في “الأكثر مبيعا”، هناك كتب تستحق أن تكون الأكثر مبيعا، ولكنها نادرة، هناك في الفيسبوك، ومواقع التواصل الأخرى، “بوستات” وصفحات رديئة جدا، تحظى بالأكثر إعجابا، وهناك في المقابل، كما في الثقافة وخاصة في الأدب، صفحات و”بوستات” أكثر نضجا، تطرح آراء تستحق النقاش والتحليل والاحترام، لكنها، ككتب مرمية على صفوف المكتبات، تعجّ بالغبار، خالية من اللايكات.

من حق الجميع أن يكتب ويعبر ويتحول إلى نجم، ولكن ليس من حق المثقف أن يدخل في سباق اللايكات، ليكون هدفه فقط إحصاء اللايكات التي تنجّم المثقف “تحوّله إلى نجم”، ويحل “الإعجاب” محل محاولة الاقتراب من المعرفة أو الحقيقة.


كاتبة من سوريا تقيم في باريس

16