"من البادية إلى عالم النفط".. سيرة وزير تختصر تاريخ الخليج والثروة

الثلاثاء 2016/12/13
التجربة تؤرخ للأجيال

بيروت – كان علي بن إبراهيم النعيمي طفلا بدويا يرعى الغنم يطلب الماء والكلأ في صحراء تطارد فيها الذئاب أغنام العشيرة، قبل أن يصبح بعد ستين عاما قادرا على تحريك أسواق العالم بتصريح واحد يصدر عنه، حتى أن آلان جرينسبان، الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) وصفه ذات مرة بأنه “الرجل الأكثر أهمية الذي لم نسمع به قط”.

وجد النعيمي، الوزير السعودي السابق، أن الطريق الذي بدأ موحشا وانتهى بعالم الذهب الأسود يستحق تضمين تفاصيله في كتاب اختار له عنوان “من البادية إلى عالم النفط”، وهو عنوان وسيرة تلخص في الكثير من تفاصيلها، قصة المملكة العربية السعودية وعموم دول الخليج العربي، وكيف شكّل النفط، ومازال، محور التحول الرئيسي فيها.

يحكي النعيمي، في 293 صفحة من الكتاب الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون- 2016، عن تجربة حياة صحراوية قاسية بدأت بالارتحال منذ مولده عام 1935 وتعلم فيها الصبر والكفاح من أجل البقاء. ويقول عن تلك المرحلة “لا تزال بيوت الشعر في مخيلتي تتجاور منتصبة على الرمال. لقد عشنا حياة شبه معزولة عن المدنية والحضارة.. لقد كانت كتبنا هي الشمس الحارقة والقمر المنير والنجوم المتلألئة وكانت مدارسنا مجالس السمر حول النار.. لم نأبه للفقر ولا لشظف العيش.. أصابتنا أمراض كثيرة نتيجة نقص الفيتامينات في طعامنا لكني كنت محظوظا لأني شهدت بداية النهضة وتباشير الازدهار”.

والازدهار المقصود هو النفط الذي أسماه “كنزا تحت أقدامنا”.

ويشرح الكاتب في هذا الفصل تفاصيل المرحلة الأولى من التنقيب عن النفط وعدم ثقة المملكة العربية السعودية بالشركات البريطانية، إذ كان الملك عبدالعزيز آل سعود وزعماء الخليج عموما يرتابون في البريطانيين نظرا لنزعتهم الاستعمارية في المنطقة.

ويصف التنافر بين بريطانيا والمملكة الوليدة، وكيف دفع شك عبدالعزيز في نيات بريطانيا الاستعمارية المملكة إلى حضن الشركات الأميركية. ويقول النعيمي “الأميركيون لم يكونوا بدورهم أقل سوءا من البريطانيين فقد كانوا انتهازيين يهتمون بجني الأموال لكن تلك الميول الانتهازية هي التي شفعت لهم مقارنة بميول البريطانيين الاستعمارية”.

وفي تفاصيل مرحلة التنقيب عن النفط، يروي النعيمي قصة رجلين كانا أسطورة الثلاثينات وهما البدوي خميس بن رمثان والأميركي ماكس ستاينكي اللذان شكلا بوصلة الصحراء والسهم الذي يقود إلى الثروة الهائلة وأبديا ثقة بأن هذه الثروة حبيسة في قاع الأرض.

كان النعيمي عام 1984 أول مواطن سعودي يرأس شركة أرامكو الوطنية السعودية قبل تعيينه في منصب وزير البترول والثروة المعدنية من أغسطس عام 1995 إلى غاية مايو 2016، التاريخ الذي دخلت معه المملكة العربية السعودية فعليا مرحلة التحضير لما بعد النفط.

وجاء إعفاء النعيمي من منصبه، وتعيينه مستشارا للمك سلمان بن عبدالعزيز، في سياق من خطط الحكومة لإصلاحات واسعة المدى تهدف إلى تقوية الاقتصاد السعودي في ظل الأسعار المنخفضة للنفط، التي قلصت من إيرادات الدولة، وتبني سياسة اقتصادية جديدة تقلص الاعتماد المطلق على النفط.

وقاد النعيمي خلال العامين الماضيين، استراتيجية مثيرة للجدل، حيث قامت على الحفاظ على مستويات إنتاج مرتفعة على الرغم من انخفاض أسعار النفط في محاولة للإطاحة بالنفط الأميركي من السوق، إلا أن هذه السياسة قادت في النهاية إلى زيادة العرض.

وتعتزم السعودية، صاحبة أكبر اقتصاد خليجي، تتبع خطة شاملة لإعداد المملكة لعصر ما بعد النفط تشمل الكثير من البرامج التنموية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من البرامج. وإلى جانب الرياض، بدأت الحكومات الخليجية طريقها نحو اتخاذ إصلاحات اقتصادية غير مسبوقة تتضمن تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، ولكن تطبيق مثل تلك الإصلاحات يحتاج إلى الوقت، وجني ثمارها قد يستغرق عدة عقود مثلما احتاجت المجتمعات الخليجية عقودا لتتأقلم مع تغيرات اقتصاد النفط وتطوع عائداته.

6