من البيكيني إلى النقاب

الاثنين 2015/01/12

سيبقى مخ الإنسان مقوده ومحرّكه إلى كل شيء، وسيبقى هذا المخّ تحت طائلة الاختراق والاقتحام والبرمجة كأي جهاز إلكتروني أو كأعقد منه، وربما كأبسط في حالات عدّة، فذلك المخ يمكن أن يكون أداة سيادة وقيادة وريادة لصاحبه كما يمكن أن يكون منطلق عبودية وتبعية، وهذا ما أدركه المتشددون الإسلاميون الذين يمارسون عن وعي أو غير وعي فعلا مفاده أن الدين أفضل مفاتيح البرمجة منذ آلاف السنين، وأن للعقيدة طاقة الهيمنة على العقول وتوجيهها إلى ما يشاء صاحب الأمر.

ومن ينظر في حكاية الفرنسية ذات الأصول الجزائرية حياة بومدين المتورطة في الهجوم على أفراد شرطة في ضاحية مونروج الفرنسية الخميس الماضي يفهم كيف تتم برمجة المخ البشري، فالفتاة التي تمتلك مسحة من الجمال الهادئ تعلقّت بشاب فرنسي من أصول سينغالية منذ كانت مراهقة، اندفعت فوق حاجز العنصرية وارتمت بين أحضان آمدي كوليبالي، وعاشت معه دهشة وشهقة الحب الأولى، وكانت بحسب الصور المنشورة مؤخرا ترتدي البيكيني وتعانق صديقها أمام الكاميرا، وتعاشره في بيت واحد دون زواج.

كانت في تلك الفترة تحت تأثير الاختراق العاطفي الحادّ إلى أن تورط كوليبالي في جريمة سرقة ودخل السجن في عام 2005 ليتعرّض لاختراق من نوع آخر، فقد تعّرف وراء القضبان على الأخوين كواتشي، ووجد نفسه ينقلب على يديهما من لصّ إلى متشدد ديني بعد أن تمّت برمجة عقله على فكر آخر لم يكن يعرفه من قبل.

كان كوليبالي يبدو قويا أمام هشاشة حياة بومدين العاطفية ثم بدا هشّا أمام السيطرة العقائدية التي مارسها عليه الأخوان كواتشي، وما إن خرج من السجن حتى ذهب كوليبالي إلى حبيبته ليعيد معها جسور العاطفة المتأججة ولكي يقنعها بخلع البيكيني وارتداء النقاب، وبترك عملها السابق في أحد المحلات التجارية، وليزرع في عقلها بذرة التشدد الديني التي حملها معه من السجن، ثم ليلحقها بصفوف القاعدة، وليأخذها معه لزيارة جمال بغال “القاعدي” الذي كان خاضعا للإقامة الجبرية في جنوب فرنسا، ثم ليدخلها مرحلة أخرى بتعلّم فنون القتال.

لم يمرّ وقت طويل على كوليبالي الذي دخل السجن في المرة الأولى بسبب السرقة حتى يعود إليه ثانية ولكن بتهمة الإرهاب بعد أن فشل في محاولة تهريب إرهابيين محتجزين، وبعد خروجه من خلف القضبان في عام 2010 تزوّج رسميا من صديقته، واقترب أكثر من الأخوين كواشي، وتمتّنت العلاقة بين زوجته حياة بومدين وزوجة شريف كواشي.

ويوم 7 يناير الجاري هاجم الأخوان كواشي مقر صحيفة شارلي إيبدو بباريس وقتلا فريق تحريرها ورجلي أمن في عملية نوعية، ومن الغد هاجم كوليبالي وزوجته نقطة أمن في مونروج وقتلا شرطية، وفي حين فرّت حياة إلى مكان غير معلوم، اقتحم كوليبالي محلا تجاريا واحتجز عددا من الأسرى فيه قبل أن تنتهي العملية بقتله وسقوط خمس ضحايا آخرين.

يبقى كيف تحوّل اللص إلى إرهابي؟ وكيف انقلب البيكيني إلى نقاب؟ وكيف تحولت الفتاة الوديعة إلى قاتلة؟ الجواب يوجد في ذلك المخ الإنساني حين تتم الهيمنة عليه واقتلاع نباته الأول وزراعة شجر التطرف فيه ليتحول الإنسان إلى أداة تسيّرها فكرة مسيطرة على عقل له قابلية التأثّر.

24