من التحمس لأوروبا إلى الخوف منها

الثلاثاء 2017/02/07
الوجه الآخر لأوروبا

في الساحة الرئيسية لمدينة ماستريخت الهولندية، حيث تختلط رائحة الكعك المقلي مع رائحة الدجاج المطبوخ على الفحم، وحيث تختلط اللغات الأوروبية مع اللكنة المحلية لأهالي عاصمة مقاطعة ليمبورخ الهولندية، الواقعة بين بلجيكا وألمانيا، يبدو السكان المحليون محافظين على أصالتهم، لكنهم في نفس الوقت فخورون بأن مدينتهم هي العاصمة التي شهدت توقيع المعاهدة التي تحولت بموجبها السوق الأوروبية المشتركة من مجرد شراكة تجارية إلى شراكة سياسية واقتصادية توجت فيما بعد بالعملة الأوروبية الموحدة (يورو).

يتذكر سكان ماستريخت هذا التاريخ الذي تمر عليه اليوم الذكرى الـ 25، وهم يؤكدون على وقوفهم في صف الجبهة المؤيدة لاستمرار الاتحاد الأوروبي ودعمه ليكون أكثر تماسكا. وقال السكان إنهم يتحدون من خلال الاحتفالات التي تقيمها المدينة بمناسبة هذه الذكرى “البؤس الأوروبي”، حيث لا تزال هذه الحاضرة، التي يقطنها نحو 120 ألف نسمة، هي مدينة أوروبا في هولندا ولا تزال المدينة فخورة بذلك.

يسر المرشد السياحي كور هامانز، المتخصص في اصطحاب السائحين في جولات داخل هذه المدينة أن يبرزها من ناحية تاريخها في القرون الوسطى وهو التاريخ الذي يظهر جليا في حاراتها ذات الألوان البهيجة.

وإلى جانب اصطحاب السائحين إلى الأبنية التي يسودها طراز البازيليكا الذي يعود للقرون الوسطى وميدان فرايت هوف وسط مدينة ماستريخت يطيب للمرشد السياحي هامانز اصطحاب سائحيه إلى معلم سياحي آخر في المدينة ألا وهو ماكينة صرف آلي في سوق ماستريخت؛ و”هي الآلة التي سحبت منها في الأول من يناير عام 2002 أول ورقة يورو نقدية”، حسبما أوضح المرشد السياحي بفخر. لا يزال عبق البهجة التي سادت الأجواء آنذاك محسوسا في الكثير من أرجاء المدينة.

أحيا ساسة أوروبيون وشهود على العصر بالفعل في ديسمبر الماضي الذكرى الخامسة والعشرين لإبرام معاهدة ماستريخت وحفزوا الأوروبيين على الانطلاق من جديد نحو مستقبل أفضل حيث أشاروا تحت شعار “أوروبا تنادي” إلى جميع الإنجازات التي تحققت منذ تأسيس الاتحاد الأوروبي. وتسعى مدينة ماستريخت من خلال هذا الشعار لإطلاق نقاش إيجابي بشأن الاتحاد الأوروبي ومستقبله.

وبعد قدامى المحاربين أصبحت الكلمة الآن للشباب والناشئة حيث يجتمع اليوم في المدينة أكثر من 5000 تلميذ وطالب جامعي وحرفي من جميع الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي للتناقش بشأن مستقبل أوروبا والاحتفال بمرور 25 عاما على تأسيس الاتحاد.

وقال الطالب موريتس أوسترهوبر “لن يتفكك الاتحاد، ما حدث ليس إلا وقفة من أجل انطلاقة جديدة”. ولكن ما سبب تفاؤل هذا الطالب الألماني؟ جاء الجواب على لسان الطالبة باتريسيا زينجه “أوروبا تتيح لنا الكثير من الفرص… السفر، الدراسة، العمل”.

وتبعث هذه الفاعليات الاحتفالية إشارة إيجابية من ماستريخت على غرار ما حدث قبل 25 عاما، حين كانت هناك إشادة بالمدينة وأجوائها المنفتحة عام 1991 بالفعل عندما انتهت المفاوضات إلى معاهدة ماستريخت.

لكن الأزمات تلقي بثقلها الآن على أوروبا وهو ما يعرفه أيضا حاكم إقليم ليمبورج، تيو بوفينس. ومع ذلك فهو متفائل حيث يرى أن الانطلاقة الجديدة يمكن أن تأتي من المناطق الحدودية بالذات “فهنا تعيش أوروبا”.

ويرى بوفينس أن مثلث الدول ألمانيا وبلجيكا وهولندا “اتحاد أوروبي مصغر” وأنه ليس أمام الناس في هذه الدول بديل آخر عن الوحدة. بل إنه يدعو إلى تعاون أوثق “فالحدود لم تفتح بعد فيما يتعلق بالقوانين الاجتماعية والضرائب أو التعليم أو الحدود”.

ولكن ماستريخت تمثل بهذا الموقف المؤيد لأوروبا جزيرة منعزلة في هولندا حيث يسيطر اليميني المتطرف والشعبوي خيرت فيلدزر على الساحة السياسية هناك.

ومن المقرر أن تجرى الانتخابات البرلمانية في هولندا في غضون خمسة أسابيع تقريبا. ومن غير المستبعد أن يصبح حزب الحرية الذي يتزعمه فيلدرز ويناهض أوروبا ويدعو لإغلاق الحدود هو القوة الأكبر الذي ستسفر عنه هذه الانتخابات.

6