من التخويف بالسلاح النووي إلى الرعب بالإرهاب النووي

يحاول الرئيس الأميركي باراك أوباما غلق كل الملفات التي فتحها طيلة فترة ولايته في ظل ما تبقى له من أشهر قليلة داخل بلاط البيت الأبيض. ويبدو أن قمة الأمن النووي التي يشرف عليها هذه الأيام ستكون خاتمة ثقيلة الحجم والوقع، كما أنها لا تبدو مهمة سهلة في ظل عدم تفاعل روسيا مع هذا البرنامج والمناورة التي تقوم بها إيران رغم توقيعها على الاتفاق النووي مع البلدان الكبرى.
الجمعة 2016/04/01
متظاهر يرتدي قناع للرئيس الصيني شي جين بينغ أمام مركز مؤتمرات واشنطن خلال اليوم الأول من فعاليات قمة الأمن النووي في الوليات المتحدة الأميركية

واشنطن- في الوقت الذي بدأت تتزايد فيه المخاوف من الإرهاب النووي، يبدو أن حملة الرئيس الأميركي باراك أوباما للحيلولة دون استغلال المواد الذرية المعرضة للعبث على مستوى العالم قد فقدت زخمها.

ومع تناقص الفترة الباقية لأوباما في منصبه لمتابعة واحدة من مبادرات السياسة الخارجية التي ارتبطت باسمه، إذ بقي أقل من عشرة أشهر فقط، وفي خضم هذه المدة، سيجتمع الرئيس الأميركي بزعماء أكثر من 50 دولة في واشنطن هذا الأسبوع لحضور قمة الأمن النووي الرابعة والأخيرة التي يرأسها والتي تمثل عملية دبلوماسية على مستوى عال بدأت في عهده وستنتهي في عهده أيضا.

كذلك فإن مقاطعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين -لعدم رغبته في ما يبدو في المشاركة في تجمع تهيمن عليه الولايات المتحدة في وقت تتزايد فيه التوترات بين واشنطن وموسكو- تزيد الشكوك في إمكانية أن يسفر الاجتماع عن نتائج لها ثقلها.

وقد أثارت الهجمات الدموية الأخيرة في بروكسل القلق من أن يتجه تنظيم الدولة الإسلامية في نهاية الأمر لاستهداف محطات نووية ويطور “قنابل قذرة” مشعة، وهي مسألة ربما تكون الشغل الشاغل في أذهان القادة خلال اجتماعاتهم.

ورغم ما حققه أوباما من تقدم بإقناع العشرات من الدول للتخلص بنفسها من المواد المستخدمة في صناعة القنابل أو تقليل المخزونات وتأمينها، مازال جانب كبير من البلوتونيوم واليورانيوم المخصب عرضة للسرقة على مستوى العالم. هذا فضلا عما يروج من أخبار مفادها مواصلة إيران العمل على تطوير برنامجها النووي بما يسمح لها بصنع أسلحة نووية.

لا يوجد ما يضمن أن يجعل الرئيس التالي الحد من امتلاك السلاح النووي ضمن أولوياته بعد أن يترك أوباما البيت الأبيض

غياب روسيا

من الممكن أن يؤدي غياب روسيا إحدى أكبر الدول النووية إلى صرف الأنظار عن القرارات التي يتم التوصل إليها في واشنطن هذا الأسبوع. وقال أوباما في مقال رأي نشرته صحيفة واشنطن بوست “إن ترسانتنا النووية الهائلة التي ترجع إلى الحرب الباردة لا تلائم تهديدات اليوم. وعلى الولايات المتحدة وروسيا -اللتين تملكان معا أكثر من 90 في المئة من الأسلحة النووية في العالم- التفاوض على تقليص مخزوناتنا بدرجة أكبر”.

وقال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين إن روسيا لن تشارك في القمة بسبب “غياب التعاون المتبادل” في إعداد جدول الأعمال. ورغم أن جوش إيرنست المتحدث باسم البيت الأبيض أشار إلى أن موسكو واصلت العمل المشترك في ما يتعلق بالأمن النووي، إلا أنه استدرك قائلا إن روسيا “ستفوتها فرصة” وإن عدم حضورها يصور “درجة العزلة التي أصبحت عليها روسيا”.

وقد استاءت روسيا من العقوبات التي قادت الولايات المتحدة حملة فرضها عليها بسبب الصراع الأوكراني. ومن العوامل التي أدت إلى تعقيد الجهود الرامية لجعل العالم أكثر أمنا ما حققته كوريا الشمالية من تقدم في الأسلحة النووية وتحرك باكستان لصنع أسلحة نووية تكتيكية أصغر حجما، وهو ما تخشى واشنطن أن يؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار في المنطقة المضطربة.

ولكل هذا تأثيره على جدول أعمال أوباما وهو يستضيف زعماء العالم، الخميس والجمعة. وكان أوباما قد افتتح القمة الأولى قبل ست سنوات تقريبا بعد أن استغل خطابا ألقاه في براج عام 2009 لشرح هدف تخليص العالم من السلاح النووي كفكرة أساسية في فترة رئاسته. ولا يوجد ما يضمن أن يجعل الرئيس التالي هذا الموضوع ضمن أولوياته بعد أن يترك أوباما البيت الأبيض.

دخول التهديد الإٍرهابي على الخط يزيد من مخاوف المجتمع الدولي
واستعرض البيت الأبيض قبل القمة سلسلة من الإنجازات في المسعى الذي تقوده الولايات المتحدة لإحكام الرقابة على المواد النووية التي يمكن استخدامها في صنع أسلحة، ويشيد من ينادون بالحد من التسلح بأوباما لبلورته استجابة دولية لحل المشكلة. ومع ذلك يقول كثيرون إن ما تحقق من تقدم تباطأ منذ القمة السابقة التي عقدت عام 2014، وإن دولا مثل اليابان والهند وباكستان تعد أنشطة يمكن أن تزيد مخزونات المواد النووية.

وقالت مبادرة التهديد النووي، جماعة تسعى للحد من الانتشار النووي، في تقرير هذا الشهر “كان لقمم الأمن النووي أثر إيجابي لكن الهدف الاستراتيجي المتمثل في تطوير نظام عالمي فعال للأمن النووي لم يتحقق بعد”. وتقول الجماعة إن مؤشرها للأمن النووي والذي يتابع سلامة المواد النووية التي تصلح للاستخدام في صنع أسلحة، في العامين الأخيرين لم يشهدا أي تحسن على مستوى عدد من التدابير من بينها الحماية الفعلية للمواقع والتأمين أثناء النقل والقدرة على استعادة ما يفقد من مواد مشعة.

ويشير آخرون لهم مآخذ على التأمين النووي إلى عدم وجود مجموعة من المعايير الدولية المتفق عليها للأمن النووي أو آلية لإحكام الرقابة على المصادر الشائعة للمواد المشعة، وهي غالبا ما توجد في المستشفيات والمعامل الطبية. ومع ذلك أشارت لورا هولجيت مستشارة أوباما لأسلحة الدمار الشامل إلى التزام 30 دولة في قمة عام 2014 بتأمين أشد المواد النووية لديها خطورة. وقالت للصحافيين قبل القمة “لقد زاد المجتمع الدولي من صعوبة حصول الإرهابيين على السلاح النووي أكثر من أي وقت مضى وهذا جعلنا جميعا أكثر أمنا”.

مخاوف "القنبلة القذرة"

قالت وسائل إعلام بلجيكية إن اثنين من الانتحاريين الذين نفذوا هجمات بروكسل صورا سرا التحركات اليومية لرئيس برنامج الأبحاث والتطوير النووي في بلجيكا وفكرا في مهاجمة أحد المنشآت النووية في البلاد.

والخبراء الأميركيون يقلقهم حصول المتطرفين على مكونات للسلاح النووي بدرجة أقل مما تقلقهم سرقات المكونات التي يمكن استخدامها في صنع قنبلة قذرة بتكنولوجيا بسيطة يمكن استخدامها مع متفجرات تقليدية لنشر المواد المشعة وبث الذعر. وقال المسؤولون الأميركيون إنه ما من شك أن تنظيم الدولة الإسلامية مهتم بالحصول على هذه المواد، لكن هولجيت قالت إن السلطات الأميركية ليست لديها “مؤشرات صريحة” على أنه حاول أن يفعل ذلك.

الخبراء الأميركيون يقلقهم حصول المتطرفين على مكونات للسلاح النووي أقل من سرقات مكونات صنع قنبلة قذرة

وفي المقابل تساور الكثير من المراقبين أيضا مخاوف من البرنامج النووي الإيراني الذي تحدثت جملة من التقارير عن مواصلة طهران أنشطتها حتى بعد توقيع الاتفاق النووي مع الدول الكبرى.

وكان مركز “ستراتفور” للدراسات الجيوسياسية الأميركي قد كشف مؤخرا للاستخبارات الخاصة، أن إيران أبقت على أنشطتها في عددٍ من المنشآت العسكرية حول الدولة محاطة بالسرية، رغم دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ معتمدا في ذلك على صور تم رصدها عبر الأقمار الاصطناعية.

وذكر تقرير المركز الأميركي أن هناك صورا لمجمع “بارشين” العسكري تم التقاطها في يوليو 2010 و19 يناير 2016 على التوالي، تؤكد تطهير إيران آثار أنشطتها المحرمة في الموقع، بينما كانت المحادثات لا تزال دائرة، كما دشنت منشآت محصنة تحت الأرض داخل المجمع، حيث يمكن إخفاء أنشطة أبحاث وتطوير الأسلحة. وأشار موقع “ديلي بيست” إلى احتمالية أن يكون المجمع الأرضي الغامض الذي تحدث عنه مركز ستراتفور جزءاً من برنامج إيران للصواريخ الباليستية.

وهذه المعطيات ستشكل تهديدا آخر للبرنامج الذي يسعى الرئيس الأميركي أوباما إلى تفعيله أو على الأقل وضع الضمانات الكبرى لتنفيذه سواء في الفترة المتبقية من ولايته أو بعد مغادرته.

وبالتالي فإن تواصل نشاط إيران السري سينتهي بها إلى تنفيذ برنامجها النووي، في حين ستبدو خطابات أوباما التي أكدت أن الاتفاق النووي مع طهران قد أوقف مخاطر انتشار السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط، وتكراره أن الولايات المتحدة استطاعت من خلال هذه الصفقة أن تجعل العالم أكثر أمنا، بمثابة ذر الغبار على العيون وقد تكون الخطوة الأسوأ.

ومن المتوقع صدور المزيد من التعهدات في القمة من جانب قادة دول العالم بتعزيز الأمن النووي، لكن الجماعات المناهضة للانتشار النووي تخشى أن يضعف الاهتمام ويتبدد ما تحقق من تحسينات إذا لم تتواصل الاجتماعات على أعلى المستويات فيما بعد.

6