من التدخل إلى الانسحاب: إستراتيجيات أميركية خاطئة في الشرق الأوسط

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يكرر في سوريا خطأ انسحاب سلفه باراك أوباما من العراق وتركه لإيران.
الجمعة 2018/12/21
ترامب يهرب من المواجهة المباشرة في سوريا

لم يشكّل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب قوات بلاده من سوريا مفاجأة لدى الدوائر المقرّبة من البيت الأبيض بسبب إدراكها أن ترامب سيمضي قُدما في تنفيذ أهم وعوده الانتخابية التي رفعها قبل عامين والرامية إلى التقليص في عدد القوات الأميركية المتمركزة في عدة دول تشهد توترات، لكن الحدث، الذي اعتبره العديد من الخبراء بمثابة إعلان عن انتصار روسيا وإيران وتركيا ونظام بشّار الأسد في سوريا، أعاد الجدل بقوة في الأوساط الأميركية حول تقييم وتشخيص سياسات واشنطن في منطقة الشرق الأوسط، والتي يبدو أنها ستنقلب في عهد ترامب رأسا على عقب.

واشنطن- أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب رجّة، داخل الولايات المتحدة وخارجها، بإعلان قراره سحب القوات الأميركية من سوريا، في خطوة لخصّتها مراجع سياسية بأنها لا تعدو أن تكون سوى حلقة جديدة من تبادل الأدوار بين واشنطن وموسكو، فيما اعتبرها مراقبون بمثابة خطأ جديد ترتكبه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لا يقل عن خطأ حرب العراق في 2003، وإذا كانت سياسة التدخل في شؤون الدول سببا في ما تشهده المنطقة اليوم من صراعات وإرهاب، فإن سياسة الانسحاب ستكون سببا لنتيجة مشابهة وربما أخطر.

علل ترامب قراره بأن القوات الأميركية في سوريا نجحت في أداء مهمتها الأساسية المتمثلة في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن قوات سوريا الديمقراطية، التي تعدّ وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري، حذّرت من أن قرار الولايات المتحدة سيعطي تنظيم الدولة الإسلامية زخما للانتعاش مجددا وشنّ هجمات معاكسة، بعد طرده من مساحات واسعة في البلاد.

وذكّر معارضون لهذا الإعلان بما حدث في العراق بعد انسحاب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، في سنة 2011، ثم اضطراره للدفع مجددا بقواته للعودة في سنة 2016، بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وتمدده في سوريا والعراق.

عندما أعلن أوباما عن انسحاب قواته من العراق، علق أنتوني كوردسمان، الخبير العسكري بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، على ذلك بقوله إن انسحاب القوات الأميركية من العراق لم يشكّل إعلان نصر أميركي في الحرب التي شنّتها واشنطن في عام 2003، وإنما يشكّل نهاية لحرب باهظة التكاليف من الناحية الإستراتيجية حيث تركت القوات الأميركية العراق غير قادر حتى على ضمان أمنه واستقراره الداخلي ومنطقة إستراتيجية دون بناء هيكل إستراتيجي جديد لمرحلة ما بعد انسحاب آخر جندي أميركي من العراق.

واليوم، ومع إعلان الانسحاب المفاجئ من سوريا، يكرر الخبراء ذات الرؤية، مشيرين إلى أن ترامب، صائد الصفقات المؤمن بشعار “لن نخوض حربا نيابة عن أحد”، ترك الأكراد في مواجهة مباشرة مع الأتراك، كما فتح ثغرة واسعة في إستراتيجية ردع إيران، ويشكّل ذلك خطأ إستراتيجيا فادحا.

بعد قرابة تسعة أعوام من بداية الحرب التي شنّها جورج بوش الابن على العراق أسدل خلفه باراك أوباما الستار على تلك الحرب، واليوم يكرّر ترامب السيناريو لكن في أجواء أكثر احتداما وفوضى، خاصة وأن القرار يترافق مع أزمة داخل مؤسسات الحكم الأميركية.

ولئن يشكك البعض من المراقبين في أن ترامب اتخذ القرار بشكل أحادي، منذ عهد أوباما ارتسمت ملامح انسحاب من الشرق الأوسط والتوجه نحو مواجهة الصين في عقر دارها الآسيوية، وتجسدت أكثر مع صعود ترامب، وتركيزه أكثر على الحروب التجارية، وصراعات المستقبل ذات الأبعاد التكنولوجية والاقتصادية وحتى غزو الفضاء.

لكن، يشكك كثيرون في نجاح هذه المقاربة، حيث تبقى منطقة الشرق الأوسط أكثر المناطق إستراتيجية في العالم، ولن تكتمل أي قوة دون السيطرة عليها، سواء بالتواجد العسكري أو بالعلاقات والتحالفات، وهو الأمر الذي يقول خبراء إنه من بين أسباب الخلافات داخل مؤسسات صنع القرار الأميركي.

وقد خلّف قرار الانسحاب من سوريا ردود فعل متشنجة صلب وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) حيث يعتبر كبار مسؤوليها أنه يخدم مصالح روسيا وإيران، اللتين استخدمتا دعمها للحكومة السورية في تعزيز نفوذهما الإقليمي. كما طوّرت إيران قدرتها على نقل السلاح إلى جماعة حزب الله اللبنانية لاستخدامه ضد إسرائيل.

وقال جاك كين، النائب السابق لرئيس هيئة أركان الجيش إن ترامب “دمّر الملاذ الآمن لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا لكنه سيخسر السلام بالانسحاب”. وأضاف كين، الذي ينظر إليه كخليفة محتمل لوزير الدفاع جيمس ماتيس، “التنظيم سيعاود الظهور، وإيران التي تمثل تهديدا أكبر ستهيمن على سوريا بالكامل، وإسرائيل ستكون في خطر أكبر”.

وانتقد متابعون أميركيون هذا القرار مشيرين إلى أنه يضع الشرق الأوسط في أيادي أنظمة دكتاتورية توترت علاقاتها بالولايات المتحدة بسبب سياساتها، على غرار تركيا، كما إيران وروسيا، فيما يبدو أن ترامب لم يعط اهتماما لحلفاء واشنطن الأوروبيين، في تعارض مع سياسات أميركية سابقة تعوّدت على الاستنجاد بهم ودفعهم إلى المشاركة في تدخلاتها، على غرار ما حدث مع بريطانيا في حرب العراق.

جاك كين: تنظيم داعش سيعاود الظهور، وإيران ستهيمن على سوريا بالكامل
جاك كين: تنظيم داعش سيعاود الظهور، وإيران ستهيمن على سوريا بالكامل

ويصف المراقبون سحب القوات الأميركية من سوريا بأنه من أسوأ التنازلات التي تقدّمها الولايات المتحدة لتركيا وإيران، علاوة على كونه يحمل اعترافا صريحا بفشل الإستراتيجية الأميركية المرتبكة في الملف السوري منذ فترة رئاسة باراك أوباما.

ورغم أن ترامب، يحاول تلخيص سياساته الخارجية في شعار “أميركا أولا”، فإنّ نسق التطوّرات في منطقة الشرق الأوسط دائما يعيد ذلك الجدل المتمحور في فحواه حول السياسة الأميركية في هذه المنطقة. وكانت مجلة فورين أفيرز الأميركية، أجرت، قبل قرار سحب القوات الأميركية من سوريا، استطلاع رأي لعدد من السياسيين والباحثين، كان محوره: هل تنتهج الولايات المتحدة إستراتيجية خاطئة تجاه الشرق الأوسط؟

يجيب عن السؤال أودري كورث كرونين، أستاذ في كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأميركية، مؤكدا أن جهد الولايات المتحدة الذي استمر قرابة عقدين من الزمن لحلّ مشاكل الشرق الأوسط لم يفعل شيئا سوى أنه عزّز من نفوذ إيران بشكل أساسي.

ويتفق مع هذه الرؤية مداوي الرشيد، أستاذ بمركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد، مشيرا في إجابته إلى أن سجل الولايات المتحدة أثبت أن التدخلات الدبلوماسية والعسكرية غير مُجدية، بدءا من كامب ديفيد إلى احتلال العراق، لم يتحقق النجاح المرجوّ.

في المقابل، يرى إليوت أبرامز، باحث بمركز دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، أن مصلحة الولايات المتحدة تقف الآن على المحكّ، فيما يؤكّد فيليب جوردون باحث في السياسة الخارجية الأميركية، أنه لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تتظاهر بأنها تستطيع “حل” الصراعات في الشرق الأوسط، ويجب أن تتجنّب بوضوح السياسات التي تجعل هذه الصراعات تسير نحو الأسوأ، مشددا على أن الاستسلام والخروج ليسا الحل.

6