من الثعلب الألماني إلى الثعلب التونسي

الجمعة 2014/06/20

في الأيام القليلة الماضية شاركت في جامعة صفاقس بالجنوب التونسي في ندوة فكرية حول أخلاقيات المقاومة في الفكر الحديث والمعاصر. من بين المداخلات القليلة والذكية والرشيقة التي لفتت انتباهي مداخلة الأكاديمية الجزائرية بجامعة وهران مليكة بن دودة. في هذه المداخلة تحدثت الدكتورة بن دودة عن آلام المفكرة الألمانية حنة أرندت في ظل حكم هتلر، جرّاء المعاملة السيئة والغريبة من أستاذها الفيلسوف الشهير مارتن هيدغر الذي أطلقت عليه هذه الأكاديمية الجزائرية لقب “الثعلب”.

في مداخلتها روت أن حنة أرندت قد ارتبطت بعلاقة حب مع مارتن هيدغر في الوقت الذي كانت طالبة تدرس تحت إشرافه، ولما أصبح هذا الفيلسوف رئيسا للجامعة في عز أيام حكم هتلر أدار بظهره نهائيا لتلميذته وعشيقته أرندت وقطع حبل الصلة معها بمقص صدئ ودون رجعة. لقد كان هذا الحدث مؤلما جدا وأمعن في ثقب كبرياء هذه المفكرة إلى الأبد وأصبحت تعيش طوال ما تبقى لها من الحياة تحت وطأة شبحه. على أيّة حال فإن خيانة هيدغر لهذه المرأة التي تعلمت منه وأحبته لم تكن إلاَ عقدة واحدة من عقد حبله الطويل، فهو قد قاطع في ذلك الوقت أيضا، أستاذه الفيلسوف أدموند هوسرل الذي علمه وأشرف عليه عندما كان يحاضر في علم النفس ومن ثم جعله مساعدا له وختم المشوار معه باقتراحه أخيرا لمنصب كرسي الأستاذية. تفيدنا الكتابات التي تناولت علاقة هيدغر بعائلة هوسرل أن زوجة هذا الأخير كانت تقدّمه إلى الناس، من موقع المحبة والصداقة، بطفل هوسرل الفينومينولوجي.

في هذا السياق تذكرت قصة طريفة ومؤلمة لا أحد يعرفها من الناس إلى يومنا هذا روتها لي زوجة الكاتب والوزير والسفير الجزائري المعروف محمد الميلي وهي الفنانة التشكيلية والمثقفة الجزائرية الشجاعة زينب الإبراهيمي ابنة المؤرخ، وعضو جمعية المسلمين الجزائريين، مبارك بن محمد الإبراهيمي الميلي. فالقصة تتعلق بالصدمة النفسية القاسية التي تعرض لها المفكر فرانز فانون جرّاء خيانته من قبل زوجته الفرنسية بتونس وصديق له كان ديبلوماسيا تونسيا. عندما صارحته زوجته بما حدث طأطأ فانون رأسه إلى الأرض طويلا ثم التفت إليها بحزن عميق وقال لها: “الآن أصبح واضحا أن الرجل المستعمر الفرنسي الأبيض يغتصب الإنسان العربي، وأن الرجل الأسمر العربي التونسي ينتقم لشرفه الضائع باحتلال جسد زوجة صديقه الأسود فرانز فانون”، وبعد لحظات أكمل فانون جملته قائلا: “إنه يبدو أن مهمتي الآن تتمثل في أن أقاوم الاثنين معا”، ثمَ سكت وهمّ بالخروج إلى الهواء الطلق.


كاتب من الجزائر

15