من الثورة إلى الانحطاط وبالعكس

السبت 2014/06/21

لم تتمكن قوى الثورة السورية حتى هذه اللحظة من تقديم إجابات حقيقية عن الأسئلة التي أفرزها الصراع الدائر عبر السنوات الثلاث الماضية، إذ لا قادة سياسيين لثورة السوريين ولا قادة رأي وهو أضعف الإيمان.

على الصعيد الميداني للصراع الدائر في سوريا، جرب المنتفضون تقديم إجاباتهم والتي تمرحلت بتمرحل الثورة ذاتها؛ في البداية صدحت حناجر الثوار بشعارات مدنية بمضمون وطني، وسعت إلى تقديم إجابات متماسكة حول البديل المأمول، وعلى مدى أشهر سعى المنتفضون إلى تقديم أنفسهم كنقيض للنظام السوري وبديله المشروع.

"وقصفت" هذه الشعارات واستهدف حاملها، ودخل الصراع طوره العنفي، فابتكر المنتفضون تجربة “المدن المحررة” كإحدى الإجابات المقبولة في حينها، حول الأسئلة التي طرحته هذه المرحلة من عمر الثورة.

حوصرت المدن المحررة، وهوجمت بعنف قل نظيره، مما استدعى إجابات جديدة، كان في مقدمتها التطرف والعنف المضاد، والانسياق في خطاب طائفي، سيتبلور فيما بعد ليصبح خطاباً إسلامويا يتغذى من الحقد والغضب والحرمان الذي راح يلف حياة الثوار، ونسي أصحاب هذا الخطاب أن المحاصرين يحتاجون إلى أكثر من الدعاء وأكثر من شحن الأحقاد، يحتاجون إلى من يفك عنهم الحصار، ويدفع بثورتهم خطوة إلى الأمام.

واحتاج الأمر إلى حوالي العام ليدرك المنتفضون، أن هذه الإجابات لا تعدو كونها إجابات وهمية لا حقيقية حيال الأسئلة التي يفرزها الصراع. لم يكن التطرف، ولا اللجوء إلى التشدد الإسلاموي، ولا حتى تحرير المدن، هو الإجابات المطلوبة لأولئك القابعين في ظل الحصار والتدمير الممنهج.

وفي غياب الإجابات الواقعية والمجدية، كانت النتيجة مسلما بها سلفا: تآكل تدريجي للحاضنة الشعبية للثورة، هذه الحاضنة التي لم تولها قوى الثورة وتحديدا قيادتها السياسية أي اهتمام، وكانوا بذلك أشبه بنظام الأسد في احتقاره للشعب السوري.

أفرزت ثورة السوريين طبقة سياسية وثقافية جديدة، كان يفترض بها أن تمثل السوريين لا أن تمثل عليهم؛ كان يفترض “بالمثقفين” وقادة الرأي، أن يسعوا إلى القبض على الواقع ومعرفته، وتقديم إجابات، أو على الأقل، صياغة أسئلة متماسكة حول المعضلات التي يفرزها الواقع السوري؛ إلا أنهم فشلوا في هذا الاختبار، وباتوا مع الوقت جزءا من الأزمة لا عاملا في حلها.

لم يخذل العالم الكادحين في سوريا بقدر ما خذلتهم شريحتهم المثقفة وسياسييهم “المعتمدين”، فعندما كان مطلوبا منهم أن يسعوا إلى لعب دورهم الحاسم في مجريات الصراع، وأن يساهموا من موقعهم هذا في صنع سوريا المستقبل، انخرطوا في موجة فساد جعلت منهم منافسين أشداء لطبقة النظام الحاكمة؛ ولا استثناء هنا إلا ما قل وما ندر، وكأن بمعارضتنا السورية تتنافس على الانحطاط، وكأنها تسعى جاهدة إلى تمثل ممارسات نقيضها أو ما يفترض بأن يكون نقيضها الطبقي. ولا خجل ولا حياء في ذلك، فتسارع النهب والانحدار نحو الهاوية أقوى من كل شعور وطني أو حتى إنساني.

تميزت السنوات الأخيرة من حكم الأسد بتسارع النهب والإثراء على حساب الطبقات الشعبية، مما أدى إلى انفجار المجتمع السوري بعد أن عجز عن تحمل طبقة سياسية هي أقرب إلى المافيا من أي شيء آخر، جعلت من سوريا عبارة عن مزرعة ومن شعبها عبيدا، فانتفضت قوى المجتمع ضد هذا الشكل من الحكم المغمد بالنهب والمعمد بالقمع والنار؛ واكتشف الشعب المغدور، أن “ثورته المستمرة” عليها أن تمتد لتطال “رؤوسا” من قوى الثورة ذاتها وأن تقاتل على أكثر من جبهة. من هناك حيث تبدأ المرحلة الأولى من عمر الثورة الثانية للسوريين.


كاتب صحفي سوري

9