من الحريري إلى شطح: الثابت الذي لم يتحول

الجمعة 2014/01/03

يحدثُ أن تنفجرَ سيارةٌ مفخخة في وسط بيروت تستهدفُ واحداً من قيادات “تيار المستقبل”. ينشغلُ المسعفون في إخلاء القتلى والجرحى، ويحتشدُ الأهالي يتفقدون جرحاهم وقتلاهم. المشهدُ يتكرر بأسف وحزن وغضب، وكأنه جزءٌ من المشهد اللبناني الروتيني. والمحزن المبكي، أن ما هو مفروض أن يكون فاجعةً، أصبح يتحوّل في لبنان إلى مناسبة تكاد تكون من عاديات الأمور، يتبارى السياسيون والمحللون في تفسيرها وشرحها واستشراف تداعياتها. بعد ساعات قليلة من الكارثة، يتحوّل الحدث إلى برنامج تلفزيوني لعيون “المشاهدين الكرام”. بعد ساعات قليلة من ارتكاب الجريمة، يتسلّى القاتل أمام تلفازه متابعاً ترجيحات المحللين، يراقب بابتسامة باردة خبيثة مدى اتفاق ما رأوه مع ما أراده من الجريمة.

لن نصبَّ حبراً إضافيا هنا في مجال السجال حول الجهة التي تقف وراء اغتيال الدكتور محمد شطح (الوزير السابق ومستشار رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري)، ذلك أنه سجالٌ عقيمٌ وشبيه بتلك السجالات التي رافقت كل عملية اغتيال منذ الأولى التي استهدفت الوزير مروان حمادة (2004)، مروراً بما قبل الأخيرة التي طالت اللواء وسام الحسن(2012). تتركز اتهامات فريق 14 آذار على النظام السوري وحزب الله بالوقوف وراء الاغتيالات، فيما يرددُ فريق 8 آذار لازمة اتهام إسرائيل (والآن التكفيريين) بالوقوف وراء تلك السلسلة التي لا يلوح أنها ستنتهي. بين هويات الإتهاميّن بونٌ شاسع اتسع بين الفريقين وزاد الشقاق داخل الشعب اللبناني (ومجتمعاته).

تنتمي لائحةُ المستهدفين بالاغتيال، ومحاولة الاغتيال، إلى فريق سياسي واحد يطالب بالدولة اللبنانية مرجعاً سياسياً وعسكريا وأمنيا واحداً، يشكّل الجيش والقوى الأمنية الرسمية والمؤسسات الدستورية أعمدتها الوحيدة. في خطاب ذلك الفريق استهدافٌ مباشر لحزب الله بصفته نقيض ما يطالبون به. الحزب متمسّك بالتبعية للوليّ الفقيه في إيران (على حدّ ما يكرر أمينه العام)، متمسّكٌ بقوته العسكرية، بالعدّة والعتاد والعديد، بشكلٍ مستقل ومنفصل عن سياق الدولة. في تناقض الرؤيتين ميدانٌ للتناتش بكافة الأشكال، بما فيها العسكرية (كما في السابع من أيار 2008) والأمنية (كما في سلسلة الاغتيالات التي لا تنتهي).

حين يتهمُ فريق 14 آذار حزب الله باغتيال محمد شطح، كما اغتيال من سبقوه، وحين توجّه المحكمة الدولية الاتهام إلى خمسة من أعضاء حزب الله باغتيال رفيق الحريري، فهذا يعني أن بين حزب الله وفريق 14 آذار حالة حرب وليست حالة خلاف سياسي أو تنافس انتخابي. والمفارقة أن خطاب 14 آذار ما زال مستمراً في دعوة الحزب (رغم اتهامه بالوقوف وراء كل الاغتيالات) إلى التخلي عن حساباته وسياساته وقناعاته وارتباطاته، والقبول بسقف الدولة سقفاً وحيداً يتعايش تحته كل اللبنانيين، بكافة تياراتهم وطوائفهم وأحزابهم. خللٌ ما يعتري هذا الخطاب. عبثيةٌ دعوة القَتَلة (بتعابير 14 آذار) للانتقال إلى معسكر القتيل.

لا شيء يدعو حزب الله إلى التخلي عن “دولته” للالتحاق بالدولة اللبنانية. لا شيء يدعوه إلى التخلي عن سلاحه والإذعان لسلاح الدولة. لا شيء يدعوه إلى التخلي عن تبعيته لإيران للاكتفاء بالتبعية الحصرية للبنان. هو هذا السلاح من جعل حزب الله قوةً فائضة في لبنان يُحسب لها ألف حساب. هو هذا السلاح الذي يجعل الحزب القوة المهيمنة على الداخل اللبناني. هو هذا السلاح الذي يدفع دول العالم إلى الحوار مع الحزب (بما فيها الولايات المتحدة) ومُداراته. هو هذا السلاح الذي يحمي الحزب من تداعيات الاتهامات المحلية والإقليمية والدولية التي تُكال له.

فلماذا يتخلى حزب الله عن العامل المحوري الوحيد الذي يرفد حضوره ويقي ديمومته، حتى غدا السلاح هو القضية وليس عامل دفاع عن قضية؟

يكررُ فريق 14 آذار تمسكه بالسلمية والنضال المدنيّ ضد منطق السلاح. في طوباوية وطهرانية هذه الأطروحة إخفاءٌ لحقيقة عدم قدرة هذا الفريق على المنازلة العسكرية مع الحزب، لا راهناً ولا في المستقبل القريب. لذا لا يرى حزب الله وجمهوره مصداقية لخطاب العفو لدى الفريق الخصم. فالعفو عند المقدرة ومن لا يملك المقدرة لا يمنّ بعفو.

يلتصق فريق 14 آذار بمنطق الدولة والجيش. عليه تتحول الدولة كما الجيش إلى رموز تضاد مع وجودية الحزب وفلسفة حضوره. وإذا ما أطلّت أعراض دعم للجيش وتقوية بأسه، خرجت تحفّظات الحزب وحلفائه تكشف رفضا بنيويا نهائيا لقيام جيش قوي يسقط لزومية “المقاومة” (راقب السجال حول صفقة الميغ الروسية للجيش سابقاً، أو السجال حول الهبة السعودية حالياً). ومع ذلك، فإن قوة الجيش لا تكمن فقط في جانبها التقنيّ المتعلق بالسلاح ومستواه، بل بعقيدته وتبعيته وصلابة نسيجه، وهو ما يستدعي إمساك السلطة السياسية الواحدة بحراك الجيش وحركته، وهو ما يتطلب أيضاً ثقة كاملة يمحضها المجتمع اللبناني لجيشه. أمر لطالما كان هشاً بسبب اتهامات وُجهت لهذا الجيش بالكيل بمكيالين. يتحركُ حزب الله في سوريا كي تكون له الغلبة في لبنان. ويجاهرُ الحزب بنموّ مستويات تسليحه كي تكون له الغلبة في لبنان. يفتخر الحزب بتبعيته للوليّ الفقيه في إيران كي تكون له الغلبة في لبنان. فلماذا يتخلى عن كل ذلك وعن الغلبة التي يتوق لها في لبنان ومن سيجبره على ذلك؟

في كل المغامرات التي خاضها حزب الله منذ عام 2000 حتى اليوم، لم يخسر الحزب معركة واحدة، ولم يدفع ثمناً موجعا لغزواته. فرض الحزب من خلال سلوكه رؤيته الدستورية الأولية للبنان في اتفاق الدوحة الشهير، وفرض الحزب من خلال سلوكه (وقمصانه السود) إسقاط حكومة سعد الحريري (وإبعاده عن البلد)، كما فرض حكومته برئاسة نجيب ميقاتي، ويفرض الحزب حالياً عدم تشكيل حكومة برئاسة تمام سلام إلا بالشروط التي يرتئيها. فمن هي تلك القوة المحلية (أو حتى تلك الإقليمية أو الدولية) التي ممكن عن تنزع عن الحزب تفوّقه، وبالتالي قيادته لأمر البلد، وحتى إشعار آخر؟

في اغتيال رفيق الحريري (2005)، قيل أن الرجل عمل على خارطة طريق دولية لإخراج الجيش السوري من لبنان، وساهم مباشرة في إخراج القرار 1559 الأممي الذي أدى فعلا (إثر الاغتيال) إلى سحب دمشق لعسكرها. في اغتيال محمد شطح، قيل أن الرجل كان يروّج لوثيقة تنأى بلبنان عن أحداث المنطقة، بما يتحوّل لاحقاً إلى قرارٍ أممي. مضمون الوثيقة ليس بعيدا عن الرسالة المفتوحة (في الوول ستريت جورنال) التي وجهها شطح إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني. وقد يكون اغتيال شطح هو ردّ على مسعى الرجل ورسالته من قبل من يمقتون روحاني في طهران وما يوحيه من رسائل.

في الخط الرابط ما بين الاغتيال الأول والاغتيال الأخير ثابتة واحدة تحرَم خروج البلد من قبضة القابضين عليه. المعادلة واضحة منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. ستتم تصفية وإلغاء كل من يحاول إخراج البلد من سطوة معسكر إقليميّ عاصمته طهران. معادلة لن تكسرها خطب “السلمويين” المتمسكين بالنضال المدني والملتصقين بشروط الدولة والمؤمنين بالعدالة الدولية. هكذا هي قواعد اللعبة على طريق الصفقة الكاملة الملتبسة بين العالم وطهران.


* صحافي وكاتب سياسي لبناني

8