من الحلم الثوري إلى الاستبداد الجهادي

الجمعة 2015/01/16

أراد السوريون نظاما يحقق مصالحهم ويتوج ثورتهم عام 2011، فإذا بهم أمام جهاديات تكاد تسيطر عام 2015 على المناطق التي حرروها بتضحياتهم.

الجهاديات تشكل نظاما قروسطيا ومعاديا لكل أشكال الحداثة باستثناء السلاح والمال، وربما سيتم التخلي عن المال نهائيا، فتنظيم داعش يحاول سك نقود خاصة به، وجبهة النصرة ستفعل الأمر عينه إن استتب لها الأمر.

نظام التيارات الجهادية هذا لا مكان فيه للحريات، وكل شيء يجب أن يخضع لأحكام الشرع المؤول جهاديا، وهنا تصبح عقوبة التمرد عليهم القتل الفوري؛ وعقوبة المطالب بالحقوق الشخصية مسألة تتطلب السجن، والرجم، والتكفير، وقطع اليد، والقتل في النهاية.

إذن الأمر لا يقتصر على تنظيم داعش، الذي يمارس القتل بجموح محبي هواية الصيد؛ فلا يتورع عن قطع الرؤوس بالجملة والتباهي بها وتصوير المشهد، مقتنعين أن الله سيكافئهم على ما اقترفت أياديهم، وليس بالضرورة أن يكونوا جنودا “دجاجا” للنظام، بل كافة من يخالفهم، فكيف إن حملوا السلاح ضده. تنظيم داعش يمارس القتل باسم الله، وهو يسجل تاريخا حافلا بكل فنون التعذيب والموت والدفن.

جبهة النصرة كذلك تشكل وتنشئ إماراتها الخاصة بها؛ فهي، على غرار تنظيم داعش وكما أحرار الشام، وكما جيش الإسلام، شكلوا هيئاتهم الشرعية حين لم يكن الآخرون يفكرون بذلك مطلقا وكان شاغل الآخرين كيف يحاصرون قوات النظام، وبواسطة هذه الهيئات يتم فض النزاعات، وفق قوانين “شرعية” متخلفة، تبتغي إعادة الناس إلى عصور القطيع؛ فلا حرية إلا للأمير، وعند داعش للخليفة، وطبعا لمن يوكلونهم على الناس.

في الشهر الأخير، رفضت جبهة النصرة توزيع جرائد الإعلام البديل في ريف حلب مثل نشريات “صدى الشام، تمدن، عنب بلدي، كلنا سوريون”، وغيرها، وأجبرت الموزعين على إعلان التوبة، وكفّرت أصحاب الجرائد وحصل ذلك أمام الناس، وكذلك على صفحات الفيسبوك، وبذلك مُنع توزيع أكثر من ثمانية آلاف نسخة لهذه الجرائد. وفي خصوص جريدة صدى الشام فقد تم إيقاف توزيع أربعة آلاف نسخة بشكل نهائي؛ ويتكرر استجواب الموزعين في ريف إدلب وحماه واللاذقية، ويعتقلون لأيام متعددة، ولا يخرجون من السجون إلا بعد “واسطات” وإعلان التوبة. وتهدد جبهة النصرة، بشكل رئيسي، رؤساء التحرير بالاعتقال في حال دخلوا الأراضي السورية. وقد تكرر إقامتها حد الزنا والرجم، وقبل أيام معدودات أوقفت أربعة ناشطين في بلدة سراقب، وقامت بقتل إمرأة خمسينية بتهمة الزنا، وبذلك تكون جبهة النصرة الأخت الرضيعة لداعش كما كان يقول ابن رشد عن الفلسفة والشريعة في سياق مغاير كليا.

جبهة النصرة هنا تمارس استبدادا شبيها باستبداد النظام تماما، بينما كانت تطلعات السوريين الذين جربوا طيلة 2011 و2012 مختلف أشكال حرية التعبير في المناطق المحررة خلاف ذلك. الآن انتهى كل ذلك، بدءا من الصحف والأغاني وأعلام الثورة، وصولا إلى حضور المرأة، وذلك لصالح رايات سوداء وسيوف وبنادق وذكور وقتل لا يتوقف باسم الله.

جبهة النصرة لا تعترف بالثورة كما النظام تماما، الثورة كانت تعي ذلك، فكررت وأكدت شعارها الأساسي: “الشعب السوري واحد”، و”لا سلفية ولا إخوان”. أي أن الثورة ضرورة تاريخية للانتقال بسوريا إلى نظام يحقق مصالح كل السوريين. وكي يتم طي صفحة الثمانينات، والتي يتحمل مسؤوليتها النظام والإخوان المسلمون معا؛ كانت الثورة تعي المخفي والمضمر إن اندفع الشعب نحو التغيير لدى النظام، وتتخوف على المستقبل، لذلك حاولت الابتعاد عن النظام القائم وعن التنظيمات الأصولية، في آن واحد.

أما المعارضة فبغباء خطير، فقد أدخلت الإخوان المسلمين على خط الثورة عبر المجلس الوطني، والنظام راح يطيّف الثورة ويطيّف جمهوره منذ اللحظات الأولى للثورة، وشعر لاحقا بالغبطة تجاه المعارضة؛ وبذلك راحت الطائفية تتعمم على وقع المجازر والإعلام والمال السياسي المشروط، والقادم من الخارج. جبهة النصرة أعلنت، ومنذ تشكلها، أنها فرع من تنظيم القاعدة، وبدلاً من رفضها واعتبارها غريبة عن الثورة، تم إعلانها قوة ثورية من أجل إسقاط النظام.

عماء المعارضة السورية وغباؤها، دفعاها لتقبل أي قوة تعادي النظام، وفي الحقيقة كان هدف جبهة النصرة بناء وتشييد سلطتها في المناطق المحررة أولا، وضد النظام ثانيا، وهذا ما دفعها لتصفية الكثير من مجموعات الجيش الحر ومن الناشطين؛ وراحت تشكل محاكمها الشرعية وتفرض ارتداء لباس معين، وتنفذ أحكامها وتتابع كل قضية ترفع أمام هيئاتها الشرعية؛ وكان المغزى من كل ذلك تأهيل المجتمع ليتقبل سلطتها، والتسويق لأنها تعمل من أجل دولتها الإسلامية الكاملة لاحقا.

كل محاولات المعارضة لتجيير واستقطاب جبهة النصرة وسواها، لم تفد بشيء، وحتى دعوة رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض خالد الخوجة الأخيرة لجبهة النصرة بفك ارتباطها مع تنظيم القاعدة تأتي في الإطار ذاته من الغباء؛ فهل يعقل لفرع من تنظيم القاعدة أن يكون هدفه بناء دولة ديمقراطية، أو التمثيل السياسي في البرلمان القادم، أو حتى مجرد الاعتراف بالآخرين؛ وهذا يدل على تفكير في غاية السذاجة؛ وتكتيك في غاية الفشل؛ فالنصرة تستهدف بناء دولتها ولا شيء أقل من ذلك.

تشوهت الثورة السورية كثيرا، وأصبحت التنظيمات الجهادية تتحكم في أغلب المدن السورية، من البوكمال حتى جنوب سوريا في درعا، مرورا بالقلمون والغوطة. لذلك فإن المناطق التي ظلت خارج هيمنتها، والمناطق التي تهيمن عليها معنية بتجديد الثورة مجددا، والقطع مع الطائفية؛ وهذا ليس تفكيرا إرادويا ورغبويا، بل هو تفكير ينطلق من قناعة مفادها أن جبهة النصرة وتنظيم داعش وجيش الإسلام وأحرار الشام لم يُثبِتُوا سلطاتهم إلا بقوة السلاح والقتال، وأن الناس رفضوها وثاروا ضدها، بل قُتل بعضهم وهم يفعلون ذلك.

التيارات الجهادية لا تنتمي للثورة السورية، بل هي مجرد أدوات سياسية استبدادية، تخدم النظام والدول الخارجية لتشويه الثورة وقتلها وإخراج سوريا من أي دور إقليمي، وتسمم العلاقات بين الطوائف في سوريا، وتؤسس لحروب مستقبلية في كامل المنطقة، وصولا إلى حرب عنيفة بين إيران وتركيا، وهذا موضوع سنفرد له مقالا لاحقاً.


كاتب سوري

9