من الذرّة إلى المجرّة

الخميس 2013/12/05

"شعدون" هو ليس فيزياء بثياب بشر فقط، بالنسبة لي هو الحقيقة كما تفسرها الفيزياء، ولِمَ الفيزياء؟ لأنها تعطينا حقائق علمية، وشعدون يفسر الأحداث السياسية من هذا المنطلق، لكنه أحيانا ينهال عليّ بالمعلومات، وأنا لست في مستوى عبقريته، لذلك طلبت منه أن يسقيني المعرفة بملعقة لا بفنجان.

ميزته أنه مطاوع ولين، وكأنه اكتسب هذه الطباع من صفات النحاس في لونه، لذلك حين طلبت منه التباطؤ، عاد بي للمعرفة من البدء، معرفا لي الفيزياء قائلا: كل التقدم الحضاري والمدني الذي تتمتع به البشرية اليوم يرجع إلى تقدم علم الفيزياء، فهو أساس كل جهاز بحياة البشر من الراديو إلى الرادار، ومن الهاتف إلى الرنين المغناطيسي، ومن النظارات إلى المسابير الفضائية؛ الخ.. وذلك لأن الفيزياء تصوغ المعرفة في قوانين، وتتنبأ بمسيرة العمليات الطبيعية من خلال قوانين أخرى. وما سأعلمك إياه ليس اختراعا، لأن الفيزياء -أصلا- تدرس الأنظمة الطبيعية والبشرية، فالإنسان جزء من أنظمة الطبيعة، وللفيزياء مكانتها المتميزة في الفكر الإنساني، ولو طبقنا مكونات الأنظمة الفيزيائية من المادة وحركتها والطاقة المحركة لها على البشر، فستظهر كالتالي: الناس هم المادة، وثقافاتهم واتجاهاتهم الفكرية هي الطاقة المحركة والمتحركة فيهم، وهي إما أنها مادية أي اقتصادية وهذه غالبا ما تكون طاقة داخلية، أو أنها فكرية أو عقائدية وهذه غالبا ما تكون خارجية.

لذلك كانت شعوب دول الربيع العربي مهيأة داخليا للدفع نحو الحراك، فلقد كانت (داخليا) تئن تحت وطأة الفقر، فسهل هذا مداعبة الغرب لهم بأفكار كالحرية والديمقراطية من الخارج، أما المداعبات العقائدية من بعض الدول العربية، فلقد لعبت دورا كبيرا في تشتيت فكر تلك الثورات، هذا لو أخذنا الفيزياء من مبدإ سنها القوانين والتنبؤ بالأحداث. أما لو أخذناها من مبدإ أنها وراء كل تقدم تكنولوجي عرفته البشرية، فلقد كان لها دور مهمّ في هذا أيضا، فثورة الهواتف المحمولة الذكية، ذات برامج التواصل الاجتماعي الفتاكة، كانت سبب انتشار الفكر الثوري كالنار في الهشيم، فصعب التحكم في مواقع التواصل الاجتماعي، إلا لو ألغيت تماما كما في إيران.

علقت بصوت خافت: وإيران تعدّ نفسها دولة ديمقراطية، فقط لأن بها انتخابات وصناديق اقتراع. ثم قلت بصوت مرتفع: على فكرة أعتقد أن تلك الوسائل فقدت الكثير من رونقها، فالحكومات كونت مضادات، من خلال استخدامها ذات التقنية لنشر توجهاتها!

سادت لحظة صمت، سألته بعدها: منذ أن التقيتك وأنت تكرر لفظ "نظام"، فما هو النظام؟ فكل ما أعرفه عن مصدر هذا اللفظ هو مدلوله الأدبي، كنظم الشعر لأني أديبة، ومدلوله الجواهري كنظم اللؤلؤ لأن أبي كان غواصا! ومدلوله الأمني لأني أعيش في أكثر دول العالم أمانا.

يحب الأسئلة "شعدون"، لذلك يجيب عليها بحماس منقطع النظير: لفظ نظام لفظ كوني من الذرة إلى المجرة، لكني سأركز على مدلوليْه السياسي والفيزيائي. فهو لفظ قديم -يا سيدتي- يعود إلى أفلاطون وإقليدس، يعني الحشود، كما يعني الاتحاد والتجمع، ولقد استخدم هذا المصطلح بشكل علمي منذ القرن التاسع عشر.

علقت: أكيد، فقبل ذلك القرن كانت العلوم مترابطة، وتصبّ جميعها وتنطلق من الفلسفة.

أكمل قوله: النظام عامة هو مجموعة من العناصر مترابطة مكانيا وزمانيا، وتشكل مع بعضها البعض كيانا واحدا، ويمكن لكل عنصر فيها أن يعمل بشكل مستقل، لكن العنصر الذي ليس له ارتباط بأحد عناصر النظام لا يمكن اعتباره جزء منه. وبهذا فإن كل دولة تمثل بأرضها وسكانها وثقافتها نظاما مستقلا، وحين تتحد دول تحت مظلة سياسية واحدة مثل دول مجلس التعاون، ودول الاتحاد الأوروبي تسمى أنظمة مركبة.

فكررت عليه: لذلك توقع "كريستوفر ديفدسون" في كتابه أنه لو سقطت البحرين ستسقط باقي دول مجلس التعاون بالتتابع، باعتبارها نظاما واحدا مركبا.

أجاب: بالضبط؛ ثم أكمل: الأنظمة متشعبة في كل حقول المعرفة، من الأحياء للفيزياء مرورا بالعلاج النفسي، لذلك قامت دراسات تبحث في العلاقات بين تلك الأنظمة، أطلق عليها نظرية الأنظمة theory of systems.

تدخلت قائلة: في الجغرافيا الطبيعية نُدَرّس الطلاب أنواع الأنظمة، الآن أرى هذه الأنظمة بعين سياسية، وكأن "الأنظمة المعزولة" هو حال العالم قبل اختراع التلفزيون والإذاعة. وصارت "الأنظمة مغلقة" بعد اختراق الفضائيات لها، فصارت تدخلها المعلومات دون أن تخرج. والآن "الأنظمة المفتوحة" بعد اختراع مواقع التواصل الاجتماعي المعلومة تدخل وأخرى تخرج منها.

نظر إليّ وقال: هذه الأنظمة وبكل اختلافاتها الطبيعية والبشرية لها صفات أساسية: إن لها هياكل تنظيمية، وإنها مطلقة، وجميعها لها وظائف، وفي أي نظام منها أو الأفكار، ووظيفة النقل هذه تتطلب مصدرا للطاقة، وأخيرا كل الأنظمة تكاملية.

ولما طلبت منه أن يترجم لي هذه الخواص سياسيا، رحب قائلا: وظيفة أي نظام سياسي هو نشر الخدمات ليصير تكامليا، فحين يُشبع الحاكم الشعب، لا يثورون عليه، وفي النظم الديمقراطية حين يقدم السياسي وعودا بإصلاحات تداعب أحلام المنتخبين يحظي بالفوز. وينشر النظام المعلومة أو الأفكار في منظومته ليصير مطلقا، مثل زيادة الرواتب في الدول العربية، ونقل الأصوات -في الانتخابات- في المجتمعات الغربية الديمقراطية، لكن كل نقل أو نشر يحتاج إلى دافع، ودوافع أي نظام الاستقرار، وتلك دوافع واضحة. لكن الدوافع الخارجية مشكوك فيها، فهل فعلا دافع الحكومات الغربية بتدخلها في دول الربيع العربي هو نشر الديمقراطية؟

ثم أكمل يقول: نقل المواد بين أفراد النظام واضحة، لكن حين تنتقل الأفكار يصعب السيطرة عليها، حتى في أكثر النظم السياسية دكتاتورية وعتيا، وفي كل الأحوال فإن نقل التوجهات والأفكار والأيديولوجيات المتطرفة مخيف، وتلك غالبا منقولة من الخارج، وهذا ما حصل في ثورات الربيع العربي، قبل الثورات وأثناءها، وبعدها.

16