من الذي يتكلم داخل النص الأدبي

هوية النص الإبداعي ليست متطابقة كليا مع نوايا ومقاصد المؤلف وإنما هي من إنتاج تأويلات القراء ذوي الخبرات والتجارب المتنوعة والمختلفة أيضا.
الجمعة 2019/06/21
رولان بارت.. أغنى سؤال الكاتب وهويته في النص بأسئلة وأفكار جديدة

تثير هذه المقالة جملة كبيرة من الأسئلة المتعلقة بهوية الكاتب وعلاقة هذه الهوية بنصه وأثرها في حركة النص وتوجهات الكتابة. ولا تكتفي المقالة بإثارة الأسئلة، وإنما تستعرض جملة من المحاولات النقدية الكبرى في الثقافة الغربية للإجابة عن بعض هذه الأسئلة الجمالية والفكرية والتي أدت إلى توليد نظريات نقدية طليعية تتعلق بالنص والكاتب والقارئ. برزت معها أسماء كرولان بارت، وميشيل فوكو، وبيير بورديو، وإدوارد سعيد، وفرنان بروديل، وكينيث ماكليش وغيرهم.

عرف النقد في القرن العشرين لغاية الآن نقاشا مكثفا وخلافيا حول هوية الأديب وعلاقتها بالنص الأدبي، وفي هذا الخصوص صدرت كتب وأبحاث كثيرة خاصة في العالم الغربي تناقش هذه المسألة من زوايا متنوعة ومختلفة.

 يعود سبب الانشغال بالهوية عموما وهوية الكاتب خصوصا إلى عدة عوامل منها بروز قضايا الإثنيات والوطنية، والحركات النسوية، وانحسار الخطاب الذي كان يرتكز على مدى سنوات طويلة على الطبقة العاملة واعتبارها كتلة متجانسة فكريا وموقعا اجتماعيا ومفهوما فلسفيا، وعلى الدور الذي لعبته العلوم الاجتماعية والإنسانية وفي مقدمتها التحليل النفسي الذي زحزح الهوية وقال بانشطارها من جهة وبنسبية عقلانيتها من جهة أخرى.

 ولقد أفضت هذه الزحزحة إلى دحض النظريات التي كانت تعتقد أن الهوية، بما في ذلك هوية الشاعر أو الروائي، معطى قبلي وثابت.

إلى جانب ما تقدم فإن الدراسات الجغرافية المعاصرة قد ساهمت بدورها في بلورة نظريات حول الهوية لا تقل عن تلك النظريات التي بلورتها الأنثروبولوجيا، وعلم الأعراق، ومن أبرز المفكرين والمؤرخين الذين تناولوا قضية الهوية من منظور جغرافي، أي تناولوا الجغرافيا كبعد مشكل للهوية الثقافية والنفسية والسياسية يمكن ذكر بعجالة فرنان بروديل صاحب كتاب “هوية فرنسا”، وأنطونيو غرامشي في دراسته اللامعة التي تحمل عنوان “المشكلة الجنوبية”، وإدوارد سعيد في كتابه الشهير “الاستشراق”، والكاتب المصري الراحل جمال حمدان في كتابه الذي تناول فيه “عبقرية المكان” وعلاقته ببناء عناصر الهوية المصرية.

التعمق في فهم تحولات الهوية يستدعي التفكير في ما تعنيه نظرية الهوية الرمزية التي تناقض نظرية الهوية/ النمط التي تتميز بالميكانيكية

 يبدو أنه من الإجحاف عدم ذكر إساهمات أساسية في مجال التنظير للهوية لكل من باشلار وذلك في كتابه “جمالية المكان” وبيير بورديو في مؤلفاته التي درس فيها الأثر المتبادل بين الجغرافيا والثقافة كعنصرين متشابكين يلعبان دورا مهما في التأسيس للهوية الفردية والتاريخية.

سأكتفي هنا برصد بعض التعريفات التي قدمت لتحديد الهوية وموقف نظرية النقد الأدبي التي يتزعمها كل من الشاعر طوماس سترنز إليوت ورولان بارت، وميشال فوكو من قضية علاقة النص الإبداعي الأدبي بهوية المؤلف.

لا شك أن الكشف عن هذه العلاقة مشروط أولا بتقديم لمحة عن بعض النظريات المكرسة لفهم الهوية بما في ذلك علاقة هوية النص الإبداعي بهوية المؤلف.

 في هذا السياق يلاحظ بعض الدارسين وجود اتجاهين عامين ومتوازيين حيث ينظر كل واحد منهما إلى الهوية بشكل عام وإلى علاقة النص بهوية المؤلف على نحو خاص نظرة مختلفة ومتباينة. مثلا، هناك الاتجاه الجوهراني الذي يعتقد أن الهوية موجودة قبليا وأن الأحداث الخارجية التي تعصف بها لا تلحق بها تغيرا حاسما في جوهر بنيتها، ويلح معتنقو هذا الاتجاه على أن هذا الجوهر يظل متطابقا مع نفسه، بغض النظر عن تلك الأحداث التي تحدث لها أو حولها، وفي الوقت نفسه نجد هذا الاتجاه يعتقد أن النص الأدبي هو تعبير متماثل مع تضاريس شخصية المؤلف، وأنه انعكاس لذبذبات عوالمه بما في ذلك العالم الخارجي الذي “يستدخله” ويعيد تشكيله ثم ينتجه في صورة نص متطابق معه.

أما الاتجاه الثاني فيعتقد أن الهوية تتشكل تاريخيا ويسمى أقطاب هذا التيار بالتاريخيين الذين يرون أن هوية شخص ما، أو حضارة معينة، أو جغرافيا وطنية ما ليست كلها ثابتة، كما يؤكد تمايز الأفراد والثقافات وهلم جرا.

 ويعتقد هذا التيار أن الشخص هو نسيج من الوعي واللاوعي، كما يحاجج بأن الهوية الثقافية، والهوية الاجتماعية، والهوية السياسية، وحتى الهوية الطبقية متحولة ومتغايرة وأنها قيد الاختراع حينا والبناء بواسطة عناصر الواقع حينا آخر، على نحو مفتوح على جميع الاحتمالات.

لا شك أن هذا التيار ينقل فهمه للهوية أيضا إلى فضاء العالم الإبداعي حيث يرى أن النص متعدد المعاني وكثيرا ما ينفرد القارئ بإعادة خلق النص نفسه ومنحه حياة جديدة ومعنى لم يكن يخطر على بال المؤلف.

هوية النص ومقاصد المؤلف

على هذا الأساس نفهم أن مكونات هوية النص الإبداعي ليست متطابقة كليا مع نوايا ومقاصد المؤلف وإنما هي من إنتاج تأويلات القراء ذوي الخبرات والتجارب المتنوعة والمختلفة أيضا، وعلى أساس هذا يكون القارئ هو من يبني هوية نص القصيدة، ولكن هذا لا يعني بالضرورة نفي ما تتبناه نظرية علاقة الموضوع التحليلية النفسية التي تحاجج بأن الذات فاعلة كما أنها تتشكل أيضا من خلال عمليات الاستدخال والإسقاط، ضمن علاقة تبادل الاعتماد والتأثير مع العالم الخارجي.

وفي الحقيقة فإن التعمق في فهم تحولات الهوية يستدعي التفكير في ما تعنيه نظرية الهوية الرمزية التي تناقض نظرية الهوية /النمط التي تتميز بالميكانيكية.

هوية النص الذي يمكن أن تطلق عليه صفة النص الإبداعي ليست أحادية مغلقة على نفسها إنما هي هوية تعددية

قبل نقل نظرية الهوية الرمزية إلى الحقل الأدبي أرى أنه من المفيد والضروري تقديم تعريف لكل من النظريتين وذلك بالاعتماد على قاموس “الأفكار المفتاحية في الفكر الإنساني” لمعده ومحرره كنيث ماكليش. في هذا القاموس نجد نظرية الهوية مقسومة إلى فرعين اثنين هما: نظرية الهوية-النمط، وهي تحاجج بأن الأنماط الذهنية، أو الخاصيات الذهنية متطابقة مع الأنماط الجسدية، أو الخاصيات الفيزيائية، ويقدم ماكليش مثالا لتوضيح مقاصده مبرزا أن الخاصية الذهنية لشخص في حالة ألم متطابقة مع الخاصية الجسدية، أي مع الأحداث العصبية التي تحدث في المخ.

 في حين يرى أن نظرية الهوية الرمزية تعني أن كل “حادثة لها خاصية فيزيائية، ولكنها تنكر أن الخاصيات الذهنية هي خاصيات فيزيائية”، ويوضح ماكليش أكثر قائلا “إن أي كرسي له بعض الخصائص الفيزيائية، ولكن الكراسي لا تملك خصائص فيزيائية واحدة، حيث أن بعض الكراسي مصنوعة من الخشب، وبعض الكراسي مصنوع من البلاستيك وأخرى من الحديد“.

 بمعنى أن نظرية الهوية الرمزية لا ترفض نهائيا بعض التقابلات والتناظر بين خصائص الذهني والفيزيائي ولكنها ترفض كل ما ينفي التنوع والاختلاف.

الهوية الرمزية للنص

إذا قمنا بنقل نظرية الهوية الرمزية إلى مجال النقد الأدبي فإننا يمكن أن نقول بأن بعض ما في النص الإبداعي قد يعكس تجربة المبدع، ولكن بعض العناصر الأخرى قد لا تعكس هذه التجربة وإنما يحتمل أنها تعكس تجارب أخرى مستقاة إما من التاريخ وإما من نصوص مبدعين آخرين.

وهكذا فإنّ مقولة التناص التي دشنها ميخائيل باختين، وطورتها جوليا كريستيفا، في سلسلة من الدراسات المتميزة، يمكن تأويلها على أنها نفي للنظريات النقدية التي تتمسك بالقول بأن النص له علاقة بهوية المؤلف الذاتية فقط. وفي هذا الخصوص نجد مقالين لكل من رولان بارت وميشال فوكو، وهما على التوالي: “موت المؤلف” و”ما هو المؤلف”، متشابهين في كثير من مكوناتهما النظرية والاصطلاحية.

ولمناقشة هذين المقالين ينبغي أن نتأمل في هذا السؤال: من الذي يتكلم من خلال النص الإبداعي، المؤلف أم غيره؟ عن هذا السؤال يجيب كل من فوكو وبارت قائلين بأن هوية النص الذي يمكن أن تطلق عليه صفة النص الإبداعي ليست أحادية مغلقة على نفسها إنما هي هوية تعددية، بمعنى أن النص الإبداعي هو مجموع قراءات وتأملات المبدع، وأن هذه القراءات تدخل في نصه، وهي في آخر المطاف استمرارية لذوات المبدعين الآخرين في نص مبدع آخر.

إدوادر سعيد وميشيل فوكو قدم كل منهما رؤية متقدمة ومحاولات مبتكرة للإجابة عن سؤال الكاتب والنص وهوية المتكلم
إدوادر سعيد وميشيل فوكو قدم كل منهما رؤية متقدمة ومحاولات مبتكرة للإجابة عن سؤال الكاتب والنص وهوية المتكلم

وأكثر من ذلك فإن فوكو يعطي مكانة متميزة للقارئ في تشكيل هوية النص الإبداعي المقروء، وبهذا الصدد كتب قائلا “إن الحقيقة هي العكس إلى حد ما: إن المؤلف ليس المصدر النهائي للدلالات التي تملأ العمل الأدبي. فالمؤلف لا يسبق الأعمال الأدبية، بل هو مبدأ عمل معين عن طريقه تقيم ثقافة تقصي وتنتقي”.

 هنا نجد فوكو يثير قضيتين لهما علاقة وطيدة بنظرية النقد الأدبي، أولاهما تتمثل في أن ربط دلالة النص بشخصية المؤلف فعل تعسفي، وثانيتهما أن هوية النص لا يمنحها لها المؤلف بل القارئ وبعبارة أخرى فإن تعددية القراء تعني تعددية هويات النص الواحد.

أما رولان بارت فيرفض في دراسته الموسومة بـ”موت المؤلف” البحث عن تأويل للنص على أساس مؤلفه، أو مؤلفته، بل هو يدعو إلى زحزحة المؤلف لأن ذلك ليس فقط بواقع تاريخي أو بفعل الكتابة إنما هي (أي الزحزحة هذه) تحول النص الحديث بشكل كامل، ثم يضيف مبرزا أن إعطاء النص مؤلفا يعني “فرض حد على النص ومنحه مدلولا نهائيا وغلق الكتابة…”.

وفي نهاية مقاله المذكور آنفا يصرح بارت بأن “ولادة القارئ يجب أن تكون على حساب موت المؤلف”. لا شك أن آراء بارت هذه قد سبق إليها الشاعر والناقد طوماس سترنز إليوت الذي أكد في دراسته الموسومة بـ”الموروث والموهبة الفردية” أن الشاعر الحقيقي ينبغي أن يكون لديه الحس بالتاريخ، أي أن يكون الشاعر متجاوزا لقلعة ذاته لينطق بالعصور التي سبقته بما في ذلك أسلافه الشعراء، وهذا هو ما يعنيه إليوت بالحساسية التاريخية.

وفي الدراسة نفسها يذهب إليوت إلى أن مهمة الشاعر ليست مختزلة تعسفيا في إسماع ذاته من خلال القصيدة وإنما تكمن في الهروب من شخصيته، ويعني بذلك أن الفهم الرومانطيقي للشعر يضع الشاعر داخل القصيدة. أما مهمة الشاعر الحديث فتتمثل في استخدام المعادل الموضوعي الذي يطرد شخصية الشاعر من القصيدة.

وفي الحقيقة فإن استخدامات القناع، والكارنفالية ومبدأ الحوارية وغيرها من التقنيات هي آليات تساعد أيضا على نزع شخصية المؤلف عن النص الإبداعي أو جعلها مجرد عنصر ضمن عناصر أخرى محفزة على الفعل الإبداعي وعلى تشكيل غيرية النص.

15