من الذي يلعب بقضية شهداء الثورة التونسية

الثلاثاء 2014/04/15

أصدر القضاء العسكريّ التونسيّ نهاية الأسبوع المنقضي أحكامه القضائيّة في حقّ المتّهمين في قضايا قتل شهداء الثورة التونسيّة في مختلف جهات البلد منذ 17 ديسمبر 2010 إلى الأسبوع الذي تلا فرار بن علي يوم 14 يناير 2011. والمتّهمون هم الرئيس المخلوع بن علي ووزيرا داخليّته حينها رفيق بالحاج قاسم ثمّ أحمد فريعة ومدير الأمن الرئاسي علي السرياطي وكبار مسؤولي وزارة الداخليّة ومدراء الأمن وبعض رؤساء المراكز الأمنيّة وبعض المسؤولين الأمنيّين الميدانيّين.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الانتظار لعائلات الشهداء عاشت خلالها هذه العائلات التسويف والتمديد والتأجيل، صدرت الأحكام في حقّ المتّهمين. وكانت أحكاما صادمة لعائلات الشهداء أوّلا، وللرأي العام التونسيّ ثانيا، إذ كانت أحكاما مخفّفة تراوحت بين التبرئة وبين الأحكام المخفّفة مؤجّلة التنفيذ والأحكام المخفّفة النّافذة (بين ثلاث وخمس سنوات سجنا). وقد أكّد الاستئناف الحكم الابتدائيّ في حقّ بن علي بالسّجن المؤبّد.

وأثناء النطق بالحكم، عرفت قاعة المحكمة حالة من الفوضى والهرج جرّاء حالات الإغماء والتوتّر والانفعال التي انتابت عائلات الشهداء. فلقد بدت الأحكام مخفّفة حتى أنّها توحي بنوع من الاعتذار للمتّهمين والإدانة للشهداء الذين رووا أرض تونس بدمائهم.

وتعقيبا على هذه الأحكام أصدرت حركة النهضة يوم 13 أبريل 2014 بيانا تعبّر فيه عن تفاجئها بهذه الأحكام التي تراها غير عادلة. وطالب البيان بأحكام أكثر عدلا. وطالبت الجبهة الشعبيّة في بيان رسميّ بسحب ملفّ شهداء الثورة من أيدي القضاء العسكري.

وتأتي هذه الأحكام المخفّفة موازية لإطلاق سراح القيادات الحزبيّة والسياسيّة التي عملت مع بن علي والتي كانت معتقلة على خلفيّة تهم بالفساد والاستبداد واستغلال النفوذ على غرار عبدالعزيز بن ضياء وعبدالله القلاّل وعبدالوهاب عبدالله. إذن، أطلق القضاء التونسيّ سراح كلّ رموز النظام السّابق الذي ثار عليه التونسيّون من سياسيّين وأمنيّين وبقيت قضيّة قنّاصة الشهداء ملفوفة بالغموض. ولا شهيد يعرف قاتله. أغلق القضاء التونسيّ قضيّة الشهداء ولم يقدّم إجابة عن السؤال الحارق: من هم القتلة والقنّاصة؟ ومن هو المتّهم؟

إنّ توازي الأحكام بتبرئة أعوان بن علي وأعضاده والأحكام المخفّفة على أمنيّيه لا تخلو من دلالات. فهي تدلّ على تبرئة النظام السابق من جرائمه التي ارتكبها في حقّ الشعب التونسيّ. إنّها أحكام اعتذاريّة أكثر منها زجريّة فلا أحد من المتّهمين اعترف بالقنص ولا بالقتل ولا بإعطاء أوامر بالقتل.

هذه الأحكام المتوازية تشير إلى أنّ هناك إشارات على تسويات واتّفاقات خفيّة على إنهاء مرحلة من تاريخ تونس وغلق ملفّاتها. لا أحد من التونسيّين مع تقليب الملفّات ولا مع التشفّي والانتقام. ولكن لا أحد من التونسيّين يقبل بالتسويات السياسيّة غير العادلة، التي لا تمثل سوى صفقات لها مقابل متّصل بكرسيّ الحكم. التسويات لابدّ أن تكون علنيّة ومكشوفة. ولابدّ أن تكون الغاية منها تحقيق العدالة عبر المصارحة وربّما المصالحة إذا اختار الشعب التونسيّ صاحب القرار ذلك.

بقي أن نشير إلى أنّ المؤسف في تونس اليوم أنّ المؤقّت ينسى أنّه مؤقّت، وأنّ الحقوقيّ ينسى أنّه حقوقيّ متى مارس السلطة، وأنّ الإسلاميّ ينسى أنّه متديّن متى مارس الحكم. وجميعهم ينسون أنّهم هنا بيننا يحكمون وينعمون بالحريّة بل بالرفاه وبأبّهة الحكم بفضل الشهداء الذين أهدروا حقّهم وحقّ عائلاتهم في الحقيقة والعدالة. إنّهم يلعبون بما لا لعب فيه؛ يلعبون بقضيّة الشهداء المقدّسة مقابل تسويات مشبوهة متّصلة بتحويل المذنب إلى بريء والفاسد إلى نقيّ والمؤقّت إلى دائم. وكلّ ذلك دون وجه حقّ وفي اعتداء على العدالة وعلى الكرامة التي صدحت بها حناجر التونسيّين.


كاتب وباحث سياسي تونسي

9