من السويس إلى واشنطن.. خطوط استراتيجية تتقاطع في القاهرة

الخميس 2013/12/12
القناة مؤشر لقياس درجة استقرار الأمن القومي المصري

لندن – بعد مرور 150 عاما على الانتهاء من حفرها، مازالت قناة السويس تمثل أحد محاور رسم الاستراتيجية العامة في منطقة الشرق الأوسط. فالمجرى الملاحي، الذي يصل طوله إلى 120 ميلا ويربط بين قارتي أوروبا وأسيا، هو أحد الأصول الاستراتيجية العالمية، ومن ضمن العجائب التي صنعها الإنسان قبل اكتشاف التكنولوجيا الحديثة. لكن العالم تغير كثيرا منذ افتتاح القناة في 1869، وتعرضت أولوياته لإعادة هيكلة في السياسة والاقتصاد وقضايا الأمن، فهل أثر ذلك على المفهوم العميق لموقع القناة الاقتصادي والجغرافي؟ وهل باتت بنفس الأهمية التي اعتادت أن تكون عليها في السابق؟

بدأت مراحل تطبيق المشروع القومي لقناة السويس بمصر في نفس الوقت الذي من المتوقع أن يجرى فيه الاستفتاء الشعبي على مسودة الدستور الجديد، نهاية هذا الشهر، ليرسم مرحلة حاسمة على المستوى الاقتصادي، بالتزامن مع الحسم الذي شهدته العملية السياسية بعد ثورة الثلاثين من يونيو.

طرح الإخوان، خلال حكمهم، مشروع قانون لتنمية ما أسموه "إقليم قناة السويس"، وهو ما ووجه برفض كبير من قبل القوات المسلحة، التي رأت أن رؤية حكومة الإخوان لهذا المشروع تمثل خطورة بالغة على الأمن القومي المصري.

تمثلت هذه الرؤية في ما تقدم به الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع المصري، من أن المشروع به العديد من الثغرات الأمنية التي قد تعرض أمن مصر للخطر، مؤكدا على أن أراضي القوات المسلحة التي ينوي واضعو المشروع استغلالها هي محاور استراتيجية، ولا يجوز العبث بها أو وضع العراقيل أمامها.

في ذات الوقت أبدى الجيش الاعتراض على صلاحيات رئيس الهيئة الخاصة بالتخطيط العمراني وتحديد المدن المقترحة وارتفاعاتها ومحيطها. وشرح وزير الدفاع المصري، في اجتماع مجلس الوزراء لمناقشة القانون، البعد الاستراتيجي لهذه المناطق وكيف يمكن أن يتم استخدامها في حالات الإنزال البري أو الجوي أو البحري، كما اعترض السيسي على صلاحيات الرئيس في مشروع القانون، والخاصة بتحديد نطاق المحور وأبعاده وحدوده ومناطقه ومشروعاته، مؤكدا على أن رأي القوات المسلحة في هذه الأمور يجب أن يكون إلزاميا، بما يعني أنه لابد أن توافق القوات المسلحة على مناطق المحور لكي لا تتعارض مع أهدافها الاستراتيجية، وهو ما يستوجب أيضا أن يكون للقوات المسلحة رأي في المشروعات المقامة على أراضي "الإقليم"، حتى لا تشكل مثلا بعض المصانع عائقا استراتيجيا أمام القوات.

قناة السويس دائما محور اهتمام الجيش المصري خلال الثلاثة أعوام الماضية، باعتبارها أحد العناصر الهامة لضمان انسيابية المرحلة الانتقالية

واعترض كذلك على فصل قناة السويس إداريا عن مصر وحلف رئيسها لليمين أمام الرئيس وعدم إخضاعه للقوانين المصرية، بالشكل الذي يوحي بأن القناة منفصلة عن القطر بالكامل.

ومن أبرز اعتراضات القوات المسلحة كذلك على قانون الإخوان أنه لم يحدد هوية المستثمرين في هذا الإقليم، ومن ثم اشترطت القيادة العامة أن تكون إدارة المشاريع من الجانب المصري دون غيره حفاظا على الأمن القومي، وألا تقل نسبة رأس المال المصري في أي مشروع من مشاريع الإقليم عن 60 في المئة.

يعيد رفض القوات المسلحة لمشروع قانون الإخوان رفضها لنفس المشروع إبان حكومة كمال الجنزوري الأولى عام 1996 لاستباحته الأراضي الخاضعة لها، وهو ما أنهى به السيسي عرضه خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري حينما قال "وبناء على ما سبق فإن القوات المسلحة ترفض مشروع هذا القانون" ما أدى إلى إرجاء مناقشة القانون إلى أجل غير مسمى.

ميراث قومي

ترتبط قصة قناة السويس بشخصيتين عاشتا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: الدبلوماسي الفرنسي فيرديناند ديليسيبس، والخديوي إسماعيل، حفيد محمد علي الذي حكم مصر من 1863 إلى 1879. لكن فكرة حفر قناة تربط بين نصفي العالم سبقت الإثنين. فطبقا لزخاري كارابيل، الباحث في شؤون قناة السويس، فإن فكرة القناة تعود إلى الاحتلال الفرنسي القصير لمصر عام 1798. فقد كان نابوليون بونابارت أول من طرح رؤيته لحفر القناة لكن هذه الفكرة لم تتمكن من أن تؤتي ثمارها. وبعد مرور ثلاثين عاما على رحيل الفرنسيين من مصر، بذل مهندس فرنسي، يدعى بارسيملي بروسبير انفنتين، قصارى جهده لتحويل فكرة القناة إلى واقع. لكن ديليسيبس جاء في خمسينات القرن التاسع عشر لينسب عمل إنفاتين إلى نفسه، مستغلا في ذلك دعم وتمويل سعيد باشا، أصغر أبناء محمد علي، السياسي والمالي للمشروع الضخم.

أيقن الخديوي إسماعيل، ومن قبله عمه سعيد باشا، أن حفر قناة تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط سيكون له أثر بعيد المدى على مكان مصر في خريطة العالم الاستراتيجية، وهو ما حدث بالفعل، فقد وضع المجرى الملاحي مصر في مركز حركة التجارة الدولية، وفي أعلى قائمة القضايا الجيوستراتيجية العالمية، على الرغم من كونها أحد أسباب وقوع مصر أيضا تحت الاحتلال الأجنبي لعقود طويلة استمرت حتى حقبة الخمسينيات من القرن الماضي.

قناة السويس.. روح التجارة الدولية
قناة السويس، هي ممر مائي صناعي يمتد طوله على 193 كم بين بورسعيد على البحر الأبيض المتوسط والسويس على البحر الأحمر.

وتعتبر القناة أهم مجرى ملاحي في العالم حيث تتحكم في 40 بالمئة من الحركة الدولية للسفن والحاويات وكذلك لربطها بين دول جنوب شرق آسيا وأوروبا والأميركتين. وقد استغرق حفرها 10 سنوات (1859 – 1869).

فبعد ثمانية عقود من قيام الخديوي إسماعيل ببيع حصص مصر في شركة قناة السويس إلى بريطانيا، تمكن المصريون أخيرا من جني أرباح المشروع، الذي ساهم في إنجازه عشرات الآلاف من الفلاحين.

لكن نجاح جمال عبد الناصر وزملائه، من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار ، في إنهاء حكم الملك فاروق، في 23 يوليو عام 1952، لم يكن كافيا للتخلص من السيطرة البريطانية على مقدرات المجرى الملاحي، حتى أعلن عبد الناصر، أمام حشد جماهيري كبير تجمع في ميدان المنشية بالإسكندرية، تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية في 26 يوليو 1956.

أصبحت عوائد القناة مخصصة لمشروعات التنمية التي وضعها عبد الناصر ضمن خطة طموحة للنهوض بالبنية التحتية، وعلى رأسها مشروع السد العالي على مياه نهر النيل. وجاء تأميم قناة السويس بمثابة الخطوة النهائية بالنسبة إلى المصريين في مشوارهم الطويل بحثا عن الحرية، وهو ما تبلور بشكل نهائي عندما نجح الجيش المصري في تدمير التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية من القناة، وإنهاء الاحتلال الصهيوني لسيناء في حرب أكتوبر عام 1973.

من السويس إلى واشنطن

حتى بعد أن باتت قناة السويس مؤشرا لقياس درجة استقرار الأمن القومي المصري، فإن أهمية المجرى الملاحي الاستراتيجية للولايات المتحدة لا تقل عن تلك الأهمية التي أولتها القوى الاستعمارية الغربية للقناة من قبل. فمازال الرؤساء الأميركيون ومراكز صنع السياسات في واشنطن ينظرون إلى قناة السويس على أنها عنصر حاسم لانسيابية الحركة التجارية العالمية، ومجرى ملاحي فاعل لحركة البوارج الحربية الأميركية بين البحر المتوسط والخليج.

لم يعد النقاش دائرا حول السيطرة الأجنبية على المجرى الملاحي الهام، فالإدارة المصرية للقناة أصبحت عالميا أمرا مقبولا منذ انتهاء حرب السويس في 1956. لكن الجدل تحول الآن إلى المساعدات العسكرية الأميركية التي توقف جزء كبير منها بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين من السلطة في يوليو الماضي. ومع تصاعد أعمال العنف من قبل بعض المجموعات المتشددة في سيناء منذ التغيير الذي بات واقعا سياسيا في القاهرة، بدأ المحللون في طرح الأسئلة حول ما إذا كان المجرى الملاحي لقناة السويس مؤمنا بشكل كاف، وحول قدرة الجيش المصري على السيطرة على الأمور هناك. فقد تنامت المخاوف الأمنية مع تصاعد حدة القتال في شمال سيناء، خاصة أن المجرى الملاحي للقناة يقع بالقرب من مواقع العمليات، وهو ما يعمق خطر المسلحين المتشددين في إمكانية تعطيل عمليات التشغيل، واستهداف السفن العابرة للمجرى الملاحي.

لذلك كانت قناة السويس دائما محور اهتمام الجيش المصري خلال الثلاثة أعوام الماضية، باعتبارها أحد العناصر الهامة لضمان انسيابية المرحلة الانتقالية، وتم تخصيص وحدات خاصة من الجيش والقوات البحرية والجوية وقوات الدفاع الجوي، وكذلك قوات الأمن الداخلي، لتحصين القناة المائية وجميع المنشآت المتصلة بها للتقليل من احتمال تعرضها لأي اعتداء، وهو ما يلاقي دعما كبيرا من الإدارة الأميركية، التي تجمعها شراكات واسعة مع الجيش المصري في مجال مكافحة الإرهاب.

المساعدات والقناة.

قناة السويس عنصر حاسم لانسيابية الحركة التجارية العالمية، ومجرى ملاحي فاعل لحركة البوارج الحربية الأميركية بين البحر المتوسط والخليج

لكن النقاش الدائر حول تعليق واشنطن لبعض مساعداتها للقاهرة في حقيقته يرتبط ارتباطا وثيقا بالقناة. فإذا حدث، على سبيل المثال، أي تغيير مفاجئ في السياسات الإقليمية، أو حركة الاقتصاد العالمي، وهبط مؤشر قناة السويس بين قائمة المصالح الاستراتيجية الأميركية العليا، فإن التأثير الناجم عن تعليق بعض المساعدات العسكرية الأميركية للجيش المصري سيكون أقل بكثير مما هو عليه الآن. ورغم أن هذا السيناريو من شأنه أن يجتذب عددا كبيرا من الباحثين، الذين لا ينظرون إلى قناة السويس بنفس الأهمية التي كانت عليها في السابق، لكنه يظل غير متناسب مع الواقع.

وعلى عكس النتائج المتوقعة لجميع التغييرات الراديكالية التي تشهدها المنطقة حاليا، بدء من إصرار الرئيس الأميركي باراك أوباما على نقل مركز الثقل الأميركي الخارجي من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق أسيا، وانتهاء بتحول التكنولوجيا والمعرفة المتقدمة لتكون بمثابة العمود الفقري لحركة التجارة العالمية، بدلا من حصر ذلك في تحميل البضائع وتفريغها، تظل رؤية انفانتين وديليسيبس وسعيد باشا وإسماعيل المستقبلية مؤثرة. فقد شهدت حركة مرور السفن في قناة السويس، خلال الفترة التي سبقت حالة ركود الاقتصاد العالمي، نموا كبيرا، ووصل عدد السفن التي مرت بالقناة عام 2008 إلى ما يقرب من 21500 سفينة. ورغم تقلص هذا العدد ليصل إلى 17 ألف سفينة سنويا، تظل نسبة 8 في المئة من حركة التجارة العالمية تمر عبر قناة السويس، وهو ما نتج عنه ارتفاع إيراداتها للحكومة المصرية إلى 5.12 مليار دولار عام 2012.

8 في المئة من حركة التجارة العالمية تمر عبر قناة السويس

على الجانب الآخر، لا تعتمد الأساطيل الأميركية كثيرا على قناة السويس في تحركاتها الإقليمية، فهناك أساطيل بحرية أخرى تلعب دورا في تسهيل المهمة على المخططين العسكريين الأميركيين في الحالات الحرجة. فعلى سبيل المثال، إذا تطلب الأمر توجه بعض البوارج إلى منطقة الخليج، فيمكن لهذه البوارج الانتقال من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، ومنه مباشرة إلى مياه الخليج، لكن بالنسبة إلى أوروبا فإن الوضع يظل أكثر تعقيدا. فالأساطيل الأوروبية تعتمد بشكل رئيسي على قناة السويس في تحركاتها، وتقطع سفنها من البحر العربي إلى الموانئ الفرنسية على البحر المتوسط مسافة قدرها 4700 ميل بحري فقط، لكن إذا ما قررت هذه السفن اتخاذ طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، فإن هذه المسافة ستصل إلى ما يقرب من 10 آلاف ميل، تحتاج في قطعها بالسرعة القصوى إلى ثمانية أيام كاملة.

من المنظور البحري العسكري، ستظل قناة السويس هي المجرى الأكثر كفاءة وفاعلية وتوفيرا من الناحية الاقتصادية، وخاصة في أوقات الخفض العميق في ميزانيات الدول. وحتى يأتي الوقت الذي تعيد فيه الولايات المتحدة التفكير في مصالحها وارتباطاتها في أوروبا ومنطقة شرق المتوسط وأفريقيا والخليج، بالإضافة إلى جنوب شرق أسيا، ستظل قناة السويس أحد الأصول العالمية التي لا يوجد لها بديل من منظور صناع السياسة في الهيئات المدنية والعسكرية الأميركية. لقد مثلت قناة السويس قضية في غاية الحساسية بالنسبة إلى أوروبا، بالتزامن مع الانتهاء من حفرها، وإحدى أدوات الصراعات الإمبريالية بين القوى العظمى آنذاك، بسبب ازدهار حركة التنمية في أوروبا في ذلك الوقت، والحاجة إلى القناة بشكل مُلح، إلى جانب وجود حاكم مصري يبحث دائما عن الاستحواذ على رضى لندن وباريس.

نفس السيناريو يتكرر الآن، فمصر هي مركز الريادة في العالم العربي وقبلته الثقافية، إلى جانب عراقة حضارتها المتمثلة في إرثها التاريخي العميق، ومكانة الأزهر الراسخة كمنارة للعالم الإسلامي. غير أن كل تلك العوامل لم تكن هي الدافع وراء تقديم واشنطن 77 مليار دولار إلى القاهرة في صورة مساعدات أغلبها عسكرية منذ منتصف سبعينات القرن الماضي. هذه المبالغ لعبت دور الضامن الحقيقي لسهولة الوصول إلى القناة، إلى جانب الهدف الرئيسي من ورائها، وهو الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة.

ربما يكون اللاعبون ليسوا هم أنفسهم من كانوا يحلمون بالسيطرة على القناة في بدايات القرن الماضي، لكن، من أوجه عدة، تظل العلاقات بين القاهرة وأصدقائها وداعميها الدوليين، القائمة على التأثير العالمي للقناة، كما هي.

7