من الشاشة إلى الكتاب: مسيرة أفلام تحولت إلى روايات

الاثنين 2014/04/21
"2001: أوديسا الفضاء" من الأفلام التي تم تحويلها إلى أعمال روائية

رغم أن تاريخ السينما يزخر بعشرات، إن لم نقل بمئات الأفلام المنقولة عن أعمال أدبية، إلا أننا نادرا ما نجد في تاريخ الأدب قصصا أو روايات مأخوذة من أعمال سينمائية.

طبعا، نحن نتحدث هنا عن الأعمال الأدبية الجادة لكبار الكتّاب، وليس عن التقليد التجاري الشائع في الدول الغربية المتمثل في تحويل الأفلام إلى روايات (Novelization)، والذي تقوم به شركات الإنتاج السينمائي الضخمة بالاشتراك مع دور نشر متخصّصة لاستدرار أكثر ما يمكن من أرباح مادية من الأشرطة التي لاقت نجاحا جماهيريا.


الرجل الثالث


تضمّ قائمة الأفلام التي تمّ تحويلها إلى روايات أعمالا مهمّة لأدباء مرموقين. ولعلّ أوّل اسم يتبادر إلى أذهاننا في هذا الصدد، هو الروائي الأنكليزي الكبير غراهام غرين، صاحب عديد الروائع الأدبية، مثل: “صخرة برايتون” (1938) و”القوة والمجد” (1940) و”القنصل الفخري” (1973)، والذي كانت تربطه علاقة خاصة بالسينما منذ بداياته حين كان ناقدا سينمائيا في صحيفة “السبكتاتور” البريطانية.

في سنة 1948 كلّف المنتج ألكساندر كوردا غرين بكتابة سيناريو على أن يقوم بإخراجه كارول ريد. وكانت تلك نقطة البداية لشريط “الرجل الثالث” الذي عرض للجمهور لأول مرة سنة 1949، ولعب دور البطولة فيه جوزيف كوتن وأورسون ويلز وأليدا فالي.

وقد عرف الفيلم نجاحا كبيرا وتحصّل على عديد الجوائز المهمة مثل الجائزة الكبرى لمهرجان “كان” السينمائي سنة 1949، كما تصدر قائمة تضمّ أفضل مئة فيلم بريطاني وضعها “معهد الفيلم البريطاني”.

وبعد أشهر، قام غرين بتحويل الفيلم إلى رواية، أو إذا أردنا الدقة قام بكتابة رواية انطلاقا من القصة السينمائية التي أخذ منها الفيلم. وهكذا صدر عمل أدبيّ لغراهام غرين سنة 1950 يحمل أيضا عنوان “الرجل الثالث” ويعتمد على الشريط السينمائي الذي يعتبر من روائع السينما العالمية.

إذا كان غراهام غرين قد كتب روايته انطلاقا من فيلم قد تمّ إنتاجه فعلا، فإن هناك روائيين آخرين لم يحالفهم الحظ لأن تصل محاولاتهم في كتابة السيناريو إلى الشاشة. هنا يمكننا أن نذكر حالة الكاتب الأرجنتيني الكبير مانويل بويغ الذي وقع في حبّ السينما منذ طفولته المبكرة، عندما كانت أمه تأخذه معها كل يوم لمشاهدة فيلم في قاعات مدينة “خينيرال بييغاس” الأرجنتينية التي ولد فيها سنة 1932.

في سنة 1955، استطاع بويغ أن يحقق حلمه ويدرس السينما في روما على يد أسماء كبيرة مثل تشيزاري زافاتيني، وذلك بفضل منحة تحصّل عليها ومكّنته من السفر إلى إيطاليا والالتحاق بالمركز التجريبي للسينما.

بعد سنوات، وخلال رحلة بالطائرة، التقى بويغ صدفة بالممثلة الأميركية الشهيرة ريتا هايورث، واستطاع أن يقنعها بأن تسمح له باستعمال اسمها في مشروع سيناريو يحمل عنوان “خيانة ريتا هايورث”.

لكن لسوء الحظ، لم يجد بويغ منتجا يتبنى الشريط، فلم يكن أمامه إلّا إعادة كتابة السيناريو ليصدر في شكل رواية تحمل العنوان نفسه انتهى من تأليفها سنة 1965 وتحصل بها على جائزة “سيكس بارال”.

ولم تصدر رواية “خيانة ريتا هايورث” لمانويل بويغ التي يعتبرها النقّاد اليوم من أهم الأعمال الروائية الصادرة في أميركا اللاتينية، إلا سنة 1971 وذلك ضمن منشورات “سيكس بارال”. أما الروائي الأميركي الشهير رايموند تشاندلر والذي يعتبر من مؤسسي مدرسة الأسلوب الخشن في الكتابة السردية، فقد تعاقد سنة 1947 مع شركة “باراماونت” للإنتاج قصد كتابة سيناريو لشريط أصلي عنوانه “بلايباك” وبشروط ملائمة جدا، حيث ينصّ العقد على أن يتقاضى مبلغ 4 آلاف دولار في الأسبوع مع نسبة من الأرباح إذا نجح الفيلم.

غير أن مبالغة تشاندلر في تدقيق السيناريو وإعادة الكتابة جعلته يتجاوز التاريخ المحدّد لتسليم العمل مرتين، إلى أن وجدت شركة الإنتاج نفسها في ضائقة مالية بسبب أزمة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تسببت في خسائر كبيرة لقطاع السينما في أميركا، فألغت المشروع كليا وأدخلت أتعاب تشاندلر ضمن جدول خسائرها.

في سنة 1958 صدرت لشاندلر رواية تحمل العنوان نفسه مأخوذة من سيناريو الفيلم الذي لم ير النور، وقد كانت تلك آخر رواية صدرت للكاتب قبل سنة من وفاته. والطريف في الأمر هو أن هذه الرواية هي الوحيدة من بين أعمال تشاندلر التي لم تحوّل إلى شريط سينمائي.


أوديسا الفضاء


من أشهر الأعمال السينمائية التي تمّ تحويلها إلى رواية، يمكننا أن نذكر أيضا شريط “2001: أوديسا الفضاء” للمخرج الأميركي الشهير ستانلي كوبريك وهو من إنتاج أميركي-بريطاني وعرض في القاعات سنة 1968. وقد قام كاتب السيناريو أرثر س. كلارك بإعداد رواية تحمل العنوان نفسه انطلاقا من الفيلم وقد تمّ نشرها سنة 1968.

وطبعا قائمة الروايات التي تجد جذورها في السينما تطول، لكننا نشير إلى أن القصة أيضا لها نصيب في هذا المجال، فقد سبق مثلا للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز كتابة قصص قصيرة بالاعتماد على سيناريوهات أعدّها للسينما، وضمّت مجموعته “اثنتا عشرة قصة مهاجرة”.

يقول ماركيز في مقدمة هذه المجموعة القصصية التي صدرت سنة 1992: “ما لم أدركه مسبقا هو أن العمل في الصحافة والسينما سيدخل بعض التغييرات على أفكاري حول القصة القصيرة، حتى أنني اضطررت وأنا أكتبها الآن في شكلها النهائي، إلى الانتباه كي أفصل بملقط صغير بين أفكاري والأفكار التي أضافها المخرجون عند كتابة السيناريوهات..”.

مما يعني أن مثل هذه الأعمال لا تخلو من تأثير الإخراج والديكور وحتى الإضاءة وعمل الممثلين، وكلّ ذلك يمكن أن يترك تأثيره في أي عمل أدبي كتب انطلاقا من شريط سينمائي.

16