من الصخيرات إلى القاهرة.. سجال البحث عن مخرج للأزمة الليبية متواصل

منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي إثر ثورة شعبية اندلعت في الـ17 من فبراير 2011، تعاني ليبيا من انفلات أمني وانتشار للسلاح فضلا عن أزمة سياسية حادة لا تلوح في الأفق القريب بشائر الوصول إلى حلول لها في ظل الخلافات الداخلية بين الحكومات الثلاث التي تتنازع السلطة وأجندات خارجية تتلاعب بالملف الليبي وفق مصالحها وتوجهاتها.
الأحد 2017/02/19
الوحدة في ليبيا مازالت حبرا على ورق

القاهرة - أحيا الليبيون الجمعة الـ17 من فبراير الذكرى السادسة لانطلاق ثورتهم التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي العام 2011، في مناخ من عدم اليقين بسبب أزمة سياسية عميقة ألقت بظلالها على حالة انعدام الأمن.

ومصدر هذه الأزمة التعقيدات الكثيرة التي تحيط بالملف الليبي. وتتجسد الأزمة السياسية الحالية في وجود ثلاث حكومات، اثنتان منها في العاصمة طرابلس، وهما الوفاق الوطني، المدعومة من المجتمع الدولي، والإنقاذ، إضافة إلى المؤقتة بمدينة البيضاء (شرق)، والتي انبثقت عن مجلس نواب طبرق (شرق).

ويمتد هذا الانقسام إلى الخارج حيث يتبع كل طرف جهة مختلفة عن الأخرى، ضمن مجموعة من اللاعبين الإقليميين والدوليين المتدخلين في الملف الليبي، كل وفق مصالحه. ويخشى الليبيون أن يتواصل استنزاف ملفّهم بما يؤدي في الأخير إلى تقسيم البلاد.

وكلما لاحت بوارد انفراج في الأفق إلا وعادت العوائق السياسية لتقف في طريق المصالحة وإنقاذ البلاد من الانهيار. فرغم مرور حوالي عام على توقيع اتفاق الصخيرات الذي كانت مهمته توحيد ليبيا تحت سلطة حكومة وفاق وطني، إلا أن الأوضاع لم تتحسن.

وفي خضم الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والصراعات الداخلية بين الميليشيات المسلحة والأزمة السياسية العميقة، انعقد مؤخرا في القاهرة لقاء جمع فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبي وقائد قوات الجيش الليبي التابع لحكومة طبرق المشير خليفة حفتر، لكن لم يحمل اللقاء بشائر تغيير قريب.

وبدا واضحا أن الخلاف الذي ظهر خلال لقاء جمع السنة الماضية السراج وحفتر، مازال قائما. فلم تتوضح الإجابة على كيفية تسوية المسائل الخلافية، ومنها مثلا مسألة وضع خليفة حفتر في المرحلة المقبلة، وهل سيكون جزءا من حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج أم لا؟ ومن المسائل العالقة وضعية الجيش الليبي، وهل سيكون تابعا لمجلس النواب أم تابعا للمجلس الرئاسي؟ وهذه النقطة تحديدا تشهد اعتراضا من مجلس النواب في طبرق، ومن جماعات طرابلس في الغرب.

وأكدت مصادر ليبية في القاهرة، لـ”العرب”، أن تشكيلة المجلس الرئاسي -بحيث تكون صيغته رئيسا ونائبين- ليست محل خلاف على الإطلاق، خصوصا أن هناك مقترحات بضم ممثلين عن القبائل المختلفة إليه، وأن فكرة فصل منصبي رئيس الحكومة ورئيس المجلس الرئاسي، هي أيضا متفق عليها، ومن ثم تبقى الإشكالية الكبرى في وضع الجيش وخليفة حفتر من الاتفاق.

وقال متابعون للملف الليبي في القاهرة، لـ”العرب”، إنه لا يمكن لأحد أن يحسم مسألة فشل الجهود المصرية في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين من عدمها، فالملف ليس حكرا على السلطات المصرية، والقاهرة مجرد لاعب ضمن فريق متعدد الأجندات والأهداف داخل الأراضي الليبية، كما أن الملف نفسه من أكثر الملفات في المنطقة العربية ارتهانا بمواقف تتعدى حدودها العربية إلى الإقليمية.

وتحفّظ أبوبكر سعيد، عضو مجلس النواب الليبي، على فكرة الحكم بالفشل التام على الجهود المصرية.

وأشار في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن وفد المجلس الأعلى للدولة الليبية يضم بين أعضائه عناصر مجموعة فجر ليبيا، المحسوبة على تيار الإسلام السياسي في ليبيا، وهذا يعنى أن الطريق لا يزال مفتوحا أمام المقترحات والمبادرة المصرية لإنجاحها، وأن فكرة الضمانات التي تجعل من مواقف الأطراف الليبية أكثر مرونة مازالت قائمة.

الملف الليبي يشهد تجاذبات من دول بحجم روسيا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا بالإضافة إلى الدور القطري والتركي ما يجعل من مسألة التفاهم أمرا غاية في الصعوبة لكن ليس مستحيلا

ورد النائب الليبي على مسألة الإملاءات الخارجية التي أصبحت تتكرر كثيرا على ألسنة قوى مختلفة، بالقول “إن الملف الليبي يشهد تجاذبات من دول بحجم روسيا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا، بالإضافة إلى الدور القطري والتركي، ما يجعل من مسألة التفاهم أمرا صعبا، لكن ليس مستحيلا”.

ذكر محللون سياسيون في القاهرة أن الملف الليبي متشعب الجذور وأن ثمة أطرافا أخرى لها مصالح متضاربة، مرتبطة بكل الأطياف المختلفة على الأرض الليبية. وأشاروا بصفة خاصة إلى أن الإدارة الأميركية الجديدة لم تولي هذا الملف الأهمية الكبيرة، وهو ما يترك لأطراف مثل روسيا وفرنسا وتركيا، الفرصة للتدخل، ومحاولة فرض العديد من الإملاءات، ما يؤدي في النهاية إلى المزيد من التعقيد.

يعود جزء من عدم الوضوح الحاصل في قراءة نتائج الجهود الأخيرة بشأن الملف الليبي إلى غياب المعلومات الدقيقة عمّا يدور وراء الكواليس، وترك الأمر لاجتهادات المتابعين والمراقبين.

وكانت اللجنة الوطنية المعنية بليبيا، والتي يرأسها الفريق محمود حجازي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، استقبلت وفدا من أعضاء المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، برئاسة محمد إمعزب، النائب الثاني لرئيس المجلس وممثلين عن اللجان السبع بالمجلس.

جاءت الزيارة بعد يوم واحد من فشل القاهرة في جمع القائد العام للقوات المسلحة الليبية، خليفة حفتر مع رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج على طاولة واحدة، برغم تواجد الطرفين في ضيافة القوات المسلحة المصرية بالقاهرة.

وجرى التعتيم على أن حفتر ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح رفضا الجلوس مع السراج على مائدة واحدة، بسب عدم الثقة في رئيس المجلس الرئاسي والذي يرونه رهينة لأجندات تيار الإسلام السياسي في الغرب، وتركت المسألة للتسريبات من هنا وهناك، وهو ما جعل الكثيرين يعتقدون أن “التعتيم سيد الموقف”.

وتمحور البيان الذي نشرته القوات المسلحة المصرية عقب فشل لقاء حفتر-السراج، حول نقاط عدة، كانت مركز الخلافات بين جميع الأطراف في الفترة الماضية، منها على سبيل المثال، مسألة تعديل بعض البنود في اتفاق الصخيرات والمتعلقة بوضع الجيش وتبعيته وصيغة المجلس الرئاسي والفصل بين رئيس حكومة الوفاق ورئيس المجلس الرئاسي وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال سنة، إضافة إلى تشكيل لجنة مشتركة لبحث كل القرارات والإجراءات.

ورغم أن البيان تمت قراءته من معظم المراقبين في سياق فشل القاهرة في التوصل لحلول للملف الليبي، إلا أن زيارة وفد المجلس الأعلى للدولة الليبية للقاهرة الأربعاء، أي عقب فشل لقاء حفتر والسراج، جاءت لتعيد الأمل من جديد في القدرة على التوصل لحل الأزمة.

وأعرب المجتمعون عن التزامهم ببذل كل الجهود مع نظرائهم في مجلس النواب، للخروج من حالة الانسداد في المرحلة الحالية، والتوصل إلى حلول توافقية تحافظ على وحدة الدولة الليبية ومدنيتها، والتوزيع العادل للموارد، وتلتزم بالثوابت الوطنية المتفق عليها، وتعيد بناء مؤسسات الدولة الوطنية، كما أكدوا ترحيبهم بعودة جميع زملائهم لاستكمال عضوية المجلس الأعلى للدولة.

وعلمت “العرب”، من مصادر ليبية، أن وفدا جديدا من مجلس النواب، ينتظر وصوله للقاهرة قريبا لعرض ما تم التوصل إليه مع وفد المجلس الأعلى للدولة.

ومن جانبها، وجهت تونس الدعوة إلى الأطراف الليبية في الشرق والغرب، لبحث آخر ما تم التوصل إليه في القاهرة والجزائر.

لكنّ مراقبين أشاروا إلى أن الجهود المتلاحقة اصطدمت بإعلان مجموعة من الميليشيات المسلحة، المحسوبة على مجموعة فجر ليبيا، تشكيل جسم عسكري، يضم تحالفا من مجموعة من الميليشيات تحت مسمى الحرس الوطني.

ورأى هؤلاء أن ذلك يعد مؤشرا جديدا على تأخر حلحلة الأزمة الليبية، باعتبار أن مثل هذا التصرف يعد ردا على موقف الجيش الليبي الذي تقول تقارير إعلامية إنه ينوي دخول طرابلس في الأيام القادمة.

وقال فرحان حق، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إن بعثة المنظمة الدولية في ليبيا تتابع بقلق التقارير التي تشير إلى تشكيل قوات عسكرية موازية تحت اسم الحرس الوطني. وأضاف أن الأمم المتحدة ترى أن إنشاء هذه الهيئات سوف يعرقل التوصل إلى اتفاق وأنه سيؤدي إلى انعدام الأمن في البلاد.

وخلص محللون سياسيون في القاهرة إلى أن المشكلة الأساسية الآن هي أن اتفاق الصخيرات، الذي تم توقيعه في الـ17 من ديسمبر 2015، فشل في وضع حد للتدهور الليبي. وأخفقت الحكومة التي أنتجها (حكومة الوفاق الوطني) في فرض سلطتها على كل التراب الليبي، ما يجعل الأوضاع الليبية مفتوحة على كل الاحتمالات، وإذا تلاشى الأمل في التسوية على ضوء القنوات المعلنة، في كل من مصر وتونس والجزائر، من الممكن أن ينتقل الملف إلى جهات أخرى، وهو ما يطيل عمر الأزمة في ليبيا.

4